ذو الفقار دوغان

آيدين دوغان.. الرجل الذي حدّدت السياسة مصيره!

مع ورود أخبار ببيع مجموعة دوغان الإعلامية (مجموعة دوغان القابضة للبث والنشر، أكبر مجموعة إعلامية في تركيا، والتي توصف بأنها "التيار الرئيس")، إلى مجموعة دميروران الإعلامية تنتهي حقبة مهمة في تاريخ وسائل الإعلام التركية.
فمنذ عدة أسابيع وحتى اليوم ترددت شائعات حول بيع المجموعة انعكست على كواليس وسائل الإعلام، وقد تأكدت تلك الشائعات حيث أن الطرفين "اتفقا" على 1.2 مليار دولار ثمنا لبيع المؤسسات الإعلامية باستثناء سلسلة محلات (دي أند آر) للكتب والأقراص الصلبة، وهو ما أكده مسؤولون من الجانبين لم يتم الإفصاح عن هويتهم، وقد ذُكِر أن البيان الرسمي حول إتمام صفقة البيع هذه سيتم إعلانه على منصة "منتدى توعية وإعلام الرأي العام (KAP)". 
يُشار إلى أن آيدين دوغان الرئيس الشرفي لمجموعة دوغان الإعلامية قد اشترى صحيفة "ميلليت" من أرجمند قراجان عام 1979؛ ليدخل بذلك في قطاع الإعلام، وبينما هو على وشك دخول عامه الـ 40 في هذا المجال إذ به ينسحب منه تماما مخلفا وراءه لقب "مالك وسائل الإعلام الأقدم والمخضرم".
يُعرفُ أن آيدين دوغان بعد أن اشترى صحيفة "ميلليت" اشترى أيضا صحيفة "حرييت" من "أرول سماوي" عام 1994 لِيوسِّع بذلك من استثماراته ونشاطاته في هذا القطاع، وخلال حقبة إنشاء القنوات التلفزيونية الخاصة دخل دوغان في شراكة مع "آيهان شاهنك" مالك مجموعة "دوغوش" القابضة ليؤسسا معا قناة "د" التلفزيونية ليمتد نشاطه بذلك إلى قطاع البث التلفزيوني.
يُذكرُ أن هذه المؤسسة بدأت نشاطها أولاً باسم "مجموعة دوغان الإعلامية" فــ"مجموعة دوغان القابضة" ثم "مجموعة دوغان القابضة للبث والإعلام"، وقد نمت المجموعة وتوسعت بإنشاء العديد من الشركات التابعة لها في كل المجالات الإعلامية مكتوبة ومرئية ومسموعة ورقمية وإنترنت إلخ.

آيدين دوغان

وخلال مسيرته عيّن آيدين دوغان بناته الأربع وأول أصهاره "محمد علي يالجين داغ" في مجلس إدارة المجموعة القابضة وشركاتها الإعلامية، ليواصل بذلك استثماراته في إطار مفهوم ما يُعرف بـ"شركة العائلة".
جدير بالذكر أن مجموعة دوغان الإعلامية وصاحبها آيدين دوغان قد دخلت القطاع الإعلامي في البداية إبان مرحلة النمو والتوسع مجرد مالك لصحيفة فحسب، وبينما ظل في المقام الأخير في اللحظة الأولى لمسيرة التحول إلى "رجل أعمال يمتلك وسائل إعلامية" والتي بدأت مع حزب الوطن الأم (ANAP) وتورغوت أوزال، حقق نوعا من المواكبة للتغير الحادث في القطاع في الحقبة التالية لذلك، حيث طوّر علاقاته بالسلطات السياسية.
وفي الصراع الذي دخله أوزال مع أرول سيماوي صاحب صحيفة حرييت، قام الأول باستدعاء "أصيل نادر" من إنغلترا إلى تركيا وزجّ به في هذا القطاع، ولما بادر إلى توزيع المؤسسات الإعلامية التقليدية الموجودة في تركيا بدعم من السلطة رأى آيدين دوغان أن عليه التأييد، وبدأ يحدد خطواته وفقا لهذا.
يشار إلى أن "أصيل نادر" دخل هذا القطاع بشرائه صحيفة "غون آيدين" من "خلدون سيماوي"، وقد أدت مواصلته التقدم في هذا القطاع عبر شرائه صحيفة "غونش"، واستثماراته لتفعيل وسائل الإعلام المحلية، ومشروع "الدليل الذهبي" واستثماره أيضا في مجالات عديدة مثل مجال الغذائيات، ومجال الإلكترونيات من خلال "بولي بيك".. إلخ -أدى ذلك- إلى الجمع بين كلّ من سيماوي ودوغان اللذين يمثلان الإعلام المحلي في القطاع.
وفي أعقاب جهود تورغوت أوزال للسيطرة على وسائل الإعلام متبنيا منهج "ستبقى 2.5 صحيفة" قدم إلى إسطنبول "دينتش بيلغن" مالك صحيفة "يني عصر" في إزمير، وخطا أولى خطواته ليصبح الإعلام القومي، وأصدر صحيفة صباح.
وكانت قناة "ماجيك بوكس" التلفزيونية بدأت تبث من الخارج بفضل علاقة الشراكة بين أحمد أوزال وجم أوزان، وراحت تعمل كأول تليفزيون خاص مخالفة بذلك القوانين السارية في تلك الفترة. وفي وقت لاحق بدأت مجموعة "أوزان" تنمو في مجال القنوات التلفزيونية الخاصة من خلال قناة "ستار" وقناة "تلؤون" مدعومة من حزب الوطن الأم.
يُذكر أن إنشاء "أرول أقصوي" صاحب بنك الاقتصاد قناة "شو" التلفزيونية، وتزايد امتلاك كل وسائل الإعلام الحديثة تقريبا من قِبلِ مصرفيين في الوقت نفسه قد وجّه آيدين دوغان إلى التأقلم مع الاتجاه العام آنذلك، والمناضلة مع خصومه بالأسلحة نفسها.
وبطبيعة الحال أدى التقارب والتعاون مع القوى السياسية إلى تبادل المنافع وعقد الصفقات وتقديم التنازلات. وقد أثر هذا الوضع في السياسة التحريرية للمجموعة أحيانا، وفي إدارة الصحف والقنوات التلفزيونية أحيانا، والكُتَّاب والعملية الإخبارية أحيانا.
ومن المعلوم أن قانون الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون (RETÜK) يضم مادة تمنع أصحاب وسائل الإعلام من الدخول في المناقصات العامة، وقد سعى آيدين دوغان إلى إعداد تعديل لإلغائها وافق عليه البرلمان التركي في فترة حكومة الائتلاف الثلاثي، وبذلك مهد دوغان الطريق لنفسه للدخول في مناقصات الخصخصة والاستفادة منها، وهنا حدث الخلاف والشقاق بينه وبين الأسماء التي انتقدت تلك المحاولات حيث لم تجدها أخلاقية؛ فقد انقطعت علاقة كلٍّ من: أومور تالو، ونيلغون جراح أوغلو، وشاهين ألباي، ودويغو آسنا، وزينب أورال، ويالتشين دوغان، وياليم أرالب، وبدري قورامان، وطورخان سلجوق بصحيفة ميلليت.
وحتى تلك الحقبة كان آيدين دوغان يحقق موارد مالية كبيرة عبر استخدامه وسائله الإعلامية الخاصة في تسويق مبيعات سيارات مجموعة "قوتش"، وذلك من خلال التسويق في "ميلليت"، وقد اشترى مصرف "ديش بنك" التابع لمصرف "إيش بنكسي". ثم أنشأ مصرفه الخاص "ألترناتيف"، وبذلك تساوى وضعه مع وضع خصومه.
وهكذا أخذ آيدين دوغان مكانه بين صفوف ملاك وسائل الإعلام من أصحاب البنوك. وطوّر علاقاته مع السلطات الحاكمة من خلال الاستثمار في المجالات غير الإعلامية أيضا، وعزز بذلك خيار النمو والتوسع من خلال الإمكانيات والموارد العامة. وقد واصل نموه وتوسعه بعيدا عن القطاع الإعلامي بشرائه شركة "بترول أوفيسي" بالشراكة مع مصرف "إيش بنكسي" مستفيدا بذلك من حملة الخصخصة، واستثمر في مجال قطع غيار السيارات بشرائه شركات "تشليك خلاط" و"ديتاش أوتو".
وقد كان آيدين دوغان يوسع علاقاته ومشاركاته مع القوى السياسية كلما ازداد نموا؛ فزاد من حجم قوته السياسية في عهد حكومات كلٍّ منْ: تانسو تشيللر، ومسعود يلماز.
وكان آيدين دوغان يدخل أحيانا في معارك وصراعات مع منافسيه في مجال الإعلام والعلاقات التجارية، مصطفا إلى جانب السلطات الحاكمة، والواقع أن التأثير على القوى السياسية والنضال من أجل الحصول على نصيب وافر من الموارد العامة كان الدافع وراء معاركه الإعلامية التي احتدمت مع مجموعة أوزان ومجموعة بيلغين ومجموعة جينر.
وبطبيعة الحال فقد أدى التقارب والتعاون مع القوى السياسية إلى تبادل المنافع وعقد الصفقات وتقديم التنازلات؛ وهو ما أثَّرَ في السياسة التحريرية للمجموعة أحيانا، وفي إدارة الصحف والقنوات التلفزيونية أحيانا، والكُتَّاب والعملية الإخبارية أحيانًا أخرى.
وبسبب الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2001 باع آيدين دوغان مصرفه ألترناتيف إلى تونجاي أوزيلخان صاحب مجموعة الأناضول للصناعات القابضة، فنجا من تلك الأزمة الاقتصادية دون أن يتعرض لمزيد من الخسائر، أما كل منافسيه في قطاع الإعلام فقد خسروا جميعهم تقريبا مؤسساتهم الإعلامية أيضا بسبب مصارفهم.
وبينما اضطر كلٌّ من: جم أوزان إلى التخلي عن مصرف "إعمار بنك" و"أضه بنك"، ودينتش بيلغين عن مصرف "أتي بنك"، وأرول أقصوي عن مصرف "اقتصاد بنك"، ومحمد أمين قرا محمد عن مصرف "يابي كردي" لصالح "صندوق التأمين على الودائع والمدخرات (TMSF)" ومؤسساتهم الإعلامية أيضاً تزامنا مع مصادرة بنكي "باموق بنك" و"إنتر بنك"، خرج آيدين دوغان من هذه المرحلة على عكسهم؛ إذ نجح في تعزيز مؤسساته الإعلامية وتقويتها.
وإلى جانب صحيفتي حرييت وميلليت أصدر آيدين دوغان صحفا كانت الأكثر مبيعا مثل "بوسته" و"ميدان" و"غوزجو"، والتي بلغت مبيعاتها المليون في إحدى الفترة، وتوسع في النشر الفكري والإعلام الاقتصادي أيضا فأصدر صحفا مثل "رديكال" و"فينانسل فوروم" التي أغلقها لاحقا، وقد اشترى قناة "ستار" التابعة لمجموعة أوزان من "صندوق التأمين على الودائع والمدخرات (TMSF)" إبان تولي حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002.
ويُشار إلى أنه تعرف على رجب طيب أردوغان حين كان رئيسا لبلدية إسطنبول العامة، ومن قبل خلال فترة توليه رئاسة فرع حزب الرفاه بإسطنبول، ولكن ما إن تولى أردوغان السلطة حتى بدأت علاقة آيدين دوغان بحزب العدالة والتنمية تتدهور مقارنة بعلاقته بالقوى السياسية الحاكمة السابقة.
ومن المعروف أن صحيفة حرييت نشرت خبر الحكم على أردوغان بالسجن والمنع من ممارسة السياسة بسبب الشعر الذي كان ألقاه في "سيرت" بعنوان رئيسي صاغه أرطغرل أوزكوك رئيس تحريرها آنذاك جاء فيه "يستحيل أن يصبح ولو حتى مختاراً"، وهو ما لم ينسه أردوغان قط.
لقد كانت مجموعة دوغان القابضة في صراع مستمر مع حزب العدالة والتنمية منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم، فقد قال أردوغان "إننا لم نأتِ بعناوين الصحف الرئيسة، ولن نذهب بسببها أيضًا."؛ حيث اتخذ موقفا متشددًا دائمًا ضد آيدين دوغان والصحف التابعة له.
وعليه فقد تم عزل بعض الكتاب من تلك الصحف مثل: "أمين تشول آشان" و"بكير جوشقون" تفاديا للتعرض لمزيد من سخط أردوغان. ونُقِل "أحمد خاقان" كبير مذيعي ومقدمي البرامج في قناة "7" التلفزيونية المقربة من حزب العدالة والتنمية إلى صحيفة حرييت. كما نُقل أيضا "طه آقيول" من صحيفة ميلليت إلى صحيفة حرييت.
وفي تلك الفترة عُين "أنيس بربر أوغلو" ممثل صحيفة حرييت بأنقرة، والذي استطاع أن يركب مع أردوغان طائرته، مديرا عاما للنشر، وعين "أرطغرل أوزكوك" كاتب عمودـ وبذلك تسنت السيطرة عليهما وترويضهما. وأُغلقت صحيفة راديكال الأكثر معارضة بين صحف مجموعة دوغان، كما أصبحت "أرزوخان دوغان يالتشن دوغان" الابنة الكبرى لآيدين دوغان ورئيس جمعية الصُّنّاع ورجال الأعمال الأتراك" (TÜSİAD)" هدفًا صريحا بالنسبة لأردوغان؛ حيث نبذ أردوغان هذه الجمعية وانتقدها وهاجمها دائمًا.
جدير بالذكر أن هيئة الرقابة على المنافسة (RK) أجبرت آيدين دوغان الذي كان اشترى قناة "ستار" التلفزيونية من صندوق التأمين على الودائع والمدخرات (TMSF) على إعادة بيع هذه الصحيفة وبعض صحفه الأخرى بحجة التصدي للاحتكار في وسائل الإعلام، فاضطر إلى بيع صحيفة ستار إلى مجموعة دوغوش الإعلامية، وصحيفتي وطن وميلليت إلى مجموعة دميروران الإعلامية عام 2011.
وبالرغم من ذلك واصل أردوغان الهجوم على آيدين دوغان ومجموعته الإعلامية. حيث كان يستهدف مجموعة دوغان قبل كل مرحلة انتخابية تقريبا وينتقدها، ويحرض ضدها. وصرح بأن آيدين دوغان زاره شخصيا وتوسل إليه بشأن قطعة أراضي فندق هيلتون، وذكر في حملاته الانتخابية أنه "وُلِد ونشأ في حي قاسم باشا، وأنه لم يتذلل لأحد."
وكانت شركات مجموعة دوغان تأتي في طليعة المؤسسات التي بالغ مفتشو المالية في التفتيش عليها ودراسة ملفاتها والتحقق منها دائمًا، وأخيرًا فرضت عقوبة مالية عام 2008 على مجموعة دوغان بلغت 3 مليار و755 مليون ليرة تركية عن أرباح شركة "بترول أوفيسي"، وبينما كان آيدين دوغان يسعى ويجتهد من أجل التخلص من هذه العقوبة الضريبية اضطر إلى التصالح مع وزارة المالية. وفي أعقاب ذلك باع هذه الشركة إلى المستثمرين النمساويين، وتخلص منها.

آيدين دوغان ورجب طيب أردوغان

وقد رُصِدَ أنَّ آيدين دوغان ومجموعته الإعلامية أيضاً كانا على رأس أبرز الأسماء والمؤسسات التي دائمًا ما نكَّل بها أردوغان وهاجمها في الميادين خلال الانتخابات المحلية عام 2009، والانتخابات العامة عام 2011، والانتخابات المحلية والرئاسية عام 2014.
أما أردوغان الذي تولى السلطة عام 2002 فوجد تحت يده وتصرفه وسائل إعلامية عديدة تمت مصادرتها بسبب الأزمة الاقتصادية عام 2001 كانت خاضعة لسيطرة "صندوق التأمين على الودائع والمدخرات (TMSF)"؛ فكان هذا الوضع بالنسبة له يتضمن العديد من الفرص والإمكانيات المهمة ليشكّل بها وسائل الإعلام الخاصة به في الوقت نفسه؛ فكانت البداية بأن قام "صندوق التأمين على الودائع والمدخرات (TMSF)" ببيع صحيفة صباح وقناة "آ ت ف" التليفزيونية إلى "أحمد تشاليق" رجل الأعمال المقرب من أردوغان. وتم تعيين "سرحات آلبيراق" أخي صهر أردوغان على رأس المؤسسة الإعلامية "توركواز" التي اشتراها أحمد تشاليق شراكةً مع المستثمرين القطريين وبقرض ائتماني تلقاه من مصرفي "خلق بنك" و"وقف بنك".
أما صحيفة ستار التابعة لمجموعة "أوزان" والتي صادرها "صندوق التأمين على الودائع والمدخرات (TMSF)" فقد بيعت إلى "علاء الدين قايا" أولًا، ثم بيعت لشركة "فتاح تامينجه" و"أدهم سنجاق" أصحاب فنادق "ريكسوس"، غير أن الأول انسحب منها لاحقا لتنتقل ملكية الصحيفة إلى مجموعة "أس" الإعلامية التابعة لأدهم سنجاق.
أما صحيفتا أقشام وغونش وقناة سكاي تورك الإخبارية (Skytürk) التابعة لمجموعة "تشوقور أووا" فقد بيعت أيضا إلى أدهم سنجاق. وقناة "قرا محمد" التلفزيونية بيعت إلى "طورغاي جينر"، بينما تمت عملية بيع "ديجي تورك" إلى مجموعة "بي إن" الإعلامية القطرية بدون طرحها في مناقصة. ولا زال مجهولًا بكم تمت عملية البيع.
في أعقاب فضيحة الفساد التي انكشفت في 17-25 ديسمبر 2013 انسحب أحمد تشاليق من القطاع الإعلامي، وانتقلت ملكية صباح وقناة "أ ت ف" وقناة "أ" الإخبارية إلى مالك آخر؛ حيث بيعت إلى مجموعة "ذروة" الإعلامية بقيادة قاليون للإنشاءات، والتي أسسها مقاولون مقربون من الحكومة.
وعليه فقد توسعت وكبرت مجموعة إخلاص وصحيفة تركيا، ومجموعة آلبيراق الإعلامية وصحيفة يني شفق التابعة لها، وقناتا: أُولكه و"7" التلفزيونيتان ووسائل حزب العدالة والتنمية الإعلامية والمجموعات الإعلامية الموالية للسلطة. وبإضافة قناة "ت ر ت" التلفزيونية إلى ذلك فقد نمت القنوات الرسمية الخاضعة لسيطرة الحكومة ووسائل الإعلام الخاص نموًا كبيرًا.
وباستثناء مجموعة دوغان الإعلامية كانت هناك مجموعات إعلامية مثل دوغوش وجينر تمثل المؤسسات الإعلامية التي تتقاسم مع الدولة أعمالا مكثفة بسبب علاقتها التجارية ومناقصات التعدين والطاقة والإنشاءات والبنية التحتية. وأخيرا بيعت أيضا قناة "إن تي في" الرياضية التابعة لمجموعة قنوات "نرجس" التلفزيونية.
وهكذا فقد تحطمت مقاومة مجموعة دوغان الإعلامية التي تبدو أنها لم تخضع بعد لسيطرة السلطة عليها بشكل كامل بين وسائل إعلام التيار الرئيسي بالرغم من استهداف أردوغان المستمر لها، وقد بدا ذلك مؤكدا في ظل صفقة البيع التي تم الإعلان عنها.
من الواضح أن آيدين دوغان سئم من استهدافه من قبل أردوغان في الميادين مجددا عشية الانتخابات الثلاث التي ستجرى في 2019، وأنه لا يرغب في أن يتعرض لمزيد من الضغوط؛ لذلك فضل الانسحاب الكامل من هذا القطاع.
وفي عام 2013 عَيَّن آيدين دوغان "عاكف بَكِيْ" المتحدث باسم رئاسة الوزراء -حين كان أردوغان رئيسا للوزراء- في صحيفة حرييت التي تعتبر قاطرة المجموعة والأعرق بين الصحف التركية ظنا منه أنه سيُهدِّئ بذلك من غضب أردوغان وهجومه عليه، وليجرب بذلك حلاً آخر، ولكنه حين رأى، خلال فتور العلاقة بين أردوغان- داود أوغلو، أن عاكف بكي لن يكون الحل لا سيما أنه من فريق داود أوغلو اضطر إلى التخلي عنه.
وفي هذه المرة حاول التقارب مجددا من خلال تعيين "عبد القادر سلوي" من صحيفة يني شفق، إلا أنه أيضا لم يكن الحل ولا سيما أن قرار البيع قد صدر.
وتزعم الأخبار التي تدور في كواليس الوسائل الإعلامية أن آيدين دوغان قال لمديريه "لم تعد لديّ قدرة على الصمود." أما أردوغان دميروران- ييلدريم دميروران التي استحوذت على المجموعة بصفقة بيع بلغت 1.2  فهناك قناعة بأنها المشتري "في الظاهر"، إلا أن هناك رجال أعمال أو مجموعات رأسمالية أخرى مقربة من الحكومة هي التي تقف وراءها.

آيدين دوغان

وتأتي حصة المشاهدة والتسويق في الأنشطة التلفزيونية التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية في المرتبة الثانية بنسبة 10.82 %. أما قنوات "ت ر ت" الخاضعة لرقابة الدولة فتبلغ نسبة مشاهدي قنواتها التلفزيونية11%، بينما تبلغ نسبة قنوات مجموعة مديا 10.15 % من مشاهدي التلفزيون في تركيا.
أما في وسائل الإعلام المطبوعة فبالرغم من المزاعم المنتشرة بأن الصحف الموالية للسلطة يتم شراؤها من قبل مؤسسات الدولة أو يُفرض الاشتراك فيها بالجملة، وبهذه الطريقة تبدو مبيعاتها عالية، إلا أنَّ المجموعات الإعلامية الكبرى الأربع تمتلك نسبة 59% من الإعلام المطبوع.
وبينما تحتل مجموعة دوغان الإعلامية المرتبة الأولى في هذا الترتيب بنسبة 22% (حرييت وبوسته وحرييت ديلي نيوز، وفناتيك)، تأتي مجموعة توركواز (صباح وتقويم) في المرتبة الثانية بنسبة 15 %، ومجموعة "أس ميديا" (ستار وأقشام وغونش) تحتل المرتبة الثالثة بنسبة 12%، أما "أستتيك مديا" فتأتي في المرتبة الرابعة بنسبة 10%. كما تتصدر وكالة دوغان للأنباء (DHA) أيضا المرتبة الأولى بين وكالات الأنباء الخاصة.
ووفقًا للتقرير الذي أعلنته مؤخرا نقابة الإعلانيين بشأن الإعلانات في وسائل الإعلام لعام 2017 فإن إجمالي حجم الإعلانات في وسائل الإعلام للعام الماضي بلغ 10.7 مليار ليرة تركية (ما يعادل 3 مليار دولار). وبينما تأتي القنوات التلفزيونية في المرتبة الأولى منه بنسبة 48%، تحتل مواقع البث الرقمي نسبة 26 % من هذه النسبة. أما وسائل الإعلام المطبوعة فتأتي في المرتبة الثالثة بحصة قدرها 12%.
أما عن حصة مجموعة دوغان الإعلامية من تلك الحصيلة فقد تراجعت بسبب احتلال مجموعات توركواز ميديا وذروة وقاليون الإعلامية المقربة من الحكومة المرتبة الأولى. ومن المعروف أيضا أن مواردها المالية من الإعلانات في الإعلام المكتوب قد انخفضت بسرعة، وأن المصارف والمؤسسات الرسمية منحت إعلاناتها بشكل مكثف إلى المؤسسات الإعلامية المقربة من الحكومة.
من ناحية أخرى فإن هيئة الإعلانات الصحفية المسؤولة عن توزيع الإعلانات الرسمية لا تصرح بالبيانات المتعلقة بتوزيع الإعلانات الرسمية والإعلانات العامة على المؤسسات الإعلانية بزعم أنها "أسرار تجارية".
وبينما تنتهي حقبة كاملة في تاريخ وسائل الإعلام التركية مع بيع مجموعة دوغان الإعلامية، فإنه من المنتظر أن تنضم مئات من الأسماء الجديدة بين صفوف الصحافيين العاطلين عن العمل في الفترة المقبلة، والحقيقة أنه من المتوقع القضاء تماما على كل الأصوات المعارضة ولو أدنى أشكال المعارضة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: