أرطغرل غوناي
فبراير 10 2018

أحزاب المُعارضة.. مؤتمرات عامة أخرى.. وجمود في السياسة التركية

 

لن يصبح العنف - مهما كان الدافع من ورائه - منهجاً سياسياً؛ لأننا قد رأينا أن العنف لا يتمخَّض إلا عن عنف مثله، وهو الأمر الذي كان ولا يزال يقف عقبةً كأداء أمام تَحوُّل المجتمعات نحو الديموقراطية، ويصبح -على النقيض من ذلك- مبرراً للأنظمة القمعية لبسط هيمنتها وتسلطها؛ وهو الأمر الذي حدث بالماضي وما زالت تتبعه هذه الأنظمة حتى الآن. ولن يُفسِدَ هذه المخططات الظلامية سوى رفع الصوت، والتحدث بشجاعة، واتخاذ موقف مضاد إزاء هذا السلوك.
قام حزب المعارضة الرئيس (حزب الشعب الجمهوري) بعقد مؤتمره العام الدوري الأسبوع الماضي في العاصمة أنقرة. وقد انتظر كل من تابع هذا المؤتمر على مدار  يومين أن تتعرّض أكبر منصة سياسية للحزب لنقاط رئيسة؛ تتعلق بعلاقة الدولة بالمعارضة، وأي اقتراحات للحل؛ تتضمن سياسات جديدة؛ يمكن للحزب السير بمقتضاها..
ما حدث هو أن الحضور اضطروا - بديلاً عن ذلك - إلى سماع نقاشات داخلية؛ تتعلق بحقوق الحزب، والإخفاق في الإدارة، على الرغم من أن الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها بعد عام - وربما قبل هذا التاريخ - ستغير نظام الإدارة تماماً، وسيكون هذا على مرأى ومسمع من الدولة. فهناك انتخابات على رئاسة الجمهورية ستصبح الشغل الشاغل لكل شخص في الدولة.
للأسف، لم نرَ في المؤتمر العام لحزب المعارضة الرئيس من قام ليناقش أو ليلقي كلمة تبعث على الأمل فيما يتعلق بهذه المواضيع، لم نرَ أحداً يعرض علينا سبيلاً جديداً يُعزِّز من الإجماع في الرأي بخصوص هذه الأمور.
ينعقد هذا الأسبوع أيضاً مؤتمر عام آخر، ويعقده هذه المرة حزب (الشعوب الديموقراطي).
تتخذ السلطة الحاكمة من حزب (الشعوب الديموقراطي) كبش فداء لتبرير الإخفاقات السياسية المتكررة لها؛ فقد تعرّض جميع رؤسائه (في مدن المختلفة)، وكثير من أعضاء مجلس الأمة التابعين له، ورؤساء البلديات للاعتقال.
ندرك جيداً أن مغامرة الدفع بحزب (الشعوب الديموقراطي) خارج اللعبة السياسية قد بدأت بالفعل مع إعلان نتائج السابع من يونيو عام 2015، حيث قام بعض من المقربين إلى السلطة الحاكمة بعقد اجتماعات مع نظرائهم في هذا الحزب؛ لمناقشة بعض قضايا العمل الوطني، رغبةً منهم في احتواء ردود أفعال الأحزاب الأخرى.
بعد ذلك ظهر صلاح الدين دميرطاش مرشحاً لرئاسة الجمهورية ضد أردوغان، وأخذ يكرر شعاره المشهور "لن نجعلك رئيساً". وبعد نجاح أردوغان في انتخابات يونيو، تعرّضت العلاقات التى حاولت الحكومة تصديرها مع حزب (الشعوب الديموقراطي) لهزة عنيفة. وفي السابع من يونيو حصل مرشحو حزب (الشعوب الديموقراطي) - البالغ عددهم ثمانون عضواً - على المركز الثالث بين نواب مجلس الأمة التركي الكبير.
وكان تلفظ الرئيس العام لحزب (الحركة القومية) - في ساعة متأخرة من ليلة السابع من يونيو - بكلمة "إعادة الانتخابات" إشارة البدء لقلب الطاولة رأساً على عقب؛ وذلك بتطبيق سيناريو جديد في تعامل الحكومة مع أحزاب المعارضة. ذلك السيناريو الذى يقضي بممارسة الضغوط لوضع نظام جديد للانتخابات؛ قائم على رفض النتيجة المعلنة في المجلس، كما يكون له الحق في تغييرها (والبديهي أنا نظاماً كهذا سيجعل نسبة مشاركة حزب "الشعوب الديموقراطي" ليست كافية").
لقد تعرّضت الحياة السياسة التركية وما تمثلها من أحزاب - في ظل هذه العملية الجديدة، بدءاً من يونيو حتى نوفمبر - إلى حجب هذه الأحزاب عن المشاركة السياسية، واضمحلال أي أمل لديها لتخطي حدودها والوصول إلى آفاق أرحب.
لم يستطع الحزب الحاكم أن يتناسى أوهام هجوم 17/25 ديسمبر، وكانت النتيجة أنه أحجم عن الدخول في خيار الحكومة الائتلافية الذي كان سيريح نفسه والدولة كلها. وتحوّل حزب المعارضة الرئيس إلى أداة في يد الحكومة لإعادة الانتخابات، وبذلك ضيع شهراً كاملاً من مفاوضات "استكشافية" قالوا إنها لم تنجح في ترميم شراكتهم مع الحكومة.
والواقع أن مسألة "إعادة الانتخابات" التي ظهر حزب (الشعوب الديموقراطي) بوصفه الداعي لها بشكل علني، قد أضحت مطلباً يدعو إليه اليوم كافة الأحزاب؛ أملاً في حصد بعض المكاسب السياسية الضئيلة. وقد يؤدي ذلك إلى استبعاد أعضاء حزب (الشعوب الديموقراطي) من المجلس؛ ومن ثم سيقتسمون فيما بينهم مقاعد الحزب في المجلس.
تهدف هذه العملية إلى اتخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها تقويض حزب العمال الكردستاني في الأساس، وحزب (الشعوب الديموقراطي). وكانت عملية الخنادق والمتاريس تلك بمثابة آبار عميقة حُفرت في طريق حركة سياسية كافحت لتثبت وجودها وتقف على قدميها في انتخابات الإعادة .
أما حزب (الشعوب الديموقراطي)  فجاءت مواقفه باهتة مريبة؛ فنجده يتردد في اتخاذ موقف صريح واضح. وهو إذ يفعل ذلك فإنه يعتمد على بعض رهانات الماضي، ولا يدري أنه بذلك يساهم بشكل سلبي في تعميق الظلم الذي تتعرّض له شعوب المنطقة بشكل عام، والدولة التركية كلها بشكل خاص.
إن هذا الوضع قد فتح الطريق أمام  تسجيل تراجع - لم يكن هناك مفر منه - بالنسبة إلى يونيو. وعلى الرغم من هذا كله، فقد تمكن هذا الحزب من اجتياز تلك العقبة الكأداء، ودخول مجلس الأمة بعدد أعضاء يزيد عن أعضاء حزب (الحركة القومية).
وعلى الرغم من هذا، لم يمنع نجاحه في دخول المجلس أن يصبح هدفاً لعداوات جديدة؛ فما زالت أحداث سيناريو تصفية المعارضة التي فُرضت عليها جبراً في 7 يونيو تجري بلا هوادة حتى الآن. ولهذا السبب ظل حزب (الشعوب الديموقراطي) في موضع "المهزوم قهراً" في حلبة المعترك السياسي التركي (قل إن شئت على مائدة الأكراد).
وصار من الصعب - بل من المستحيل، في ظل مناخ كهذا - التوصل إلى حل ديموقراطي سلمي دائم بشأن المواطنة الطواعية والتعددية في تركيا؛ أُبعد فيه حزب دخل المجلس بإرادة شعبية- بعد حصوله على ستة ملايين من الأصوت، متخطياً بذلك كل العقبات التي وضعوها في طريقه- عن السياسة. ليس هذا فحسب، بل كانوا يوجهون إليه التهم الباطلة بين الحين والآخر. هذه هي الحقيقة التي لا يرغب البعض في رؤيتها، ولا تستوعبها عقول البعض الآخر.
كما أن إقصاء أعضاء حزب (الشعوب الديموقراطي) خارج المجلس، وممارسة الظلم عليهم لن يكون في مصلحة كل من يرغبون في حل المشكلات العالقة بالطرق السلمية في إطار من الديموقراطية. وعلى العكس من ذلك، فكان هذا الإقصاء إجراء موفقاً في رأي زمرة أخرى ممن لا يؤمنون بالديموقراطية، وممن يتخذون من حمل السلاح ومن العنف وسيلة لهم لحل المشكلات. الأمر الذي لن يعود على الشعب التركي، وشعوب المنطقة، بل وعلى الشعوب كلها إلا بالضرر.
من أجل هذا، يتعيَّن على حزب (الشعب الجمهوري) - لحلّ هذا الموقف الصعب، وإفساد هذه اللعبة - أن يخطو خطوة نحو تبني لغة سياسية جديدة، وأن ينتهج لنفسه خطاباً وفكراً جديدين.
لن يصبح العنف- مهما كان الدافع من ورائه- منهجاً سياسياً؛ لأننا رأينا أن العنف لا يتمخّض إلا عن عنف مثله؛ وهو الأمر الذي يقف عقبةً كأداء أمام توجه المجتمعات نحو الديموقراطية، كما يصبح -على النقيض من ذلك- مبرراً لهذه الأنظمة لبسط هيمنتها وتسلطها؛ ذلك الأمر الذي حدث بالماضي، وما زالت هذه الأنظمة تتَّبعه حتى الآن. ولا يفسد هذه المخططات الظلامية سوى رفع الصوت، والتحدث بشجاعة، واتخاذ موقف مضاد إزاء هذا السلوك.
ماذا يفعل مؤتمر حزب (الشعوب الديموقراطي) المُزمع عقده في هذا الاتجاه؟ ما الذي يمكن أن يقدمه؟ ماذا سيقول؟ هل سيتحدثون من الأساس؟ وإذا تحدثوا، فكيف ستكون ردة فعلهم على ما يجري من أحداث؟ بالطبع هو أمر يخصهم وحدهم.
ما وددت قوله هنا "إن الناس قد سئموا من الاستماع إلى أمور حفظوها عن السياسة التركية؛ يريد الناس أن يستمعوا إلى أصوات جديدة مختلفة؛ أصوات عقلانية تُسقط جُدران التحزُّبات التي تفشَّت داخل المجتمع. وسيصبح لهذه الأصوات تأثير بالغ إذا صدرت في زمان ومكان لا يتوقع أحد أن تصدر فيهما.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/chp/bir-kurultay-daha-var