أحوال تزيح الستار عن العلاقات التجارية بين تركيا وهولندا

بدأت قصة أحد أكبر المستثمرين الأوروبيين في تركيا بأعمال عنف تعرض لها من قبل الشرطة التركية.

وبالعودة إلى عام 1972، فقد توجه الشاب التركي الذي تخرج في القانون الدولي إلى مجموعة من أفراد الشرطة مطالبا إياهم بالتوقف عن استخدام بوق السيارة لأن ابنته الرضيعة كانت تحاول النوم. وبدلا من الاستماع إليه، اعتقلته الشرطة وأوسعته ضربا.

وقرر يونال أيسل، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة الطاقة الهولندية "يونيت"، مغادرة تركيا آنذاك، وبدأ العمل في العاصمة البلجيكية بروكسل. ويدير أيسل، الذي أصبح الآن مواطنا بلجيكيا، حاليا  استثمارات تتجاوز قيمتها عشرة مليارات دولار أميركي في كل من تركيا، وإيران، وكرواتيا، وبلغاريا.

وطبقا لوزارة الاقتصاد التركية، فإن هولندا هي أكبر مستثمر في تركيا، حيث استحوذت في العام الماضي على قرابة ربع إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا. 

ومنذ تولي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السلطة في عام 2003، ضخت الشركات الهولندية قرابة 24 مليار دولار أميركي في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد التركي تقريبا.

وخلال الفترة نفسها، عانت تركيا من تراجع كبير في الحقوق السياسية والحريات المدنية نتيجة لما قالت جماعة "فريدم هاوس" الحقوقية المستقلة المعنية بمراقبة حقوق الإنسان والديمقراطية، والتي تتخذ من واشنطن مقرا لها، إنه "ذروة الانحدار الطويل والمتسارع" لتصبح تركيا دولة لا تتمتع بالحرية.

وخلال السنوات الأخيرة، فإن القيود المفروضة على الحريات أضرت بالاستثمار الأجنبي المباشر على الأرجح، لأن المستثمرين أصبحوا قلقين من المساءلة ومركزية عملية اتخاذ القرار في ظل حكم أردوغان.

وخلص البحث الأكاديمي حول العلاقة بين النظام الحاكم في الدولة وتدفق الاستثمارات إلى أنه "يتوقع أن تجذب الدول الديمقراطية استثمارات أجنبية مباشرة أكثر من نظيراتها الاستبدادية بنسبة 70 بالمئة". 

وفي الوقت الذي تراجع فيه حجم إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا منذ عام 2011، فإن استثمارات الشركات الهولندية ارتفعت في السوق التركية. ويوضح الرسم التوضيحي التالي الزيادة المطردة تقريبًا في الاستثمارات الهولندية في تركيا مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى التي شهدت استثماراتها انخفاضا منذ عام 2011.

المصدر وزارة الاقتصاد التركية.
المصدر وزارة الاقتصاد التركية.

وطبقا لمعهد الإحصاء التركي فإن حجم التبادل التجاري بين هولندا وتركيا قد تضاعف تقريبا في السنوات العشر الأخيرة ليصل إلى 7.6 مليار دولار في شهر ديسمبر من العام الماضي.

والعلاقات التجارية بين البلدين جديرة بالملاحظة بشكل خاص، مع الوضع في الاعتبار تاريخ الأزمات الدبلوماسية بين البلدين، في أعقاب سلسلة من الخلافات حول قضايا حقوق الإنسان.

وفي شهر أبريل من عام 2016، اعتقلت الشرطة التركية كاتبة المقال الهولندية صاحبة الشعبية إبرو عمر، وهي من أصول تركية، ومواطنة تحمل الجنسيتين التركية والهولندية، لدى قضائها إجازة في تركيا.

وحظي اعتقال مواطنة هولندية "لإهانتها أردوغان"، بالإضافة إلى الضجة السابقة لهذا الاعتقال، والتي أثارها أردوغان حول الممثل الكوميدي الألماني، بتغطية إعلامية واسعة في هولندا لمدة لا تقل عن شهر تقريبا.

وفي نفس الوقت تقريبًا، تسببت البعثة الدبلوماسية التركية في هولندا في فضيحة حيث طلبت من الأتراك الإبلاغ عن أولئك الذين "يهينون أردوغان". وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في شهر يوليو من عام 2016، تم الكشف عن أن الأئمة الأتراك كانوا يجمعون معلومات عن خصوم أردوغان في أوروبا بناء على طلب من الحكومة التركية. وأدانت الحكومة الهولندية والمعارضة على حد سواء هذه الأحداث، واضطرت أنقرة إلى استدعاء ملحقيها الدينيين في لاهاي. ثم انتشرت بعد ذلك فضيحة الأئمة الجواسيس في أنحاء أوروبا.

ومع ذلك، فقد شهد عام 2016 أكبر زيادة في الواردات التركية من هولندا حيث ارتفعت بنسبة 14 بالمئة، لتصل إلى 3.6 مليار دولار أميركي.

وفي عام 2017، وصلت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى أدنى مستوياتها، بعدما حظرت الحكومة الهولندية حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، من إقامة تجمعات جماهيرية في هولندا للجالية التركية، القوية، المزدوجة الجنسية الموجودة في البلاد، والبالغ تعدادها 400 ألف شخص، ووصف أردوغان هولندا بأنها "فلول النازية" وهدد بفرض عقوبات عليها.

وفي ذروة النزاع، قال الوزير التركي لشؤون الاتحاد الأوروبي عمر جليك لوكالة رويترز للأنباء إن "رجال الأعمال الهولنديين الذين يستثمرون، ولهم شركات، ويوفرون فرص عمل في تركيا.. قطعاً ليسوا جزءًا من الأزمة".

وعاد سفير تركيا لدى هولندا رسميا إلى بلاده في شهر يونيو، وسحبت الحكومة الهولندية سفيرها لدى تركيا رسميا في شهر فبراير من العام الجاري.

لكن على الرغم من الخلافات، فقد دعمت الحكومة الهولندية الشركات العاملة في تركيا. وأقرض بنك التنمية الحكومي في هولندا (إف.إم.أو) شركات تركية قرابة 400 مليون دولار أميركي خلال السنوات الثلاثة الماضية. كما شهد الاستثمار الأجنبي المباشر الهولندي في تركيا زيادة بلغت نسبتها 72 بالمئة في العام الماضي، وزاد أيضا حجم التبادل التجاري بنسبة 15 بالمئة بالمقارنة مع العام السابق.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الهولندية "تواصل هولندا وتركيا التعاون في العديد من المجالات المختلفة. ومن بين هذه المجالات التجارة، كما يشتمل التعاون أيضًا على مجالي الأمن والهجرة". 

وتابع المتحدث قائلا "إن هولندا تشجع الحوار بين الاتحاد الأوروبي وتركيا حول القضايا الرئيسية مثل حقوق الإنسان. ونحن نعتقد أن تجديد اتفاقية الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع تعزيز سيادة القانون في تركيا".

وفي الوقت الذي استخدمت فيه أنقرة مشاريع البنية التحتية الضخمة لجذب المستثمرين والمقرضين الأوروبيين، فإن مشاركة الشركات الهولندية في المشاريع العملاقة التركية محدود نسبيًا.

وباستثناء "يونيت" التابعة لأيسل، التي تستثمر في محطات توليد الطاقة في أنحاء تركيا، يبدو أن المشاريع الضخمة لا تغري المستثمرين الهولنديين. لكن يبدو أن الاستثمارات طويلة المدى، مثل فرع بنك آي.إن.جي في تركيا، وأكزو نوبل، ويونيليفر، هي التي تجذب المستثمرين الهولنديين.

وأعرب عطا الله ياشيلادا، المحلل السياسي لدى غلوبال سورس بارتنرز، عن تشككه في الانتقاد العام الذي يوجهه الاتحاد الأوروبي إلى سجل حقوق الإنسان في تركيا، وقال لإذاعة صوت أميركا الأميركية العامة: إنه في الوقت الذي تمول فيه البنوك الأوروبية مشاريع البناء العملاقة لأردوغان، تمنحهم الخزانة التركية ضمان العائدات بالدولار. 

وقال جنكيز أكتار، المتخصص في العلوم السياسية، ردًا على سؤال لموقع "أحوال تركية": إن انتهاء ترقب الاتحاد الأوروبي لتركيا رفع أية أعباء باقية على التبادل التجاري، مثل الاعتراضات التي أُثيرت خلال محادثات الانضمام المتجمدة. 

وأضاف أكتار "بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن تركيا الآن مثل أي دولة أخرى من دول العالم الثالث".

لكن مع تراجع الليرة التركية إلى مستويات منخفضة قياسية أمام الدولار الأميركي، فإن أيسل وكبار المستثمرين الآخرين في السوق التركية يكافحون من أجل سداد ديونهم المقومة بالدولار.

وقال أكتار إن المستثمرين الأجانب ربما يكون باستطاعتهم تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان، لكن الممارسات الاستبدادية قد تعرض حقوق الملكية في نهاية المطاف للخطر.

وتابع قائلاً إن "تركيا تكرر حاليًا خطأ توفير الثقة خاصة بعدما صادرت ممتلكات من شركات قريبة من شبكة غولن، وبعد وضع إجراءات اتخاذ القرار في يد سلطة واحدة. وعندما يتم تجاهل نظام الضوابط والتوازنات، وتجاهل مبادئ الشفافية والمساءلة، فإن هذا يمثل خطرا على الشركات."
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-holland/dutch-business-turkey-soaring-despite-political-crises-ahval-series-business-usual-4
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.