أردوغان بين الاستعلاء والاستجداء

أخذ أردوغان يكرر قائلا "تمهَّل دقيقة واحدة، دقيقة واحدة يا سيدي الرئيس..!"، أثناء إلقاء كلمته في المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي عقد في دافوس عام 2009 طالبا أن يأخذ فرصته في الحديث، ثم التفت إلى الرئيس الإسرائيلي وقد تملكه الغضب، وقال له "سيد بيريز أنت أكبر مني سناً، وقد استخدمت لغة قوية. أشعر أنك قد تشعر بالذنب قليلاً؛ لذا ربما كنت عنيفاً، تتحدث بصوت عالٍ. أعتقد أن صوتك المرتفع هو انعكاس لنفسية الإجرام لديك، كما أن صوتي لن يصل إلى مستوى صوتك المرتفع. أما الحديث عن القتل فهو أمر تألفونه عندكم في إسرائيل". انسحب أردوغان بعد ذلك، وقد عقد العزم ألا يعود إلى دافوس مرة أخرى.

حدث هذا اللقاء في سنواتٍ خلع أردوغان على نفسه خلالها حلة الفكر القومي. كان لديه اقتصاد قوي. كان يضع مبضعه على شرايين الدولة المسدودة، وهو يُودِّع مبادئ الديمقراطية. 

كان يحاول تفكيك البناء السياسي والاقتصادي الواقع تحت وصاية العسكر؛ كي يعيد بناءً آخر يخضع لسيطرته هو.

سيطر على الدولة في هذه السنوات مناخ من الحظ العاثر لم يعط خيارات أخرى بديلة.

لم يستمع أحدٌ إلى الذين علقوا على ما حدث في دافوس في ذلك الوقت، قائلين "ينبغي التزام لغة الدبلوماسية. هذا الأسلوب لا يصلح في العلاقات بين الدول"، واتُّهموا بقصر نظرتهم السياسية، ولم يُسمع لهم مجرد الهمهمات بعد ذلك.

كان الخطاب، الذي ألقاه أردوغان في دافوس، انعكاساً لطبيعة شخصيته، ولم يأتِ من قبيل الصدفة، ولم يكن انعكاساً لموقف ما.
وفي خلال هذه السنوات، وإلى الآن، بدأت المياه تتدفق بغزارة من تحت الجسور.

لم تكن ألوان الحلة، التي خلعها أردوغان على نفسه ومعالم شخصيته، واضحة بشكل كبير.

بقية الحكاية معلومة للجميع. فقد شهد الجميع الأحداث التي عاشتها تركيا بعد ذلك وإلى الآن، ولا يحتاج الأمر لشرح أو لتفسير مني.
وبعد 15 يوليو 2016 رأينا حطام دولة مريضة مشلولة لا تقدر على شيء.

كانت الدولة قد أقامت جسوراً لها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ودول الخليج. 

أثبت التاريخ فشل سياسة "العزلة البنَّاءه"، ولم يعد لها مكان في السياسة العالمية.

أثبتت مقولة "لا صديق للأتراك إلا من هم من أبناء جلدتهم" فشلها.

صارت هذه المقولة مثل دابة الأرض التي أكلت منسأة سيدنا سليمان.

عاشت تركيا فترة صعبة؛ عانت خلالها من وهم رفض الذات، وكانت النتيجة أنها شعرت بالسخط على الجميع.

أصيب أردوغان خلال هذه الفترة بداء الزعامة الذي أصيب به جميع القادة في الشرق الأوسط تقريباً.

وبات الأمل في تماثله للشفاء مرة أخرى في حكم المستحيل، وصار يحارب المسيحيين تارة، ويرتمي في أحضانهم تارة أخرى.

وجد نفسه مُنساقاً، دون وعي منه، وراء إقامة علاقة مع كل من هم على شاكلته. ونجح في ذلك بالفعل. كان يبتعد عن الغرب تارة، ثم يهرول إلى بلاد العجم ليقوي علاقته معهم تارة أخرى.

من ناحية أخرى، كانت الأمور تتحول إلى الأسوأ كلما ابتعد عن "أصدقائه القدامى".

لقد خبا بريق صورة الاقتصاد التركي، الذي طالما عدَّه العالم واحدًا من الاقتصادات الواعدة.

وكانت النتيجة أنه، ومن حوله أصيبوا جميعاً بمرض الهذيان؛ فتوهموا أنهم أصحاب الكرامات، الذين لا يستعصي عليهم حل أية مشكلة. 

وبدلاً من أن يعترفوا بأن كل ما تحقق من نهضة اقتصادية، وارتفاع في مستوى المعيشة، واستقرار في المجتمع كان مرجعه في الأساس التشبث القوي بمبادئ الديمقراطية، تغافلوا عن هذا تماماً، ونسبوا النجاح لهم، ولقدراتهم الخاصة فقط.

يرفع الذين أصيبوا بهذا المرض شعار "تقبلني كما أنا، ستحبني على هذا الشكل"، وهم الذين يستبيحون دماء الأبرياء، لكن سياستهم تلك لم تجد نفعاً مع الغرب؛ فعجزوا عن استمالتهم،  حتى وإن تظاهروا أنهم تبرأوا من دماء الأبرياء.  

ولعل زيارة أردوغان إلى برلين أبلغ دليل على هذا. 

بدا أردوغان مختلفاً هذه المرة؛ فقد تخلى عن تبجحه المعهود، ولم تتح له الفرصة لإلقاء خطبه الرنَّانة؛ حيث كبَّل الوضع الاقتصادي، الذي ترنَّح على إثر تلقيه ضربة قوية من الولايات المتحدة، يديه وعقد لسانه.  

السؤال الآن: هل ستمد ألمانيا يدها بالفعل إلى أردوغان، وتنتشله من هذا الوضع الحرج كما  فعلت في السابق مع اليونان؟

مما لا شك فيه أن أردوغان سيسعى جاهداً إلى استعادة دفء علاقته مع برلين، والعودة بها إلى أيامها السعيدة، حتى لا يضطر إلى طرق أبواب صندوق النقد الدولي.

ولكنه سيحاول، مع هذا، أن يحفظ ماء وجهه. وهو بالطبع لم يعلن صراحة لأكثر من 50% من أبناء تركيا أنه خرج في جولة لجمع المساعدات من الخارج.

لهذا السبب وقع اختيار أردوغان على الصحفي المنفي جان دوندار ليكون الضحية، التي سيتعلل بها ؛ فحمل ملف إعادته لتركيا مرة أخرى في حقيبته، وسافر إلى ألمانيا.  

ربما شعر50% من الشعب التركي بالراحة، بعد أن صرَّح أردوغان، في المؤتمر الصحفي مع أنغيلا ميركل، قائلاً "دوندار عميل"، ولكنهم لا يعلمون أن الأمر مختلف تماماً خلف الأبواب المغلقة؛ فلم يكتفِ الألمان بمجرد استماعه إلى نصائح عن حقوق الإنسان في تركيا، وتطبيق مبادئ الديمقراطية فقط.

والحقيقة أن برلين قدمت بالفعل كرم الضيافة الذي يليق بضيفها! 

فهي لم تحط من قدره على الملأ، ولكنها أرغمته على دفع ثمن باهظ لوصفه السابق للحكومة الألمانية ڊ"بقايا النازية".

من ناحية أخرى، استبقت السيدة أنغيلا ميركل لقاءها الثنائي مع أردوغان بإطلاق تصريحٍ نزل كالصاعقة على أسماعه حين قالت "لن نقدم مساعدات مالية لتركيا. سنطرح موضوع حقوق الإنسان على طاولة المباحثات". 

لم تتعمد الحكومة الألمانية أن تجعل من برلين ساحة للاستعراض، كما لم تهلل لفتح نافذةٍ لعودة العلاقات مع تركيا.

ومما لا شك فيه أن رؤوس الأموال الألمانية العاملة في تركيا قد لعبت دوراً فاعلاً في هذا الأمر، بعد أن بات من المؤكد أن هذه الاستثمارات ستتعرض للخطر مع ترنح الاقتصاد التركي.

وكان الرئيس الألماني فرانك شتاينماير أكثر وضوحاً في هذه النقطة حين قال " زيارة أردوغان لألمانيا لا تعني عودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها..."

ما الذي يمكن قوله بعد كل هذا....

نعم إن الطريق إلى برلين صار مغلقاً. نعم لقد تظاهر الألمان، على غير عادتهم، اعتراضًا على زيارة أردوغان، وأغلق الآلاف منهم الطرق والميادين.

نعم كانت وسائل الإعلام الألمانية على قلب رجل واحد، ووجهت لطمات متتالية لوجه أردوغان.

نعم فتحت ألمانيا بابها لأردوغان.

ولكن ما النتيجة؟

استخدمت ألمانيا لغة الدبلوماسية بمهارة؛ فهي لم تتخل عن لطفها، ولم تتغافل، في الوقت نفسه، توجيه رسائل حازمة لأردوغان مفادها "لقد تغيَّرت الأحوال" و "لم ننس يوماً خطاباتك العدائية ضدنا، ولن نسامحك على فعلتك" و"جلوسنا مرة أخرى على مائدة المفاوضات كان لأجل المصالح". 

أرغمت الحكومة الألمانية أردوغان، خلال يومين فقط، على فعل ما عجزت قمة دافوس على فعله معه.

ولكن هل كانت القيادة الألمانية وحدها هي التي جعلت أردوغان يلتزم باستخدام لغة الدبلوماسية؟
بالطبع لا.

فقد شارك النائب عن حزب الخضر في ألمانيا جيم أوزدمير في مائدة أقيمت على شرف أردوغان، على الرغم من عدم تأييده لهذه الزيارة. 

استبق أوزدمير لقاء أردوغان بقوله "سيضطر من يعتبرني من المنتقدين لسياسته القمعية إلى رؤيتي أثناء الزيارة، وسيضطر أيضاً إلى تحمل وجودي معه في مكان واحد". وقد صار.

استقبل أوزدمير أردوغان في هذه الزيارة وشدَّ على يده.

جاء اليوم الذي ترتد فيه اليد، التي طالما وبّخت الكثيرين، إلى الخلف...

لقَّنت قوة لغة الدبلوماسية أردوغان درساً قاسياً.

أسفرت هذه الزيارة عن انتصار ثلاثة أطراف، وخسارة طرف واحد فقط؛ انتصر جان دوندار وجيم أوزديمير ولغة الدبلوماسية، وكانت سياسة التهور والاستعراض هي الخاسر الوحيد.

 

يمكن قراءة المقال باللعة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/erdogan/one-minutetan-berline&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.