Yavuz Baydar
يوليو 16 2018

أردوغان بمزاجيته وانتقاميته عدوُّ نفسه

"ليس لدي أي مخاوف على الإطلاق. كل تلك المؤسسات والمجالس تعمل الآن تحت قيادتي." 

بهذه الكلمات بدا رئيس تركيا رجب طيب أردوغان الذي أعيد انتخابه في الآونة الأخيرة أكثر ثقة من أي وقت مضى عندما سئل عن أي صدام محتمل مع مراكز القوى في البلاد.
هو على صواب. بعد أن أعاد تأكيد مفهوم الثقافة السياسية الأبوية المتجذرة في تركيا، قام أردوغان بتجميع كل سلطة ممكنة تقريباً في شخصه. لقد اكتسب نوعاً من القوة المطلقة يمكن مقارنتها ربما فقط بالزعماء البعثيين السابقين أو بالأحرى بأولئك الذين يحكمون بقبضة حديدية في جمهوريات آسيا الوسطى.
أدى أردوغان اليمين رئيسا لتركيا خلال مراسم تركت باقي المؤمنين بالفكر الكمالي العلماني في حالة من الصدمة والرعب. فقد كانت هناك تلاوة قرآنية ومراسم تعيد العثمانيين إلى الأذهان. بعد ذلك، لم يهدر أردوغان أي وقت للتأكيد على سلطته. كان وابل المراسيم مبهراً حتى بالنسبة لأولئك الذين لديهم ولو  فكرة عن ما يمكن توقعه.
ألغت المراسيم الهياكل الإدارية القائمة منذ ما يقرب من 100 عام، ونقلت سلطة هائلة إلى الرئيس الأعلى. يستطيع أردوغان، في أي وقت وبأي طريقة ممكنة، إدارة التفاصيل الدقيقة لكل جوانب الحياة في تركيا.
حملة التطهير يمكن مقارنة قوتها فقط بفترة حكم ستالين. وتتعمق الحملة في الهياكل الأمنية للدولة، مع التركيز على طرد ما يقرب من 20 ألفا من ضباط الشرطة والجيش من خلال مراسيم لا رجعة فيها على ما يبدو.
وبشكل عام، يمكن للمرء أن يجادل بأن الانتخابات وتوابعها، مع كل مزاعم تزوير الأصوات والتلاعب المنهجي، هي بمثابة انقلاب مدني، أو على الأقل، ثورة كانت تستهدف الاستيلاء على السلطة على نطاق واسع.
بطريقة أو بأخرى، أظهر أردوغان للعالم أنه من الممكن القيام بما فشل ألبرتو فوجيموري في إدارته في بيرو ذات يوم. في هذه العملية، وضع سوابق للمعجبين به، مثل نيكولاس مادورو في فنزويلا أو فيكتور أوربان في المجر.

أردوغان أمام عدوه
أردوغان أمام عدوه

وفي الوقت الذي أعلن فيه أردوغان للعالم أن عهداً جديداً في الجمهورية التركية قد بدأ، كان أتباعه المخلصون بشدة يشعرون بالحماس من ثقة الرئيس بنفسه. في معسكر أردوغان، لا يوجد هناك أدنى شك في أن الجمهورية الجديدة، تحت سلطة رجل واحد، ستكون ملائمة لتطبيق السياسات التي يقررها هو فحسب ولا تخضع للمساءلة من أي شخص على الإطلاق.
وكما كتب برهان الدين دوران، المدير العام لمؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية الممولة من الحكومة التركية "في ظل هذا النموذج الجديد... يمكن للحكومة التركية التركيز على التخطيط الاستراتيجي والتنسيق. يمكن أن تعزز نهجاً نشطاً وفعالاً للمخاطرة بين القيادة العليا."
وأضاف دوران "يمكن أن يكون تحويل مفهوم الحكومة، وليس هيكلها فقط، على جدول أعمال الأمة. إذا سلط النظام الجديد الضوء على التنافس بين الأطراف المختلفة في عملية تطوير السياسة، فيمكن تغيير بيروقراطية تركيا الثابتة والبطيئة والمعرضة للوصاية والقائمة على الأداء والجدارة."
وتابع قائلا "لقد حان الوقت لتطوير سياسات شاملة لبناء مستقبل أفضل ولمنع الاضطرابات."
أما بالنسبة للروح الهادئة فإن التراكم المفرط للسلطة يعني ببساطة كارثة تركيا المعقدة اجتماعياً. منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، اعتادت تركيا على إجراء انتخابات حرة والإيمان المعقول بسيادة القانون. على خلفية كهذه، فإن ما سيفعله أردوغان يسبب قلقاً عميقاً.
من الناحية العملية، يمكن لأردوغان تعيين وإقالة المسؤولين التنفيذيين في الدولة. وفي حالة غيابه، سيمثله نائب للرئيس عينه بنفسه. ويمكنه إصدار المراسيم وإعلان حالة الطوارئ وإعلان الأحكام العرفية. وسوف يتمتع بحصانة شبه كاملة ويكون من المستحيل محاسبته.
وستكون السيطرة البرلمانية على السلطة التنفيذية باطلة ولاغية، لأن القصر الرئاسي يتمتع بالقدرة على السيطرة على السلطة التشريعية. وسوف يعين تقريباً جميع كبار القضاة ومجلس القضاة والمدعين العموم. وستكون سيطرته على وسائل الإعلام شبه مطلقة.
باختصار، سيكون أردوغان رئيس الدولة في تركيا ورئيس الحكومة ورئيس الحزب الحاكم ورئيس السلطة القضائية والحكم الرئيسي لحرية وسائل الإعلام.
ونظراً للطبيعة المزاجية والانتقامية للزعيم الأعلى الجديد لتركيا وحالة الاستقطاب في البلاد، فمن الغباء توقع أن يتحلى النظام باللين.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الانتصار السياسي لأردوغان، فإن الاقتصاد المتدهور يشكل تهديداً لسلطته. ثمة احتمال دائم بأن تكتسب الاضطرابات الاجتماعية قوة.
يواجه أردوغان في الوقت الراهن ألد الخصوم ألا وهو نفسه. إذا أصبحت تركيا خارجة على السيطرة سريعا، فلا أحد يتحمل المسؤولية سواه.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: