أحوال تركية
مايو 01 2019

أردوغان بلا أصدقاء

إسطنبول – تزداد عزلة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على مختلف الأصعدة، المحلّي والإقليمي والدولي، ويتقلص عدد أصدقائه في الداخل وحول العالم، حتى أصبح بالإمكان عدّهم على أصابع اليد الواحدة.

وتُعد السياسات التي اتبعها أردوغان مؤخراً، بما فيها محاولاته للاستئثار المطلق بالسلطة، والتضييق على المعارضة والحريات العامة والحقوق المدنية والصحفية، إضافة للتخبط بالسياسة الخارجية، من أهم أسباب تراجع شعبيته على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، بحسب ما يرى مراقبون للشأن التركي.

وعلى الصعيد الداخلي، كانت خسارة أردوغان الأخيرة في انتخابات مارس، لكبريات المدن بما فيها إسطنبول وأنقرة وإزمير، وتململ رفاق دربه القدامى كالرئيس السابق عبدالله غول، وعلي باباجان، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، والانتقادات العلنية الحادة التي تمّ توجيهها لسياسات حزب العدالة والتنمية، مؤشّرات تدلّل على أفول نجمه شعبياً.

أما إقليمياً، فقد حولت سياسات أردوغان الدول المجاورة لتركيا لدول معادية، سوريا والعراق وقبرص واليونان، وإيران، إذا اسثنينا الحاجة الماسة للتعاون الاقتصادي معها، والاستثمار ومحاولات التفاوض والتعاون في الأزمة السورية، باعتبارهما من الدول الضامنة لخفض التصعيد ووقف إطلاق النار في سوريا. 

وعلى الصعيد الدولي، فقد بات قادة الدول الأوروبية وممثليهم في الاتحاد الأوروبي يعبرون علناً عن رفضهم لاستكمال خطة انضمام تركيا للتكتل، والاكتفاء بشراكات اقتصادية معها، وما تصويت البرلمان الأوروبي على قرار غير ملزم بتجميد مفاوضات الانضمام، إلا تعبيراً عن تبدل المزاج العام في أوروبا تجاه تركيا الأردوغانية، إضافة لتدهور العلاقات التركية مع العالم العربي نتيجة لتبني الرئيس أردوغان وحزبه لأفكار الإخوان المسلمين التي يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصنيفها كمنظمة إرهابية. 

وفي هذا السياق ذكر محلل، لمعهد "غايتستون" الأميركي، أن حفنة من الزعماء الأجانب فقط قدموا التهاني للرئيس التركى رجب طيب أردوغان على فوز حزبه الحاكم، بالنتيجة العامة، فى الانتخابات المحلية فى 31 مارس، وهو مؤشر على عزلة الرئيس المتزايدة.

وأضاف الكاتب بوراك بيكديل، وهو زميل في منتدى الشرق الأوسط، في تصريحه للمعهد الأميركي: "باستثناء أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرجل المتعثر في فنزويلا، نيكولاس مادورو، أصبح أردوغان بلا أصدقاء على نحو متزايد". 

وقال: تستعد الولايات المتحدة حالياً لمعاقبة تركيا، حليفتها بالناتو، بسبب إقدام أنقرة على شراء نظام دفاع صاروخي روسي، وربما ستقوم بإلغاء شراكة الأتراك في برنامج الطائرة المقاتلة من طراز إف -35.

وأضاف الكاتب: تمر تركيا وروسيا بفترة شهر العسل في تحالف جديد. لكن علاقة الحب الجديدة هذه هشة للغاية، فالعلاقة الحالية بين أنقرة وموسكو تحالف تكتيكي وليس استراتيجياً، مع انفصال رسمي حتمي مستقبلاً، وأشبه ما يكون بالقنبلة الموقوتة البطيئة.

تحالفات تكتيكية لن تدوم طويلاً.
تحالفات تكتيكية لن تدوم طويلاً.

وأشار الكاتب أيضاً إلى الصين، الشريك الاقتصادي لتركيا، لكن وبسبب النزاع المستمر منذ عقود حول معاملة الصين لأقلية الإيغور المسلمة؛ الإخوة العرقيين للأتراك، فقد أغلقت الصين قنصليتها في إزمير، في فبراير، بعد أن شجب المسؤولون الأتراك معسكرات الاعتقال في بكين في منطقة شينجيانغ بشمال غرب البلاد، حيث يعيش معظم الإيغور.

وأضاف الكاتب أنه في فبراير الماضي أيضاً، أعلنت فرنسا يوم 24 أبريل يوماً وطنياً لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن، وهي خطوة أدانتها تركيا بسرعة. وسرعان ما حذت إيطاليا حذو فرنسا، ونددت أنقرة مجددًا بهذه الخطوة، ووصفتها بأنها: "تستخدم مطالب الأرمن وقضيتهم من أجل المصالح السياسية المحلية".

ووفقاً لما ذكره الكاتب، فإن الأمور في أفريقيا ليست بأفضل حال لأردوغان. ففي السودان تمت الإطاحة بحليفه، عمر البشير، الشهر الماضي، ما اعتبره العديد من المحللين بأنه ضربة لخطة أردوغان لاكتساب النفوذ في المنطقة.

وقال الكاتب: في ليبيا، دعمت تركيا وقطر حكومة فايز السراج المتحالفة مع فصائل متشددة في طرابلس، تلك التي تتعرض الآن لهجوم شديد من قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا وروسيا.

وقال بيكديل: "في ظل الركود الاقتصادي ومعدلات البطالة والتضخم العاليين، فإن مزيداً من التدهور سيكون أسوأ كوابيس أردوغان". "رجل تركيا القوي يركض بسرعة ليصبح وحيداً في العالم".

ويكون السؤال المتجدد عن مصير تركيا في ظلّ سياسات أردوغان، وما إن كانت ستمضي في عزلتها الإقليمية والدولية أم لا؟ وهل ستلجأ إلى الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام بدلاً من مواجهة الأزمات التي تلمّ بها؟