مارس 08 2018

آثار نفسية لاستخدام الأطفال في يوتيوب للحصول على المال في تركيا

"مرحبًا، أنا أَلِف، عمري 5 سنوات، أحب اللعب كثيرًا وخاصة مع العابي، وأقضي وقتًا مع هذه الدمى الجميلة، وأنا احب الرقص. إن أعجبتكم الفيديوهات الخاصة بي بعد مشاهدتها واشتركتم في قناتي فسأفرح للغاية".
تلك الكلمات انما تعود للصفحة التعريفية لقناة اليوتيوب "الأميرة أَلِف" التي حطمت ارقاما قياسية في عدد مرات المشاهدة، والخاصة بالطفلة أَلِف البالغة 5 سنوت من عمرها.
بواسطة هذه القناة على موقع يوتيوب والتي تقدم دعاية لمنتجات متنوعة مثل الألعاب والسكاكر والأزياء تربح تلك الطفلة الصغيرة وعائلتها آلاف الدولارات الأمريكية في العام الواحد.
 وبحسب الخبراء فإن هؤلاء الأطفال وإن كانوا يجلبون إلى عائلاتهم دخولًا قصيرة الأجل من اليوتيوب؛ إلا أن مشاكل نفسية خطيرة تنتظرهم في المستقبل.
يقوم والد أَلِف بتصوير الفيديوهات الخاصة بابنته. وفي هذه الفيديوهات تلعب الصغيرة أَلِف بمفردها أو تلعب سويًا مع والدتها الروسية ليرا، وتؤدي أنشطة وأعمالًا مختلفة. 
وفي كثير من الأحيان تكون تلك الأنشطة مسرحًا لمشاهد مثيرة وغريبة حتى إنها تسترعي رد فعل بعض الخبراء التربويين؛ ذلك لأن والدة أَلِفْ تظهر في هذه الفيديوهات وهي تسكب على رأس طفلتها ذات الخمس سنوات صوص الشوكولاتة ومشروب الكولا والقهوة تحت مسمى "لعبة كُلْ وإلَّا سكبتُه على رأسك"، بالإضافة إلى أنها ربما تقوم بحركات عجيبة وغريبة كأن تقطع ثمرة بطيخ نصفين وتلبس إحداهما برأس طفلتها.
الأشياء نفسها تفعلها أَلِف أيضًا تجاه والدتها؛ حيث تظهر الطفلة ذات السنوات الخمس في مشاهدة اليوتيوب وهي تسكب اللبن والشاي البارد على رأس والدتها. وبينما تحدث كل هذه الأمور تُسمع قهقهة الوالد الذي يقوم بعملية التصوير ولا يُظهِرُ وجهه في الفيديوهات على الإطلاق وهو ينادي على طفلته قائلًا:
"حين سكبت أمك الكولا على رأسك لم تُشفِق عليك، فلا تُشْفِقي أنت أيضًا عليها". وتقوم الوالدة بصب الكولا على رأس بنتها.

ويقول الخبير التربوي أكرم جولفا إن مثل تلك الألعاب من شأنها أن تتسبب في أضرار يستحيل إصلاحها وعلاجها في العلاقة السلطوية بين الطفل ووالديه. 
وفي إشارة إلى خطورة المشاهد الموجودة في الفيديوهات يقول جولفا "الطفل يبدأ في التفكير: هذا يعني أن والدتك يمكنها أن تضر بك من أجل كسب المال، ومن ثم يمكنك أنت أيضًا أن تضر بها. وعليه تتزعزع مشاعر الثقة والارتباط بين الطفل ووالديه".
كذلك يرى الخبير التربوي جولفا أن هذه المشاهد تشكل نموذجًا ومثالًا سيئًا بالنسبة للأطفال الذين يشاهدونها.
افتتحت قناة أَلِفْ قبل عامين فقط، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم زاد عدد مرات مشاهدتها بشكل سريع؛ إذ تحظى قناة اليوتيوب "الأميرة أَلِفْ" اليوم بمليون ونصف مشترك. 
وقد شُوهدت فيديوهات أَلِفْ 2 مليار و444 مليون مرة، والأكثر مشاهدة في الفيديوهات المعروضة فيها هو الفيديو الذي سقطت فيها قطتها "باتيكيك" في حمام السباحة.
لقد تمت مشاهدة ذلك الفيديو 18 مليون مرة بالفعل؛ حيث يتحدث والد أَلِفْ الصغيرة في هذا الفيديو إلى قطتها التي سقطت في حمام السباحة قائلًا "أنت تنظرين بغباء".
وبينما يُنهي والد أَلِفْ الفيديو ينادي على المشاهدين "أيها الاصدقاء! مع السلامة وإلى اللقاء، إننا نحبكم كثيرًا"، ثم ينادي على القطة الصغيرة التي تحتضنها ابنته: "نحبهم، أليس كذلك أيتها الحمقاء؟"
فيديو أَلِفْ الذي شُوهد 18 مليون مرة:
"الأميرة أِلِفْ" ليست الوحيدة في هذا المجال؛ إذ يأتي بعدها في الترتيب أطفال آخرون ظهروا في اليوتيوب تتراوح أعمارهم ما بين 5 إلى 10 سنوات مثل أويكو ومليكة ودوروق وإيشيل بحسب عدد مرات المشاهدة.
 ويتزايد باضطراد عدد العائلات في إسطنبول والأناضول حاليًا حيث يبلغ عدد مرات مشاهدتهم الملايين وعدد المشتركين في قنواتهم مئات الآلاف، فهناك من يتركون أعمالهم الأساسية ويتوجهون إلى اليوتيوب بفكرة أنه يجلب المال ويتفرغون تمامًا للعمل في إنتاج الفيديوهات.
تقوم العائلات بإنشاء قناة على اليوتيوب وتحمل عليها الفيديوهات الخاصة بأطفالها. 
وكما أن هنالك من يعبرون عن إعجابهم بواسطة ما يكتبونه من عبارات أسفل الفيديوهات تعليقًا عليها؛ هناك أيضًا من يشتمون ويسُبُّون. تلك التعليقات القاسية التي في الانترنت أدت في الأشهر الماضية إلى انتحار نجم استرالي من الأطفال.
أطفال اليوتيوب هؤلاء لديهم رعاة من شركات الألعاب والمواد الغذائية. ولأن هؤلاء الصغار يكسبون الأموال من تلك الفيديوهات التي تقوم بتصويرها عائلاتهم حيث يُعرِّفون بمنتجات معينة فإنهم يمتلكون ألعابًا وأشياء أكثر من أي طفل عادي.

وكما يأخذ أطفال اليوتيوب الأموال من الشركات التجارية في مقابل تنفيذ إعلاناتها فقد يربحون الأموال أيضًا من اليوتيوب موقع مشاركة الفيديوهات في حال كثرة مشاهدة الفيديوهات الخاصة بهم.
 هؤلاء الأطفال نجوم اليوتيوب الذين يملكون غرفًا مزينة وكبيرة للغاية يظهرون في الفيديوهات بكثرة وهم يتسوقون مع عائلاتهم ويشترون مزيدًا من الألعاب والأشياء الجديدة في كل مرة.
 وليس الأطفال فحسب هم من يشاهد فيديوهات هذه الظواهر الصغيرة، بل والكبار أيضًا.
إذ يتضح من التعليقات الواردة أسفل الفيديوهات أن العديد من البالغين أيضًا صاروا يتابعون تلك القناة. وفي تلك التعليقات التي يكتبها البالغون يعبرون عن إعجابهم المستمر والشديد بأولئك الأطفال.
ومن ناحية أخرى فإن عدد الأشخاص الذين ينتقدون هذه الظاهرة ليس قليلًا؛ فقد قام الطبيب النفسي أولجاي توزون بإطلاق حملة في الموقع الإلكتروني "Change.org" لجمع توقيعات من أجل إغلاق قناة "الأميرة أَلِفْ".
يشار إلى أنه تم حتى الآن جمع 239 توقيع في هذه الحملة التي تهدف إلى جمع 500 توقيع.
 ويقول الطبيب النفسي توزون"لا أرغب في أن تحول العائلات أطفالها إلى مصدر لجمع الأموال، وأن تجعلهم هدفًا لأصحاب النيات السيئة. لا أريد أن تتسوق العائلات لأولادها بدون حدود ولا أن تُظهر هذا وتتباهى به".
أما عن التعليقات الواردة أسفل حملة جمع التوقيعات فيظهر تعليق مثير ولافت للانتباه لأم تقول فيه: "ابنتي ترغب في مشاهدتها بإلحاح شديد. غير أنني أرى أنها لا تناسب نموها. إنها تتعلم الإسراف والشره منها.
 إنها فيديوهات لا داعي لها وليس فيها أي جانب تربوي ولا تعليمي". بينما نجد متابعًا آخر قام بالتوقيع لصالح إغلاق القناة كتب يقول. "إنني حزين من أجل أَلِفْ، وأعتقد أن حياتها قد سُرِقَت".
في حين أن هناك آخر بَيَّن أنه يشعر بالقلق إزاء ابن أخيه الذي يشاهد هذه الفيديوهات فقال:
"ابن أخي يشاكس ويعاند من أجل مشاهدة أَلِفْ دائمًا. ثم إنه يريد كل شيء يراه في تلك القناة. لقد لاح السوء والشر من فيديوهات تلك الطفلة الصغيرة".
وفي تصريح لموقع "أحوال تركية" قالت أدا بلاطة الخبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي إن الصغار الذين يشاهدون تلك الفيديوهات انما يقيمون نوعًا من التطابق والتوافق بسهولة مع من يظهرون فيها نظرًا لأنهم في تلك المرحلة العمرية ولذلك تشاهد تلك الفيديوهات بكثافة وكثرة.

ويشير الإخصائي التربوي أكرم جولفا إلى أن الأطفال الذين يظهرون في اليوتيوب تنتظرهم مشاكل نفسية كبيرة في المستقبل؛ ويقول:
" إن كثرة الثناء على الطفل والعناية به يعتبر أكبر أنواع الإساءة التي يمكن أن تمارس ضده، إنها تشبه إدمان المخدرات حيث تتسبب له في أزمات عندما يفتقدها.
 والحياة المرهونة بالإعجاب والتي تهدف إلى الخيلاء والتظاهر ربما تُنهي علاقات الطفل الإنسانية في حياته. 
إن هذا الوضع سوف يؤثر سلبًا وبشكل خطير على الاستمتاع بالحياة والرضا عنها؛ فحين لا يصبح أحد هؤلاء الأطفال الأول أو يعجز عن جذب اهتمام الناس إليه ربما يرى نفسه أتفه وأسوأ وأغبى وأحقر شخص في الدنيا.وهذا أيضًا قد يُحدث مجموعة من الاضطرابات النفسية الشديدة".
ويشير الإخصائي والخبير التربوي جولفا إلى أن مثل تلك الفيديوهات يمكن اعتباره نوعًا من أنواع استغلال الأطفال، ويشدد على العائلات بضرورة أن تحترم الحياة الشخصية للطفل. 

لقراءة الموضوع باللغة التركية على هذا الرابط