أتراك النمسا: خوف متصاعد من تيارات اليمين المتطرّف


فيينا – لعقود خلت، تدفق عشرات الألوف من الاكراد في شكل وصفة مهاجرين قاصدين النمسا وبمرور الزمن كبرت العائلات وانشطرت حتى ناهز عدد المهاجرين الاتراك في النمسا اليوم الربع مليون مهاجرا من بين عدد السكان البالغ 8.7 مليون نسمة.
لكن هذا الاعداد من المهاجرين التي حصلت على كامل حقوقها في هذا البلد وحصلت على الجنسية تعيش اليوم قلقا متصاعدا في ظل صعود اليمين المتطرف أحزابا وجماعات الذين يعادون الأجانب والمهاجرين بصفة عامة ويستهدفون الاتراك بشكل خاص.
يخشى البر يلمظ الذي حصل على جنسية النمسا قبل ثلاثين عاما على غرار الآلاف من أمثاله من أصل تركي أن يفقدوا جنسيتهم مع انضمام حزب يميني متطرف إلى الائتلاف الحكومي وتصاعد المشاعر المعادية للهجرة عموما في النمسا.
لكنه لا يتردد في القول "بلدي النمسا، فيينا".
وباستثناء حالات محددة فإن النمسا لا تسمح لمواطنيها بحمل جنسية مزدوجة.
لكن حزب الحرية اليميني المتطرف والمعادي للإسلام — الشريك الأصغر في ائتلاف حكومي مع حزب الشعب المحافظ — قال العام الماضي إنه تلقى قائمة من الناخبين الأتراك يمكن أن تتضمن عشرات آلاف الاشخاص الذين يحملون جنسية مزدوجة في مخالفة للقوانين.
وقالت دويغو اوزكان الصحافية لدى دي برس إن مسألة الجنسية المزدوجة أصبحت فعليا الموضوع الوحيد في أحاديث المواطنين النمساويين من اصل تركي.
والنمسا، على غرار ألمانيا المجاورة، دعت آلاف المواطنين الأتراك للمجيء إلى أراضيها والعمل في الستينات والسبعينات الماضية، وقد بقي منهم عدد كبير.
ومن بين هؤلاء جيديم شيلر المولودة في النمسا قبل 31 عاما من أبوين تركيين.
وقالت جيديم التي سلمت جواز سفرها التركي لتصبح مواطنة نمساوية عندما كانت مراهقة في 2003، إنه بسبب وجود اسمها على اللائحة تلقت رسالة من السلطات في فبراير تطلب منها أن تثبت بأنها لا تحمل جنسية مزدوجة بشكل مخالف للقانون.
وبعد العديد من الزيارات إلى القنصلية التركية في مدينة سالزبرغ حيث تقيم، قالت إنها تمكنت بنهاية الأمر من إثبات ذلك. لكن العملية ليست سهلة، وتقول إن قضيتها تثبت أن اللائحة ليست موثوقة.
ووجد آخرون أنفسهم في وضع مشابه.
في وقت سابق هذا العام قامت السلطات بتجريد تركي كان اسمه على اللائحة من جنسيته النمساوية، في قرار أيدته لاحقا محكمة قالت إن اللائحة — التي لم يكشف حزب الحرية عن مصدرها الغامض — لا يمكن إلا أن تكون صادرة عن سلطة تركية حقيقية.
ومحامي الرجل ويدعى بيتر فيديش قال إن موكله وجد نفسه في "وضع صعب للغاية … بالطلب منه الاثبات بأنه لم يفعل شيئا ما".
ولتعقيد الأمور أكثر تبرأت السلطات التركية من قضيته.
وقال فيديش إن السلطات التركية قالت له "أنت مواطن نمساوي، لا يمكننا مساعدتك".

المواطن التركي الاصل يلمظ يحمل الجنسية النمساوية لكنه يخشى صعود اليمين المتطرف
المواطن التركي الاصل يلمظ يحمل الجنسية النمساوية لكنه يخشى صعود اليمين المتطرف

الوضع الذي تعيشه الجالية التركية في النمسا كان لحكومة العدالة والتنمية دور في تأجيجه من خلال ارسال شخصيات بصفة رجال دين يتعبون للنظام الحاكم فضلا عن آخرين يحملون الجنسية النمساوية ويتقاضون اموالا من السلطات التركية وهو الامر الذي اثار غضب السلطات النمساوية فأبعدت العديد منهم.
وتصاعدت حملات اعلامية مضادة بين البلدين وتصريحات نارية زادت من تأزيم العلاقة بين البلدين.
يلمظ الذي يدير مقهى في فيينا، ليس لديه أي فكرة كيف وصل اسمه على اللائحة.
ويلمظ البالغ من العمر 53 عاما جاء إلى النمسا مطلع الثمانينات الماضية وحصل على الجنسية النمساوية في 1988. ويقول إنه لم يجر أي اتصال رسمي بتركيا منذ ذلك الحين.
وقال يلمظ إن القنصلية التركية في فيينا اقترحت عليه العودة إلى تركيا لمتابعة قضيته.
لكن صاحب المقهى متردد في التوجه إلى هناك إذ يعتقد بأن كونه علوي كردي ومعارضته لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان يمكن أن تعرضه للخطر.
وفي سائر انحاء النمسا تم تجريد 85 شخصا من جنسيتهم وتقول سلطات مدينة فيينا إنها استعانت ب26 موظفا إضافيا للتحقيق في 18 الف حالة مفترضة.
ويشعر يلمظ بأنه محاصر وسط مناورات سياسية خارجة عن سيطرته.
فمن ناحية يحرص الرئيس التركي على إبقاء المواطنين الأتراك في أوروبا على تواصل وثيق مع البلد الأم، لأسباب ليس أقلها لأنهم يعتبرون من أكثر أنصاره الأوفياء.
وبحسب تقارير وسائل إعلام نمساوية، تتردد بعض المكاتب القنصلية التركية في مساعدة الأتراك على التخلي عن جنسيتهم.
ومن ناحية أخرى هناك الخطاب المعادي للاتراك والمسلمين لحزب الحرية اليميني المتطرف.
والأسبوع الماضي نشر الحزب فيديو بشأن غش في الضمان الصحي تضمن رسمين كاريكاتوريين لمجرمين أطلق عليهما مصطفى وعلي يعتمران الطربوش. وقام الحزب بحذف الفيديو بعد عاصفة انتقادات.
ويقول يلمظ إن ليس لديه موقفا سياسيا تجاه أي حزب لكنه يريد ببساطة أن تأتي الحكومة بحل عادل.
وقال "اشعر بالخوف، وبعض الليالي لا استطيع النوم وأنا أفكر: ماذا سيحصل الآن".