نورجان بايسال
نوفمبر 17 2018

"أحوال تركية"..منصة إخبارية قائمة على المصداقية واحترام حقوق الإنسان

في نفس هذا التوقيت من العام الماضي جاءني هاتف من الكاتب أرغون باباهان. وكنا نتحدث فيه عن موقع "أحوال تركية". وكان باباهان يقول لي إنهم قرروا تأسيس منصة إخبارية مستقلة، تنشر بلغات ثلاث لتسليط الضوء على ما يحدث في تركيا من خلال صحافة مستقلة هدفها لفت الانتباه إلى تلك الأحداث من خلال تقديم معلومات أكثر من التحليل؛ في خطوة تهدف إلى تنويع قنوات المعلومات للمهتمين بالشأن التركي ومقيمين خارج تركيا.
وطلب مني باباهان أن أساهم في هذه المنصة التي سيتم تأسيسها، بمقالات لي. فأنا في تلك الفترة كنت أكتب في موقع "تي 24" الإخباري. ومن ثم كنت حينها غير متأكدة من قدرتي على الكتابة في أكثر من مكان، وما إذا كان بالإمكان تخصيص الوقت الكافي لهذا وذاك أم لا.
فكان ردي على العرض الذي قدم لي، أني قلت له إنه يتعين علي التفكير بالأمر قبل اتخاذ قرار ما. فأنا إن كنت أكتب منذ 5 سنوات بشكل منتظم، إلا أنني كنت بعيدة كثيراً عن المجال الصحفي في تركيا، وكنت لا أعرفه جيدًا. كما أنني كنت متخصصة في مجال الدفاع عن الحقوق أكثر من الكتابة الصحفية.
وحينما تشاورت مع بعض الأصدقاء ليسدوا إلى النصح الذي يمكنني به أن أقبل العرض أو أرفضه، فبدأ بعض معارفي من العاملين في مجال الصحافة المعارضة التركية يحذرونني قائلين "هؤلاء أتباع منظمة فتح الله غولن الإرهابية، حذارٍ أن تكتبي لموقع أحوال تركية".
فعدت إلى الكاتب أرغون باباهان وقلت له "يقولون لي لا تكتبي لموقع أحوال تركية. وأنا لا أخفيك مدى كرهي لجماعة فتح الله غولن وأتباعها، وهذا الكره ليس مرده للضرر الكبير الذي ألحقته هذه الجماعة بتركيا، وإنما لما ارتكبوه أيضًا من ظلم كبير بحق الأكراد في تركيا. فهناك الكثير من الأقارب، والأصدقاء، والرفقاء قد تضرروا كثيرًا من الأحكام القضائية التي أصدرها قضاة محسوبون على هذه الجماعة. ومكثوا لسنوات خلف القضبان بالسجون دون أي ذنب أو جرم يرتكب".
في المقابل أكد لي أرغون باباهان أنهم ليسوا تابعين أو لهم علاقات بفتح الله غولن أو بأي كيان آخر. وفيما بعد تحدثت مع رئيس تحرير "أحوال تركية"، ياوز بيدر، ومع عدد من الكتاب الذين بدءوا الكتابة حديثًا آنذاك للموقع، ومنهم كثير كانت لي علاقات بهم. ونتيجة لهذه اللقاءات تأكد لدي واستقر في وجداني أن "أحوال تركية" موقع مستقل تمامًا، ولا يتبع أو ينتمي لأية جهة، وأن فريق العمل لديه رغبة في تأسيس منصة إخبارية مستقلة تقوم في المقام الأول على المعلومة. كما قدم المسؤولون التنفيذيون بالموقع ضمانات تؤكد استقلالية الموقع في كل ما يتبناه من قضايا تهم المعنيين بالشأن التركي من قريب أو من بعيد.
وكان من المهم بالنسبة لي أن يعلم العالم أجمع، ويعرف كل ما يدور في الولايات الكردية. فبحسب ما رأيته من سفرياتي التي قمت بها خارج تركيا أن الكثير من الرأي العام العالمي، والسياسيين، وصنّاع القرار ليست لديهم الدراية الكافية بكل ما يحدث في المنطقة. وبناء عليه قررت الاستمرار في الكتابة بموقع "تي 24"، وبدأت كذلك على الجانب الآخر الكتابة في "أحوال تركية" باللغة الإنجليزية كي أطلع القارئ الذي لا يعرف سوى تلك اللغة على كل ما يجري ويدور في هذه المنطقة.
ولما تفرقت السبل بيني وبين موقع "تي 24" نهاية يناير الماضي، بدأت أكتب بانتظام باللغة التركية في موقع "أحوال تركية". ولا شك أن تجربة الكتابة في "أحوال تركية" قد أفادتني على كافة المستويات والأصعدة. فإلى جانب أنني استطعت من خلال مقالاتي إخبار القرّاء في مناطق مثل الشرق الأوسط، وأوروبا، والولايات المتحدة الأميركية، بكل ما يحدث في الولايات الكردية التركية، فإنني في الوقت ذاته قد حظيت بكتلة عريضة من القرّاء خارج حدود القطر، وهذا أمر فيه فائدة عظيمة لمن يدرك أهمية القراء في الحياة الصحفية. فمقالاتي التي كتبتها بالإنجليزية في "أحوال تركية" ترجمت للغات عدة مثل الفارسية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، ونشرت في العديد من الدول.
أنا كنت أكتب منذ عشرات السنين بشكل تطوعي دون مقابل. لكن في "أحوال تركية" شعرت بإحساس مختلف حينما بدأت أجني مقابلًا ماديًا يقدر ما أكتب. لكن كان هناك إحساس آخر كان الأفضل بالنسبة لي أكثر من المقابل المادي، وهو أن أسرة "أحوال تركية" كانت تهتم بشكل كبير بالعديد من المشاكل التي عشتها ككردية. لقد أظهروا جميعًا تعاطفًا كبيرًا مع أوضاع الأكراد في تركيا. وهذا أمر في حد ذاته أهم من أي أموال أو غيرها.
جدير بالذكر أن الاستقطاب في تركيا وصل لدرجة جعلت من الصحافة ساحة خاوية تمامًا من الخير، والجمال، والضمير، والافتخار بنجاح الطرف الآخر. الاستقطاب في البلاد حول المجال الصحفي إلى أشبه ما يكون بعالم لا يلتزم بأية قيم تذكر.
ومن المهم بالنسبة لي هو أن يكون لدى الطرف الآخر المعايير والقيم الإنسانية الأساسية، دون النظر بأي حال من الأحوال إلى الإيديولوجية التي يتبناها يساريًا كان أو ليبراليًا أو خلافه. كان هذا أهم شيء بالنسبة لإنسانة كانت تعمل في الأساس بمجال الدفاع عن حقوق الإنسان مثلي. فنحن كمدافعين عن حقوق الإنسان كنا نقوم بهذا العمل من خلال إيلاء أهمية كبيرة لحقوق البشر التي ينبغي أن يتمتعوا بها، وليس لأرائهم السياسية وتوجهاتهم التي يتبنوها.
ولا شك أنه لمن الأمور القيمة للغاية، اجتماع كوكبة من الكتاب ممن لديهم آراء متنوعة، وتجارب حياتية مختلفة، تحت سقف "أحوال تركية"، وسعيهم الدؤوب لتكوين منصة إخبارية مستقلة تهدف في المقام الأول لتقديم الحقيقة كما هي بناء على معلومات موثوقة قائمة على أساسٍ من احترام الحريات وحقوق الإنسان الأساسية.
وكان من الممتع لي بشكل كبير أن أعمل في "أحوال تركية" مع فريق لديه كثير من التجارب والخبرات والمعرفة بشأن التطورات داخل تركيا وعلى الصعيد العالمي أيضًا. لا سيما إن كان هذا الفريق متعاونًا لأقصى درجة، لديه الضمير الحي الذي ينير الطريق للآخرين في مثل هذه الفترة الحالكة التي نمر جميعًا منها.
ومن أكثر الجمل التي سمعتها من أقاربي باستمرار خلال تلك الفترة قولهم "لماذا تكتبين ؟ على الأقل لا تكتبي هذه الفترة، فماذا يمكن تغيريه ؟". فكنت أرد عليهم قائلة "إذا لم يكن بالإمكان تغيير شيء من خلال هذه الكتابات، فسيسجل التاريخ ما أردنا. فأنا أريد أن يسجل التاريخ شهاداتنا حول كل ما شهدته هذه البلاد ولا سيما المناطق الكردية، أريده أن يروي للأجيال القادمة كيف كانت جثامين من لقوا حتفهم في العمليات العسكرية التي تشنها القوات التركية، تبقى لأيام في الشوارع، أريده أن يسلط الضوء على الطريقة التي هدّمت بها مدننا بسبب تلك العمليات".
حقاً أريد من التاريخ أن يسجل ليس الظالم فقط، بل كذلك من يخوضون نضالًا وحربًا من أجل الحريات والمساواة. قد يكون بإمكان الأقويا كتابة التاريخ، لذلك أريد أنا على الجانب الآخر أن نكتب التاريخ بأنفسنا. ومن ثم فأنا أكتب من أجل إبلاغ الحقائق، وتسجيلها حتى لا تنسى. وأسعى جاهدة لأكون عونًا في إظهار صوت من لا صوت لهم، والتجديف صوب الذاكرة التي يسعى البعض لطمسها بكل ما أوتو من قوة. وأعمل من أجل أن أوضح حقيقة، وأحوال، وأوضاع الناس في مثل هذه الفترة الحالكة التي نمر منها.
فالشكر كل الشكر لموقع "أحوال تركية" لأنه أعطاني الفرصة لأنطلق في بحر المغامرات الذي من خلاله يمكنني أن أوصل للعالم أجمع حقيقة، وأوضاع، ونضال الشعب التركي في ظل هذا الظلم الذي يقصي البعض، ويستقطب البعض الآخر، وفي تلك الأجواء التي يرى فيها البعض أن لهم الحق في ضرب الآخرين تحت الحزام ليس لشيء إلا لقول الحقيقة ونقلها كما هي للمتلقي والقارئ الذي يجهلها.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.