أتاتورك مقابل أردوغان.. معركة الأساطير

لا يوجد شيء ما يشير إلى متى سينتهي صراع القوى القاسي في تركيا، أو ما إذا كان هذا الصراع سينتهي في الأساس. وربما يُبدد وجود شعور أدنى للنهاية بعض من انعدام الثقة بين طوائف المجتمع. وعلى الرغم من ذلك، فإن سياسات التفرقة التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينتمي إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هي التي تحدد هذه اللحظة. وتخدم هذه السياسات مصالح أردوغان بصورة جيدة.
ويُمثل الحاضر انعكاسًا للماضي أيضًا. فعلى أحد المستويات، تعكس الاختلافات بين العلمانيين، والإسلاميين، والأكراد، واليساريين انقسامًا كبيرًا يمزق البلاد. فالمجتمع منقسم بين أولئك الذين يحترمون، ويوقرون مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة والنصف الآخر الذي يحترم أردوغان. وبالنسبة لهم، فإنه معصوم من الأخطاء، ويؤيد هذا سيطرته الكاملة تقريبًا على وسائل الإعلام التركية.
وكلما زادت سيطرة أردوغان على المؤسسات الرئيسية للدولة، كلما زاد التفوق الذي يدعيه على أتاتورك الذي يُلقي عليه باللوم في "قمع السنة المتدينين". ومن الواضح أن أردوغان يحقد على أتاتورك بسبب الشعبية التي تمتع بها أتاتورك لعقود من الزمان بعد وفاته.
وهذا كله عن صنع أسطورة في دول يتم فيها نقل الثقافة المتوارثة الضاربة الجذور والسلطة من جيل لآخر. فأتاتورك أسطورة بالنسبة للملايين من أبناء الشعب التركي، وما يطمح أردوغان لتحقيقه هو فرض أسطورة عن نفسه، وبهذه الطريقة يقضي على أسطورة أتاتورك. ويأمل أردوغان، على أقل تقدير، في أن يجعل أسطورة أتاتورك ثانوية في العقلية الجمعية.
ويمثل العاشر من شهر نوفمبر من كل عام أحد الطقوس الدفينة بالنسبة لتركيا. حيث تُسمع فيه النواقيس وهي تدق في تمام الساعة التاسعة وخمس دقائق صباحًا وهو التوقيت الذي مات فيه "الأب" في عام 1938. ويتوقف الأشخاص في مساراتهم في الأماكن العامة. وتتوقف السيارات عن الحركة. ويقدم القادة التعازي إلى الأمة. وخلال اليوم بأكمله، تتزين الصفحات الأولى من الصحف وشاشات التلفزيون بصورة أتاتورك.
وبالنسبة للنصف الآخر من الأتراك – وهو غالبية الناخبين الموالين لأردوغان – فإن ذكرى وفاة أتاتورك تمثل بالنسبة لهم مسألة لا مبالاة بشكل عام، باستثناء الذكرى السبعين لوفاته والتي شابها بعض الحوادث.
وتجلى هذا الاتجاه بصورة رمزية كبيرة في العاشر من شهر نوفمبر الجاري، أكثر من أي ذكرى سنوية أخرى. فقد قام علي أرباش، رئيس رئاسة الشؤون الدينية التركية، بزيارة رمز مثير للجدل، حتى وإن كان هامشيًا، اشتهر بما يعتبره العلمانيون لغة تشهيرية ضد ذكرى أتاتورك. وطبقًا للقانون التركي، فإن هذه الزيارة تُعد جريمة.
وقد أصبحت رئاسة الشؤون الدينية التركية بشكل خاص مؤسسة الوصاية الأقوى في البلاد بعدما ضعف الجيش التركي. وتم التقاط صور لأرباش مع الرجل الذي كان يزوره، وحتى على الرغم من أن الزيارة كانت يوم التاسع من نوفمبر، فإنها كانت بارزة بما يكفي لإثارة غضب العلمانيين.
كما لوحظت أحداث أخرى في أنحاء البلاد. ففي أحد الأقاليم الحدودية مع سوريا، هاجم أحد اللاجئين تمثالًا لأتاتورك، كما هاجمت امرأة في الأناضول الغربية تمثالًا لأتاتورك.
 وليس ثمة سرًا في أن السنة الذين يبالغون في التدين يعتبرون التماثيل غير مقبولة في حد ذاتها. ومع الوضع في الاعتبار شخصية أتاتورك المفرطة في العلمانية، فإن تماثيله تُعد أهدافًا. ويجعل المذهب الإسلامي التركي، الذي يعتنقه أردوغان بشدة، والذي تضرب جذوره في المجتمع التركي، من نزع صفة الأسطورة عن الأب المؤسس المسار الطبيعي بالنسبة له.
وعلى الرغم من ذلك، فإنها معركة طويلة، كما أنها تسير ببطء. فقد بنى أتاتورك دولةً ومجتمعًا من أنقاض إمبراطورية كان عمرها 600 عام، كما كان يتصور. وبإصرار وعزيمة تصل إلى حد العناد، قام بالبناء على أرضية متصدعة، وكان هذا عبارة عن مجتمع يتكون من جماعات متلاصقة ببعضها البعض بطريقة صناعية بعض الشيء فيما يتعلق بالانتماء التركي. وقد كان مجتمعًا لا يوجد به مكان للأقلية. وكان العمود الفقري للجمهورية التركية نموذجًا قاسيًا من العقيدة العلمانية التي تسببت في مشاكل طويلة المدى.
ويبدو أن تركيا الجديدة التي يسعى أردوغان لتأسيسها لن تختلف كثيرًا في سماتها الرئيسية. ففي تصوره فهو يريدها أن تكون انعكاسية ومنقسمة بشدة، ومعارضة لأتاتورك، وأن تكون هويتها السنية واضحة بصورة تمامًا.
كما يعلم أردوغان أنه يمكنه تحقيق هدفه هذا فقط من خلال مساعدة يمكن أن يحصل عليها من القوميين اليمينيين المتطرفين، الذين يغمر تعاطفهم مع أتاتورك بطرق عديدة أسطورة القومية التركية الضاربة في عمق آسيا الوسطى. وكان أتاتورك يعارض هذا المظهر. ويمكن القول إن أردوغان يعمل ببراعة على دمج أيديولوجيتين معًا ألا وهما القومية التركية والإسلامية التركية. 
كما يرغب أردوغان في أن يرتقي فوق هذا الدمج وأن يكون أكثر نجاحًا لفترة أطول من تلك التي تمتع بها أتاتورك. وربما يأمل في أن يكون الزعيم الأبدي لتركيا. ومع الوضع في الاعتبار تأييد الحشود المحافظة له، فقد ينجح أردوغان في مسعاه هذا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/erdogan-ataturk/ataturk-vs-erdogan-battle-myths
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.