ذو الفقار دوغان
نوفمبر 11 2018

أحوال تركية وواقع الصحافة في البلاد 

عندما أكمل مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية وأول رؤسائها، خطابه الملحمي الذي استغرق ستة أيام أمام مؤتمر حزبه في عام 1927، أفرد الخاتمة "لخطاب إلى الشباب التركي". وكان أول الواجبات التي أوصى بها أتاتورك الأجيال القادمة من الشباب الأتراك هو الحفاظ دائما على الاستقلال التركي والجمهورية التركية والدفاع عنهما. 
بدأت بهذه السطور لأنني كنت أريد أن أطرح على القراء أفكاري بمناسبة الذكرى الأولى لإطلاق موقع أحوال تركية، والتي حلت في الأول من نوفمبر. وأعتقد أننا إذا أعدنا صياغة الخطاب الموجه للشباب آنذاك ليصبح خطاباً للصحفيين، سيمكننا بوضوح أن نرى إلى أي نقطة وصل الإعلام التركي.
فيجب أن يكون أول واجبات الصحفيين هو حماية استقلال مهنتهم وحريتها والدفاع عنها.
حذر أتاتورك في تلك الخطبة من أنه "بالعنف والخداع قد يتم الاستيلاء على جميع حصون بلد أجدادكم، واحتلال جميع ترسانات سفنه، وتشتيت جيوشه وغزو كل ركن من أركانه".
فكروا في هذا البيان من حيث انسحابه على وسائل الإعلام في يومنا هذا. لقد استولت الحكومة التركية، إما بشكل مباشر أو من خلال شركات صديقة، على جميع وسائل الإعلام تقريباً، وعلى الصحافة المطبوعة وعلى الموزعين؛ كما تعرض الصحفيون، ممن ما زالوا ملتزمين بالتغطية الصحفية السليمة والقائمة على المبادئ، لحملة تطهير طالت المئات منهم. وحتى في هذا الموقف الكئيب، ما زلنا مضطرين إلى الحفاظ على مبدأ حرية الصحافة واستقلالها والدفاع عنه.
وقراءة الخطاب الموجه إلى الشباب من هذا المنطلق، تخلق انعكاسات واضحة للصراع الذي حث أتاتورك شباب البلاد على خوضه في المشهد الإعلامي في يومنا هذا.
كانت أول وظيفة التحقت بها بعدما تخرجت وانتقلت إلى العاصمة التركية أنقرة عام 1976 في مجلة يانكي الإخبارية الأسبوعية. وكانت أول نصيحة لي من مالك المجلة ورئيس تحريرها محمد علي كيشلالي هي أنه لا يمكن أن تكون هناك تفاهمات في الصحافة، حتى عندما يتعلق الأمر بأسرة الصحفي.
كان أخو محمد علي الأصغر، أحمد تانر كيشلالي، وزيراً للثقافة في الحكومة في ذلك الوقت. لكن محمد علي ظل مستمسكا بمبادئه الصحفية ولم يكف أبداً عن انتقاد تلك الحكومة أو غيرها، بل وحتى انتقاد سياسات أخيه في ذلك الوقت.
جرى نشر مجلة يانكي التي يملكها محمد علي في ظروف متواضعة؛ بيد أنها كانت مسؤولة عن تنشئة صحفيين أكثر من الكثير من كليات الإعلام في الجامعات التركية. وقد تخرج الكثير من مشاهير يومنا هذا من الكتاب والمحررين من مدرسة يانكي.
كان ذلك وقت ذروة المنافسة بين الصحف والصحفيين للحصول على السبق، وأيضاً وقت ذروة التقارير الوثائقية. كان الصحفيون والمحررون يحظون بالاحترام، وكان ملاك الصحف يحمون شرف المهنة دون أن تربطهم علاقات بالحكومة ومسؤوليها.
وعندما شجع رئيس تركيا الراحل تورغوت أوزال رجل الأعمال الثري أصيل نادر، وهو من القبارصة الأتراك، على الاستثمار في تركيا في ثمانينات القرن الماضي، كان ذلك بداية لنموذج جديد من ملكية الإعلام.
رد نادر، الذي أدين في وقت لاحق بالسرقة في بريطانيا، ذلك المعروف للحكومة باستثمارات في شركات إعلام. ومنذ ذلك الحين، ظل رجال الأعمال الذين جمعوا ثروات من خلال العطاءات الحكومية والاستثمار المصرفي يشترون وسائل إعلام ويستخدمونها للمنفعة المتبادلة لأنفسهم ولمن هم في السلطة.
كانت تلك هي بداية النهاية للصحافة القائمة على المبادئ، والتي كانت سائدة في وسائل الإعلام المملوكة لأسر في الحقبة السابقة. وقاد ذلك إلى النموذج الحالي الذي يمكِن للشركات - التي تنشر أخباراً على هوى الحكومة في وسائل الإعلام المملوكة لها- أن تجني من خلاله مليارات الدولارات من القروض من بنوك حكومية وعبر الفوز بعطاءات مشروعات عامة وصفقات خصخصة.
عندما وقعت تركيا في أزمة اقتصادية خطيرة في عام 2001، كان للكثير من البنوك التي تعرضت لتلك الأزمة حصص في صحف تركية وقنوات تلفزيونية. استحوذ صندوق تأمين الودائع الادخارية التركي، وهو جهة حكومية، على تلك الحصص.
وعندما وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة في عام 2002، كان ذلك الوضع فرصة فريدة له؛ فقد جرى تقسيم مجموعة الصحف وشركات التوزيع ومحطات التلفزيون والإذاعة على الشركات الصديقة، وكان لدى حزب العدالة والتنمية مجموعته الجاهزة من وسائل الإعلام. أما وسائل الإعلام التي ظلت خارج سيطرة حزب العدالة والتنمية، فتعرضت لضغوط شديدة في شكل غرامات ضريبية ضخمة أوجبت في الكثير من الحالات بيعها في نهاية المطاف.
وفي شهر مارس، بيعت مجموعة دوغان الإعلامية - وكانت آخر مجموعة إعلامية ضخمة غير خاضعة بالكامل لسيطرة الحكومة، إلى مجموعة ديميرورين الموالية للحكومة، التي مولت صفقة الشراء عبر قرض بمليار دولار من بنك زراعات الحكومي.
وبعد صفقة البيع تلك، صارت نسبة وسائل الإعلام التركية الخاضعة لسيطرة الحكومة تقدر بنحو 90 بالمئة. وكوفئت الشركات القابضة الكبرى والمتعهدين الذين اشتروا جميع وسائل الإعلام تلك بعطاءات مشروعات عملاقة بمليارات الدولارات، جميعها مضمونة من قبل الخزانة بما يؤمن لها دخلاً لسنوات، بل وحتى لعقود. وتتشابه العناوين التي تنشرها عشرات الصحف الخاضعة لسيطرتها بشكل أو بآخر مع بعضها البعض كل يوم.
وشملت قائمة ما اشترته مجموعة ديميرورين من دوغان ياي سات، وهي واحدة من شركتي توزيع إعلامي كبيرتين في تركيا. وبقرار ديميرورين بإغلاق ياي سات، ستصبح تركفاز للتوزيع - وهي أيضا مملوكة لشركة مرتبطة بالحكومة - شركة احتكار.
والأرجح أنه بسيطرة شركة الاحتكار هذه على التوزيع الإعلامي، ستصبح الحكومة قادرة على التخلص من وسائل الإعلام الناقدة المتبقية في تركيا.
ولهذا السبب اخترت أن أكتب لأحوال تركية بعد نصيحة كيشلالي لي قبل 42 عاما، وهي أنه لا يمكن أن تكون هناك تفاهمات في الصحافة.
لقراءة المقال باللغة الانكليزية على هذا الرابط