آفاق تركيا.. ارتفاع التضخم وتدهور الديمقراطية والمستقبل

بلغ معدل التضخم في تركيا 20.4 في المئة حتى شهر يناير في حين بلغ مؤشر مديري المشتريات الضعيف 44.2 كما حدث انهيار في مبيعات السيارات في يناير بنسبة 60 في المئة، ويثبت الإعلان عن كل ذلك أمراً لا مفر منه يتمثل في أن تركيا مدفونة بعمق في بحار "الركود التضخمي" ولن تخرج منه حتى النصف الثاني من هذا العام.
تؤثر السيطرة التقليدية على العملة في العام الماضي وأزمة الائتمان القاسية التي تلت ذلك على الاقتصاد التركي.

مخطط بياني

في حين تعكس المؤشرات الاقتصادية الوضع السيئ، مع تراجع النمو على الرغم من جهود الحكومة التي لا نهاية لها لدعم الطلب، فإن تراجع ثقة المستهلك والأعمال التجارية يعوق أيضاً التعافي السريع. ومع ذلك، لم يحدث هذا المأزق بين عشية وضحاها.

رسم توضيحي

بصرف النظر عن نهاية "الأموال الرخيصة" التي كانت تتدفق على الأسواق الناشئة مثل تركيا على مدى السنوات العشر الماضية، فلماذا لا تتعافى الثقة في تركيا في ظل انتهاء ذروة أزمة العملة بالفعل، على الأقل في الوقت الراهن؟ فلماذا لم تفلح جهود الحكومة في تحقيق أي شيء، على خلاف المرات السابقة كما حدث في الربع الأول من عام 2009 أو في الربع الثالث من عام 2016، عندما كان الانكماش الاقتصادي مجرد نقطة تحول وتم ضمان العودة إلى النمو في غضون ربع عام فقط.

رسم توضيحي

تأتي بداية كل شهر محملة بعبء من الأرقام تحتاج إلى تحليل خبير اقتصادي. ومع ذلك، كان من المثير للاهتمام أن نقرأ تحليلاً بعنوان "المحادثة - المملكة المتحدة" حول كيف أن "التراجع الديمقراطي" في بلد ما يؤثر على اقتصادها. أي أن القادة المنتخبين يوسعون سلطاتهم التنفيذية بينما يضعفون السلطة التشريعية والقضائية، وتصبح الانتخابات أقل تنافسية وتقل حرية الصحافة، كل ذلك يتجمع للإضرار بالأداء الاقتصادي للبلد من خلال تآكل المؤسسات الحكومية.

رسم توضيحي

في الوقت الذي تحتل فيه فنزويلا مزيداً من عناوين الأخبار الرئيسة عندما يتعلق الأمر "بالاستبداد والاقتصاد"، تشمل الأمثلة في التحليل أيضاً المجر وتركيا. يمكن توسيع القائمة لتشمل البرازيل والهند وروسيا والولايات المتحدة كذلك. وهي تمثل معاً تقريباً ثلث سكان العالم. على الرغم من أن المزيد من التحليلات تظهر أن تراجع التحول الديمقراطي في هذه البلدان يمكن أن يتجلى بطرق مختلفة للغاية.
في حالة تركيا، كان تدهور الديمقراطية الليبرالية هو المحرك الرئيسي للاستبداد وفقاً لمعايير "تنوع الديمقراطية".

رسم توضيحي

من المثير للاهتمام أن نرصد أن جهود تركيا المضنية للخروج من انهيارها الاقتصادي عام 2001 بمساعدة صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي كانت في الوقت الذي ازدهرت فيه ديمقراطيتها نسبياً إلى جانب اقتصادها. 
كما أن سنوات "المال الرخيص"، التي بدأت مباشرة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 وتزامنت مع نهاية برنامج صندوق النقد الدولي، ميزت أيضاً الوقت الذي بدأت فيه المعايير الديمقراطية التركية، التي لم تكن مثالية أبداً، في التراجع. في حين أن المال العالمي الرخيص، الناتج عن التيسير النقدي العالمي، قد غطى المشاكل التي تختمر على الجبهة الديمقراطية، بات عبء التراجع الديمقراطي في تركيا ملموساً أكثر وأكثر ومكلفاً بالنسبة للحكومة. 
الانتخابات الديمقراطية، التي تفشل في حماية الحريات المدنية وحكم القانون عندما تضعف المؤسسات الحكومية من قبل قيادة منتخبة تحولت إلى الاستبداد، ليست مفهوماً جديداً في تاريخ العالم، ومع ذلك فهي ظاهرة متنامية في أعقاب سنوات الكساد الكبير.
وفي حالة تركيا، تم تصميم النظام الرئاسي الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ منذ شهر يوليو 2018، من أجل تعزيز السلطات وتقليل الاستقلالية التشريعية والقضائية وقمع حرية التعبير. كان التراجع في الديمقراطية مصحوباً بسرعة بالمشاكل الاقتصادية، إذ تغير المد في الاقتصاد العالمي من الظروف النقدية اليسيرة إلى بيئة أكثر صرامة وغلاءً ابتداءً من عام 2013.
وهكذا، تبين أن عام 2018 كان وقتاً سيئاً. فقد انخفضت الليرة التركية بنسبة 30 في المئة مع التحول إلى النمو السلبي إلى حد كبير مع فقدان المعرفة الجماعية التي تأتي مع نظام برلماني تم استبداله بنظام رئاسي بسلطات تنفيذية واسعة. كما يشير تحليل "المحادثة - المملكة المتحدة"، إلى أنه في الصين وسنغافورة، حيث لم تكن الديمقراطية مستهدفة أبداً، يمكن أن يسود النجاح الاقتصادي، لأن هذه الدول لم يتم تأسيسها أبداً لتكون ديمقراطيات. ومع ذلك، فإن فقدان الجودة على جبهة الديمقراطية يؤثر على أي دولة من الناحية الاقتصادية كما يثبت التحليل، مما يؤدي إلى عزوف المستثمرين، لا سيما بالنسبة لدولة مثل تركيا حيث يعتمد النمو بشكل كبير على الاقتراض الخارجي لأن المدخرات المحلية تفشل في مواكبة الاقتصاد العالمي المتسارع.
في تركيا، منذ بداية عام 2018، تم اتخاذ خيارات السياسة الاقتصادية في وضع "الصراع مع الأزمة" الذي يفتقر إلى التماسك. وحتى برنامج الحكومة المالي الجديد الذي يمتد لثلاث سنوات، والذي أُعلن في سبتمبر الماضي ليكون محور ارتكاز إلى جانب التشديد النقدي القوي، يستند إلى توقعات الاقتصاد الكلي التي أصبحت غير واقعية بسبب شدة وطأة الانكماش الاقتصادي. وقد أثبتت القرارات اليومية المتعلقة بالإنفاق الحكومي وتخفيض الضرائب والقروض الرخيصة الممنوحة من خلال البنوك العامة عدم فعاليتها في تغيير هذا الاتجاه السلبي.
إن المعايير الديمقراطية المتدهورة في تركيا، التي مهدت الطريق أمام خيارات اقتصادية سيئة أو غير فعالة مثل منع السياسة النقدية الأكثر صرامة عندما تكون ضرورية، أصبحت أكثر تكلفة مما كان متوقعاً. تكافح الشركات التركية الآن في ظل مدفوعات الديون الخارجية الثقيلة، والتي كانت قد اتخذت على مدى السنوات الخمس الماضية لتوسيع عملياتها، وبالتالي لتعزيز النمو الاقتصادي. تعمل المعايير الديمقراطية كجسر للوصول إلى التمويل لبلدان مثل تركيا، ومع ارتفاع تكلفة التمويل على مستوى العالم، ظهر الشعور بالتكلفة الحقيقية للخسارة في الجودة الديمقراطية الآن.
وهكذا، فإن فشل الحكومة في تحسين مستوى الثقة العام في اقتصاد تركيا، على الرغم من فترات الركود الاقتصادي السابقة، يمكن أن يرتبط بحالة تدهور الديمقراطية، رغم الانتخابات ووجود أحزاب معارضة.
تواجه تركيا انتخابات محلية حاسمة في 31 مارس. إن المخاطر التي يواجهها الحزب الحاكم عالية إذ من الممكن أن يفقد المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة بسبب المشاكل الاقتصادية للبلاد والمعايير الديمقراطية المعتلة. وتظهر الانتخابات السابقة في تركيا أن المشكلات الاقتصادية لديها القدرة على خلق مفاجآت سياسية، لا سيما عندما تقترن بقاعدة ناخبين غاضبة من تدهور حرية التعبير.
يحث التقرير في تحليل "المحادثة - المملكة المتحدة"، الحكومات مثل تركيا على التراجع ومشاركة بعض السلطات مع أحزاب المعارضة لمنح اقتصاداتها دفعة قوية. ويمكن أن يساعد ذلك في نهاية المطاف القادة الذين يميلون إلى الاستبداد على البقاء في السلطة لفترات أطول.
وفي ظل توقف الإنتاج والاستهلاك التركي في خضم ارتفاع التضخم، ستكون فترة ما بعد الانتخابات هي الوقت المناسب لكي تصبح الحكومة جادة بشأن النظر في مزيد من الشفافية والتماسك والتشاور في صنع السياسة الاقتصادية.
وعلى الرغم من إنكار الحكومة القوي أنها ستنظر في برنامج صندوق النقد الدولي بعد الانتخابات، فإنه لا مفر من أن المستثمرين والمحللين يتحدثون عن هذا الاحتمال، نظراً للصعوبات التي يواجهها القطاع الخاص في سداد الديون الضخمة، ومعظمها قد تم اقتراضها من البنوك في تركيا. 
ويمثل أي برنامج لصندوق النقد الدولي، على الرغم من الجدل بشأن جدواه بالنسبة للاقتصادات في جميع أنحاء العالم، مصدراً مهماً للقروض التي يمكنها أن تغير الاتجاه السلبي في الاقتصاد التركي.
وستكون تكلفة أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي بالنسبة للحكومة متمثلة في العودة إلى سياسة اقتصادية تتسم بالعقلانية والشفافية. وهذا بدوره قد يُظهر لكل شخص حالة الديمقراطية المعتلة في تركيا وعبئها الحقيقي على الاقتصاد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/high-inflation-bad-democracy-and-future-turkeys-prospects
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

Related Articles

مقالات ذات صلة

İlgili yazılar