أردوغان أطاح بالطموح السياسي لعلي باباجان ودفن نجاحاته

كان علي باباجان شخصية تتصدر المشهد السياسي والاقتصادي في تركيا حتى وقت قريب، لكنه غاب عن الآنظار بصورة مفاجئة بعد عام 2014. أين هو الآن، وماذا يفعل يا ترى؟ سأحاول في هذا المقال إماطة اللثام عن معضلة انسحاب علي باباجان أو سحبه من الساحة السياسية، وذلك على ضوء واقعة قضائية شهدتها إسطنبول خلال الأسبوع الماضي. 
ربما يعتبر علي باباجان ألمع الأسماء بين كوادر حزب العدالة والتنمية. وهو يأتي على رأس تلك المجموعة التي حققت أعلى نسبة نمو في تاريخ الاقتصاد التركي في الفترة بين 2003-2008. 
ورغم أنه كان يتولى حقيبة وزارة الخارجية ويشغل منصب كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي في تلك الفترة، إلا أن تأثيره الإيجابي على الاقتصاد كان أبرز من المجالات الأخرى. 
لكن يبدو أن شيئًا حدث فيماء وراء الأبواب وسقط علي باباجان من عيني أردوغان، ليعتزل العمل السياسي في هذه الأيام. حسنًا فهل الأمر له علاقة بالمشاجرة التي شهدها مقر حزب الشعب الجمهوري في منطقة "السلطان أيوب" بإسطنبول؟
لقد تناولت الصحفُ الواقعةَ على أنها حادثة عادية بسيطة؛ فيما لم تتطرق رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول جانان قفطانجي أوغلو إلى أصل المشاجرة في تصريحاتها المتعلقة بالموضوع.
وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، فإن المشاجرة وقعت بين رئيس بلدية أيوب الحالي وعضوٍ بحزب الشعب الجمهوري لم يتم ترشيحه لرئاسة البلدية. فقد جاء هذا العضو إلى مقر الحزب، وافتعل الأزمة التي خلفت ورائها مصابين، لتهرع على وجه السرعة فرقُ الإسعاف وسيارات الشرطة إلى موقع الحادث. 
تبدو الواقعة في الوهلة الأولى وكأنها مشاجرة سياسية عابرة انتهت في مخفر الشرطة كالمعتاد، لكنها ليست الوحيدة من نوعها. لقد احتلت الواقعة أجندة كل الأحزاب، ولا بد من بحث جانبها المتعلق بإسطنبول. 
مع أن حزب الشعب الجمهوري المعروف بتوجهاته العلمانية لا يتمتع بدعم كبير في منطقة "أيوب" المحافظة، لكن لا يمكن التوقع بنتائج الانتخابات البلدية من الآن، وهذه المشاجرة تدل على وجود ما يثير شهية السياسيين لرئاسة هذه البلدية. وما هو يا ترى؟
علينا أن ندرس جيدًا الأسباب التي تثير شهية المنافسين على رئاسة بلدية بلدة من أهم بلدات إسطنبول إلى هذه الدرجة، حتى يمكن بالتالي الاطلاع على السبب الذي أجبر علي باباجان على الاختفاء من المشهد السياسي.
من المعروف أن إسطنبول تقع بين أعلى المدن في العالم من ناحية الريع الحضري. في الحقيقة، لا يشكل الريع الحضري أمرًا سيئًا في حد ذاته، وإنما على العكس يعتبر أمرًا إيجابيًا. فإذا كانت المدينة تشهد تطورًا ونموًّا فإن حصول الريع الحضري أمر طبيعي. 
بجانب مقوماتها ومعالمها الطبيعية والتاريخية النادرة، لفتت إسطنبول الأنظار بزيادة تعداد سكانها منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم من مليون نسمة إلى 15 مليون نسمة، الأمر الذي يجعل منها بطلًا على مستوى العالم في تحقيق الريع الحضري. صحيحٌ هناك مدن أخرى تحقق ربحًا كبيرًا من الريع الحضري مثل ساو باولو، وميكسيكو سيتي، والقاهرة، ولكن إسطنبول تحتل الصدارة من حيث ارتفاع دخل الفرد وسعر المتر المربع من مساحاتها. 
على سبيل المثال عندما أعلنت شركة أمازون أكبر شركات التسوق الإلكتروني حول العالم أنها ستنتقل مع فريق عملها إلى منطقة أخرى في الولايات المتحدة الأميركية، طار مسؤولو تلك المدينة فرحًا، وارتفع سعر المتر المربع الواحد للأبنية والإنشاءات؛ حيث أينما ذهبت أمازون تحقِّق ريعًا غير عادي، لأن موظفيها أصحاب المرتبات المرتفعة سيقيمون في تلك المنطقة.
ولكن الأهمية هنا في الطريقة التي تُعتمد في تداول ذلك الريع الحضري، فهل سيتداول عبر فرض ضرائب عليه أو استغلاله في مشاريع خاصة بالمدينة أم سيذهب إلى خزانات وجيوب بعض الأشخاص والمقاولين، وكذلك الأحزاب بشكل غير مباشر؟
 لقد امتنعت تركيا حتى اليوم في إسطنبول وأمثالها من المدن الكبرى الأخرى عن استغلال هذا الريع في صالح المدن وأهاليها من خلال فرض ضرائب أو مشاريع لأسباب كثيرة يأتي على رأسها الفساد. 
لا يتم مناقشة قضية فرض ضرائب على الريع الحضري، لا من قبل مؤسسات فكرية أو أحزاب سياسية؛ ذلك أن هذا الريع يشكّل مصدرًا مهمًا لتمويل السياسة في تركيا عبر مناقصات البلديات ومزاداتها المحلية العامة، بغضّ النظر عن تبعيتها للحزب الحاكم أو الأحزاب المعارضة.    
وهنا نعود مرة أخرى إلى علي باباجان.. فالرجل عندما طرح إعادة الريع الحضري إلى سكان المدينة عبر الضرائب والمشاريع في 2014 قد قضى على حياته السياسية أيضًا! فمنذ ذلك الحين سقط من عيني أردوغان رغم كل نجاحاته الاقتصادية. وأظن أن المشاجرة المندلعة في مقر حزب الشعب الجمهوري تتعلق بقضية الريع أيضًا. فالصراع كبير، لأن كعكة الريع الحضري كبيرة!

علي باباجان سياسي واقتصادي بارع خسرته تركيا
علي باباجان سياسي واقتصادي بارع خسرته تركيا

حين أعلن أردوغان تعهدات حزبه الانتخابية المكونة من 11 مادة لخوض انتخابات المحليات، تحمس الجميع، لكن لم يذكر شيئًا من فرض ضرائب على الريع الحضري من قريب أو من بعيد، ولم يتحدث عن منع تعديل الرسم الإنشائي للمبني حسب قطعة الأرض إلا باستحياء. 
لماذا لم يقدم حزب العدالة والتنمية مشروع قانون يفرض ضرائب على الريع الحضري طيلة حكمه 16 عامًا؟ ولماذا لم يمنع إلى اليوم الفساد المشهود في تعديلات الرسم الإنشائي للمباني. ولماذا لا تستخدم الأحزاب الديمقراطية اليسارية هذه القضايا لوضع حزب أردوغان في زاوية ضيقة في وقت تتجه البلاد للانتخابات البلدية. جواب هذه الأسئلة ضروري لاستيعاب طبيعة الحياة السياسية في تركيا.
هناك "آلهة" أقوياء يستحوذون على الريع الحضري في تركيا وأمثالها من بلدان العالم التي لا تفرض ضرائب على هذا النوع من الريع.. ورغم أن أردوغان يحب علي باباجان مثل ابنه، إلا أنه قدمه قربانًا لآلهة الريع الحضري حينما اقترح إعادة أرباح المدن الكبيرة إلى سكانها من خلال الضرائب والمشاريع.  
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا
الرابط:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/eyup-chpde-kavga-ali-babacan-rant-vergisi-ve-tanrisi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.