أحوال تركية عام من المصداقية

نحتفل هذه الأيام بمرور عام على انطلاق "أحوال تركية" بلغاته الثلاث العربية والإنكليزية والتركية، كأول محاولة لتأسيس مؤسسة إعلامية تحظى بالمصداقية وتنقل الحقيقة عما يحدث في تركيا كما هي دون إضافات من السلطات التركية أو المعارضة.
في الوقت الذي يحكم فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبضته على كامل الحياة في بلاده ويزيح الإعلام الحرّ جانباً، انطلق موقع أحوال محاولاً ملء الفراغ الذي ظهر مع إغلاق المؤسسات الإعلامية المستقلة داخل تركيا عبر تقديم الخبر والتحليل للمواطن التركي بلغته.
وكذلك الحال بالنسبة للقارئ الغربي الذي لم يعد يجد مصدرا للمعلومات والأخبار حول تركيا لا يرضخ لرغبة النظام التركي، فجاء موقع أحوال باللغة الإنكليزية ليقدم ما لا يمكن ان يحصل عليه القارئ الأجنبي عن تركيا بلغة رصينة وموضوعية ومنطق صحفي احترافي.
أما القارئ العربي فقد كان فريسة الإعلام الموالي للحزب الحاكم في تركيا، بالإضافة إلى الإعلام المموّل والمحسوب على تيارات الاسلام السياسي وحركة الأخوان المسلمين. وهذا الإعلام يقدم الصورة التي يريدها حزب العدالة والتنمية عن تركيا وفق رؤيته واستراتيجيته وإيديولوجيته.
القارئ العربي كان يعرف عن تركيا ما يريد الرئيس أردوغان أن يخبره به.
القارئ العربي كان يعرف عن تركيا ما يقدمه الإعلام المدار والمموّل من حركة الإخوان المسلمين المقربة من الحزب الحاكم في تركيا.
ظل القارئ العربي يستقي معلوماته وأخباره من تلك المصادر التي قدمت تركيا على أنها دولة تسعى للعودة إلى الخلافة الإسلامية وأنها الدولة التي تحظى بشرعية قيادة العالم الإسلامي، وكل ذلك في ظل قيادة الرئيس أردوغان.
القارئ العربي تعلم أن الدولة العلمانية ليست الهدف المنشود في تركيا بل هي وسيلة استخدمها الحزب الحاكم لتمكين نفوذه  المنبثق من دعم تيارات الإسلام السياسي بقناع الاعتدال والديمقراطية.
هذا بعض مما أراد الإعلام المقرَّب من حزب العدالة والتنمية أن يقدمه. أراد أن يزرع في ذهن القارئ العربي أن أردوغان يستحق أن يقود ليس تركيا فحسب، بل العالم الإسلامي برمّته، وأن المجد والتقدم والتطور يتطلب الاقتداء بتجربة الحزب الحاكم في تركيا.
بُنيت شعبية أردوغان وحزبه في العالم العربي على ذلك الإعلام الموجّه الذي يتعامى عن أخطائه وسياساته الاستبدادية.
وفي الوقت الذي يهمين فيه ذلك الإعلام على المشهد العربي، جاء موقع أحوال باللغة العربية في محاولة لإعادة تعريف القارئ العربي بتركيا.
فتركيا ليست ما يريده أردوغان وحزبه، ولا ما يقدمه الإعلام المقرب أو المحسوب من تنظيم الإخوان المسلمين، بل هي أوسع وأكبر وأكثر غنى وثراء من ذلك بكثير.
أمام هذه التحدّيات الكبيرة، قدّم موقع أحوال، بقسمه الناطق بالعربية، الصورة الحقيقة لتركيا كما هي دون الإضافات التي يرغب النظام أو المعارضة بتقديمها. ونقل أحوال حقيقة ما تسعى تركيا لتقديمه للعالم العربي.
قدم أحوال للقارئ العربي واقع السياسة الداخلية والحزب الحاكم والأحزاب المعارضة في تركيا، ما لها وما عليها.
لم يمجّد أحوال أي حزب تركي ولم يقدّمه على أنه النموذج الصالح للعالم العربي والإسلامي.
انتقد أحوال المعارضة التركية كما انتقد الحزب الحاكم. انتقد بدون تحامل على أحد أو محاباة لأحد، تماما كما هو المفترض من أي مؤسسة إعلامية احترافية لا تنتمي لتيار سياسي أو عرقي أو ديني.
تعامل أحوال مع أزمات أردوغان وخلافاته مع العديد من الدول العربية عبر تقديم ما يحدث على أرض الواقع وليس ما يرغب أحد من السياسيين بتقديمه.
لطالما تم تعريف القارئ العربي على أن تركيا الحديثة نهضت اقتصاديا بفضل "القيادة الحكيمة" لحزب العدالة والتنمية، وذلك وفق ما قدمه الإعلام الموالي لهذا الحزب. حيث تجنب ذلك الإعلام التطرق إلى الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعاني منها تركيا، والتي هي نتاج سياسات أردوغان وحزبه الحاكم.
أما أحوال فقد قدم الواقع الاقتصادي كما هو في حالات الرخاء والأزمات. لم نغمض أعيننا كما فعل الإعلام الموالي عن أزمة الليرة التركية، ولا التضخم المرتفع، ولا المشاريع الكبيرة بالحجم والضعيفة بالمردودية.
غطينا هذه الأزمات بشكل مدعوم بالأرقام والمعطيات الصادرة عن الحكومة التركية والمنظمات الدولية، وليس بناء على أهواء السياسيين أو الأحزاب السياسية المعارضة أو المقربة من السلطة.
ربما يمكننا القول إنه العام الأول الذي استطاع القارئ العربي الاطلاع على الصورة المتكاملة لتركيا بإيجابياتها وسلبياتها، ولكن بالتأكيد لن تكون آخر عام أو آخر مرة. 
سيستمرّ موقع أحوال بتغطيته المتزنة لما يحدث وسيستمرّ بالتفاعل مع قرّائه واستقبال آرائهم وتساؤلاتهم والردّ عليها.
أول عام من تجربة أحوال كشفت حجم التحدّيات وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتق الإعلام الحرّ لكي يتناول القضايا الشائكة التي تعيشها تركيا ومحيطها وجيرانها العرب.
عام من النجاح والثقة حققه أحوال بفضل جهود فريق عمل متنوع بخبراته الصحفية وقدراته التحليلية وجهوده البحثية، هذا الفريق الذي جاء من خلفيات متنوعة وثقافات وجنسيات متعددة صنع بمعرفته وقدراته هذا الإنجاز خلال العام الأول.
وفي الأعوام المقبلة سيستمر أحوال بتغطية التغيرات السريعة والأزمات المفاجئة ولكن الشيء الذي لن يتغير هو المصداقية التي يتبناها موقع أحوال في البحث عن الحقيقة.
كما بدأنا العام الأول في أحوال تركية بكل ترقّب واستعداد، فإنّنا نخطو بثقة وثبات إلى العام الثاني محافظين على خطّنا بالتشبّث بالحقيقة وتقديمها برؤية موضوعية، وقناعة ثابتة بأنّ الإعلام الحرّ يساهم في كشف الحقائق بعيداً عن أيّ تسييس أو تضليل.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.