فيجين غيونز
أبريل 03 2018

أحمد تورك: بعد هجوم عفرين، جدار حديدي يقسم الأتراك والأكراد

بعد أيام من النوروز، الاحتفال التقليدي للأكراد بالعام الجديد وأيضا ببداية الربيع، تواصلت "أحوال تركية" مع المفكر والسياسي الكردي البارز أحمد تورك؛ الذي كان قد شغل في الآونة الأخيرة منصب رئيس بلدية ماردين، وهي مدينة في جنوب شرق تركيا، قبل أن تلقي الحكومة التركية القبض عليه وتعزله من منصبه.

أحمد تورك
أحمد تورك

وباعتباره أحد الأعضاء المؤسسين للحركة السياسية الكردية في تركيا، وأيضا كوسيط منذ عقود من الزمن في السلام بين الحكومة التركية والمعارضة الكردية، تحدث تورك إلى "أحوال تركية" عن حالة الحركة الكردية في تركيا اليوم، وكذلك عن ظروف الشعب الكردي في منطقة الشرق الأوسط عموما.

- كيف كانت احتفالات النوروز هذا العام؟

احتفلنا بالنوروز في ظل ظروف صعبة هذا العام. شارك في الاحتفالات أعداد أكبر مما توقعنا من الناس، برغم فرض الحكومة حالة الطوارئ، وسياسات الاستيعاب التي كنا نعارضها.

في الماضي، كانت حافلات المدينة تنقل الناس من محتلف الأماكن إلى مدينة ديار بكر، حيث كنا نتجمع للاحتفال بالنوروز. لم تفعل حافلات المدينة ذلك هذا العام، كما تم أيضا منع شركات الحافلات الخاصة من نقل الناس إلى ديار بكر.
وبرغم ذلك مشى الناس 10 بل و15 كيلو مترا من أجل المشاركة في احتفالات النوروز. نعتقد أن إصراراهم على امتلاك يوم النوروز أمر مهم. من الضروري إدراك وعي العامة وحساسيتهم، ولا سيما خلال مثل هذه الأوقات التي تشهد استيعابا قسريا ورقابة.

زعيم الحزب الكردي

- كيف ترى قرار إلغاء احتفالات يوم النوروز من جانب حكومة إقليم كردستان العراق؟

تدعي الحكومة أنها ألغت احتفالات النوروز من أجل إقامة يوم حداد مراعاة لأحداث عفرين. لكن الناس احتفلوا بيوم النوروز على أي حال، وصبوا غضبهم وانتقادهم على سياسات الحكومة التركية خلال تلك الاحتفالات. حاولت حكومة كردستان العراق إلغاء احتفالات النوروز، لأنها كانت قلقة من الرسالة السياسية التي قد تبعث بها تلك الاحتفالات. 
لو أنّ الحكومة أجازت تلك المظاهرات، لوضعت تلك الانتقادات التي وجهت إلى تركيا، حكومة الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان العراق، في موقف صعب. وأقول بصدق، إن الحزب الديمقراطي الكردستاني أخفق في تحمل مسؤولياته تجاه الشعب الكردي.
عبر الزعماء الأوروبيون عن "مخاوفهم" بشأن التوغل التركي في عفرين، ولم يتخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني أي إجراء بخلاف تلك الإعلانات السلبية. يوجد هجوم خطير في عفرين، ولم نجد الحزب الديمقراطي الكردستاني يبدي أي معارضة. لو كان صادقاً بشأن تعليق احتفالات النوروز مراعاة لعفرين، لكان ينبغي له اتخاذ خطوات ملموسة أقوى من أجل عفرين. بل بدلا من ذلك، بدت مزاعمه كخداع.

- ما هي عواقب التوغل في عفرين؟

من يرى عملية عفرين باعتبارها انتصارا سيدرك في نهاية الأمر مدى الدمار الذي خلفته بين الشعبين الكردي والتركي اللذين تعايشا معاً لقرون من الزمن، وسيدرك أن هذه كانت سياسة خاطئة من جانب الحكومة التركية. نعم، كانت هناك مشكلات، والأكراد كانت لهم مطالب، وتلك المطالب تم رفضها وقمعها. لكننا الآن ننثر بذور عدم الثقة، ونصل إلى نقطة انهيار عاطفي.
أقامت أحداث عفرين جدارا حديديا بين الأتراك والأكراد، وخلقت نقطة انهيار سياسي. التوغل التركي في عفرين لا يفيد تركيا ولا الشعب التركي.
لو كانت تركيا دولة ديمقراطية، لو كانت قد اعترفت بالأكراد كشعب واتخذت خطوات ديمقراطية من أجل منح تمثيل للأكراد، لربما كانت قد أصبحت أقوى دولة في الشرق الأوسط. كان يمكن أن تصبح نموذجا يحتذى للدول الأخرى، وبالتالي تتعزز الديمقراطية في المنطقة بأسرها، لكنها لم تضطلع بهذا الدور، بل أصرت على معاملة الأكراد باعتبارهم تهديدا محتملا.
السياسات القومية التركية تؤدي إلى إفراز نزعات قومية وتطرف كردي، ولا يمكن تسوية المشكلات إلا بالحوار، عبر التفاهم المتبادل. هذا هو السبيل الوحيد للحيلولة دون صعود النزعات القومية.  

- كيف ترى مزاعم وسائل الإعلام الدولية بأنه، بمساعدة تركية، اتحدت الجماعات الجهادية معا لتشكل معارضة متطرفة؟

لا توجد في عفرين معارضة قوية. قبل التوغل، كان هناك تعايش حيوي في المدينة، حتى بين مختلف الجماعات. هذه المزاعم الإعلامية ليست سوى دعاية، وينبغي عدم الاستماع إليها. كيف يمكن اعتبار جهاديين يدمرون ممتلكات الناس معارضة شرعية يمكن أن تمثل العامة؟
إذا كانت تركيا جمعت جهاديين قتلة معا، فهذه مشكلة عالمية. ونظرا لأن الغرب قد وقف يشاهد دون أن يحرك ساكنا بينما يتم جلب الجهاديين إلى هنا، وبينما كان الأكراد يقاتلون تلك الجماعات التي تقطع الرؤوس، وتدمر الآثار، وتمحو الثقافات، فإنّ الغرب هو من ينبغي أن يرد على أفعالها وليس أنا.

- ما هي وجهة نظرك بشأن الانتخابات القادمة في 2019؟ هل تعتقد أنها ستُجرى بنزاهة؟ 

تواجه الحكومة حالة من عدم اليقين، وتخشى نتائج الانتخابات. يقولون إن الانتخابات ستُجرى في موعدها، لكن إذا رأت فرصة مبكرة للفوز، فقد تدعو الحكومة بسهولة إلى انتخابات مبكرة. بالطبع ستؤدي قوانين الانتخابات الجديدة إلى كثير من المخالفات. قد يتم إحصاء أوراق اقتراع لا تحمل علامات، وقد تتم الاستعانة بمسؤولين من الحكومة للإشراف على صناديق الاقتراع. القلق ينتاب الجميع.
كل شيء ممكن في غياب الديمقراطية. يمكن أن نفوز في الانتخابات، ويمكن أن يتجاهلوا النتائج ويعينوا مديرين للأقاليم بدلا منا. الناس يتوقعون استخدام كل أنواع السياسات غير الديمقراطية.

- ما هي رؤيتك بشأن احتمال قيام وساطة دولية لحل المشكلة الكردية؟

في كل مكان في العالم، لم يتم حل المشكلات إلا بعد مشاركة طرف ثالث. في غياب مجموعة تتصرف كمراقب أو حكم، يصعب التغلب على الخلافات. يمكننا أن نرى أمثلة على ذلك في أيرلندا وجنوب أفريقيا والبلقان والفلبين..
إذا كان العالم جادا بخصوص الاستقرار في الشرق الأوسط، فعليه أن يقوم بدور المحكم. لا يتعين بالضرورة أن تقوم بهذا الدور الولايات المتحدة، يمكن أيضا لدولة صغيرة أن تلعب هذا الدور طالما أنها تتمتع بدعم الأمم المتحدة. عندما تشارك دول أكبر، يمكن أن يفسر دورها كمحكم على أنه إكراه أو ضغط، لكن بلدا مثل السويد أو النرويج سيكون وسيطا مثاليا.

علم الحزب الكردي

- كيف ترى مستقبل الحياة السياسية الكردية في ظل الرقابة التي تفرضها الحكومة التركية؟

يتم إسكات النواب الأكراد في البرلمان أو طردهم بشكل كامل، لكننا تغلبنا على تلك العقبات في الماضي. في منتصف التسعينيات، عندما كنا نفتقر إلى التنظيم المحلي، وتم منعنا من تشكيل حزب رسمي، حصدنا أعدادا قياسية من الأصوات. حتى في مواجهة مثل تلك العقبات، يعلم الناس كيف يدلون بأصواتهم.
نحن نمر بأوقات شديدة الصعوبة، ومن الصعب التكهن بمسار الأحداث. فعلى سبيل المثال، بعد الانقلاب العسكري في 1980، تم القبض علينا جميعا وإيداعنا سجن ديار بكر. ما تعرضنا له من تعذيب هناك كان جريمة ضد الإنسانية. لكن كانت لدينا فكرة عن المدة التي سيتم احتجازنا فيها هناك. لكن اليوم، لا يمكنني التنبؤ إلى متى سيستمر القمع.

- هل هناك خطر من تقديس زعماء أكراد بين الجماعة الكردية؟

في الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز، جرت العادة على إضفاء قدر هائل من الأهمية على الزعيم. في الدول ذات الديمقراطيات الأقوى، تتركز السياسة حول مطالب الشعب. لكن في تركيا، الزعماء لهم تأثير قوي على الناس. الزعماء الذين يقعون ضحية للقوى القمعية ينجحون بشكل خاص في حشد الناس. 
عندما ندعو إلى الوحدة الكردية، نحن لا ندعو إلى الاتحاد ضد مجموعة مختلفة من الناس. نحن نريد قرارات سياسية صحية يتم اتخاذها في إطار منتدى سياسي منظم، من أجل دعمنا في طريق إرساء الديمقراطية، ومساعدتنا في حل المشكلات بسهولة أكبر.
مثلا، لو كان للأكراد مؤتمر عالمي، سيولي أعضاء الجماعة الكردية المنتشرون في دول مختلفة اهتماما أكبر باحتياجات بعضهم بعضا، ويتجنبون اتخاذ إجراءات تضر بأقرانهم الأكراد.
تنظر تركيا والعراق وإيران إلى هذا على أننا نشكل جبهة موحدة ضدها، لكن في واقع الأمر، نحن نحاول إيجاد سبل لاتخاذ قرارات سياسية أفضل.

- ما الذي يحمله المستقبل للأكراد في الشرق الأوسط؟

نحن نعيش في عالم يجري فيه تجاهل الحقوق والحريات والقيم العالمية ومعايير كوبنهاغن. ونعلم أننا لن نحقق الكثير بمجرد تملق القوى الأميركية أو الروسية. وبدلا من ذلك، سوف نعول على إرادة الشعب لتوصيل مطالب المقهورين إلى العالم كله. وفي مرحلة ما، سوف تتدخل دول أخرى للوساطة من أجل إيجاد حل. يمكننا النظر إلى البلقان كمثال على ذلك. فلبعض الوقت، وقف العالم صامتا وسمح بحدوث إبادة جماعية، لكنه اضطر في نهاية المطاف للتدخل. في نهاية الأمر، أشعر أنه يجب علينا أن نحلل الموقف كلعبة شطرنج تتنافس فيها كثير من المصالح.
 
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: