أردوغان في ألمانيا: الأعين التركية في كل مكان

يصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى برلين اليوم في زيارة تستمر لثلاثة أيام وكله أمل في أن تسهم الزيارة في إعادة إطلاق العلاقات الثنائية بعد خلاف طرأ عليها العام الماضي حين شبه أردوغان نفسه الزعماء الألمان بالنازيين.
وقال مارك بيريني، الأستاذ البارز بمؤسسة كارنيجي والسفير السابق للاتحاد الأوروبي لدى تركيا "كون هذه الزيارة هي زيارة دولة يمثل إنجازا شخصيا لأردوغان، لأنها لم تمكن أمرا ممكنا قبل عام."
وأضاف "لكن هذا لا يغير الوضع الحالي ولا حال العلاقات: فجلسات التصوير شئ والنتائج شئ آخر تماما."
ينتظر أن تستضيف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أردوغان على مأدبة غداء اليوم الجمعة، قبل عشاء رسمي يستضيفه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.
وسيناقش القادة على الأرجح وضع مواطنين ألمان محتجزين حاليا في تركيا، إلى جانب وضع أكثر ما لا يقل عن 100 صحفي قيد الاحتجاز، وكذا وضع الاقتصاد التركي المترنح بعد خسارة الليرة 40 بالمئة من قيمتها هذا العام.
وقال بيريني "أهم مؤيدي تركيا هم الديمقراطيون الليبراليون وهؤلاء يشعرون بالقلق من رؤية نظام غير ليبرالي بشكل كامل يحتجز عشرات الآلاف من الأشخاص في السجون دون سند قانوني على الإطلاق.
"حين أتحدث إلى مسؤولين في بنوك أو مستثمرين ممن يملكون خططا كبيرة للعمل في تركيا، أجد ثقتهم ضعيفة في الوضع الراهن هناك الآن. فهناك حاجة ملحة لتحقيق تقدم على الصعيد الاقتصادي، كما أن تحقيق تقدم في مجال سيادة القانون أمر محوري أيضا لإصلاح الضرر الذي أصاب العلاقة مع أوروبا، وهذا أمر قد يستغرق بعض الوقت."
عدد كبير من السياسيين الألمان رفضوا دعوات لحضور العشاء الرسمي على شرف أردوغان احتجاجا على ممارسات النظام التركي المقيدة للحريات الديمقراطية.
لكن شخصية مثل جيم أوزديمير سيحضر، وهو قيادي سابق بحزب الخضر وشخص لطالما جهر بالانتقادات لأنقرة ويعد أبرز السياسيين الألمان من أصل تركي.
قال أوزديمير إنه يعتزم تذكير أردوغان بأنه "من غير المقبول جلب صراعاته إلى ألمانيا وإنشاء شبكة من الجواسيس والمخبرين."
في هذا على الأرجح إشارة إلى الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية وهو أكبر مظلة إسلامية في ألمانيا.
وفي العام الماضي، أقر ذلك الاتحاد بأن عشرة من أئمته على الأقل كانوا يتجسسون لحساب الدولة التركية من خلال سعيهم لتحديد مؤيدي حركة تابعة للداعية التركي فتح الله غولن الذي تعتبره الدولة التركية وراء محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016.
ويبدو أن برلين تتبنى نفس وجهة نظر أوزديمير. فالشهر الماضي، أعلنت الحكومة الألمانية أنها ستتوقف عن تمويل مشاريع يقوم بها الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية.
والآن، قد تضع وكالة المخابرات الداخلية الألمانية المعروفة اختصارا باسم (بي.إف.في) هذا الاتحاد تحت مراقبة رسمية بسبب عمليات التجسس ضد أنصار غولن، ولرفضها المشاركة في مسيرة مناهضة للإرهاب تم تنظيمها مؤخرا، وبسبب إلحاح أئمة الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية على المصلين بالدعاء للجيش التركي ليحقق النصر في سوريا.
هذا التوضيح سيسمح للمخابرات الداخلية الألمانية بتجنيد عملاء وتنفيذ عمليات مراقبة سرية ورصد الاتصالات.
ويعد الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية فرعا سابقا من إدارة الشؤون الإسلامية بتركيا، ويخضع بقدر كبير لإدارة من قبل أنقرة، رغم تأكيداته على استقلالية وضعه.
على سبيل المثال، يقود مجلس إدارة هذا الاتحاد نيفزات ياسر عاشق أوغلو، وهو أيضا الملحق الديني في السفارة التركية وممثل إدارة الشؤون الدينية التركية في ألمانيا.
يوم غد السبت يزور أردوغان مدينة كولونيا، وفيها مقر الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية حيث يحل ضيفا في ضاحية إيهرنفيلد التي تسكنها أغلبية من الأتراك وسيدشن المسجد المركزي بكولونيا.
هذا المسجد سيصبح أكبر مساجد ألمانيا وبناه الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية وافتتح قبل ما يزيد بقليل على عام واحد بعد جدل شعبي حاد.
يسع المسجد 1200 مصل وشُيّد على مساحة 17 ألف متر مربع ويضم مكاتب وغرف اجتماعات وقاعة معارض ومتحفا، بالإضافة إلى مكتبة ومركز رياضي للشباب وبيت ضيافة واستوديوهات إذاعة وتلفزيون وبارازا مغطى.
وقال عاشق أوغلو رئيس مجلس إدارة الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية إن للمسجد "معنى رمزيا" بالنسبة للمسلمين في المنطقة.
لكن سبق للكاتب الراحل رالف جيوردانو وصف المسجد بأنه رمز "لتسلل الأسلمة"بينما قال الصحفي هنريك برودر إن المسجد ليس سوى مشروع إسلامي.
وربما يتفق الزعيم التركي مع رؤى برودر. 
يقول بيريني "رسالته في زيارة المسجد هي أنه يدافع عن الأتراك والمسلمين المقموعين في ألمانيا وفي مختلف أنحاء العالم، وهو أمر يفعله منذ بضع سنوات."
وأشار بيريني إلى أن أردوغان حث الألمان من أصول تركية على الانخراط في السياسة.
وقال بيريني "رسالته الداخلية هي أن الألمان من أصول تركية هم عملاؤنا في ألمانيا."
تشعر إدارة الإسلاميين في المخابرات الداخلية الألمانية بالقلق من أن أنشطة الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية المؤيدة من قبل تركيا "عبارة عن وتد في المجتمع وتعزيز لميول الإسلام السياسي."
في الوقت نفسه، أشار الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية إلى الحكومة الألمانية. وفي نوفمبر الماضي وبعد سلسلة من الهجمات على مساجد في أنحاء ألمانيا، حث الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية السلطات الألمانية على محاكمة المعتدين وتوفير حماية أفضل لمساجد المسلمين.
ورغم أن ثلثي الألمان من أصول تركية الذين صوتوا في الانتخابات الرئاسية التركية في يونيو الماضي قد منحوا أصواتهم لأردوغان، فإن أكثر من نصف من يحق لهم حق التصويت لم يدلوا بأصواتهم من الأساس.
كما يتردد أن الألمان من أصول تركية، ويقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين شخص، منقسمون في تأييدهم لأردوغان.
فكثيرون ينحازون لشخص مثل دينيز يوسيل الصحفي الألماني من أصل تركي. عاد يوسيل لألمانيا بعد قضاء أكثر من عام في سجن تركي ووصف قرار برلين باستقبال أردوغان بأنه خيانة لكل من ذاقوا الأمرين جراء سياساته.
غير بعيد عن المسجد الجديد، وقبل ما يزيد بقليل على عام واحد، اعتقل الكاتب الألماني دوجان أكانالي، وهو تركي المولد، في إسبانيا بعد أن وضعته أنقرة في سرية على قائمة المطلوبين لدى الشرطة الدولية (الإنتربول).
في سبعينات وثمانينات القرنت الماضي، أمضى أكانالي سنوات عدة في السجون التركية بسبب كتاباته عن التطهير العرقي بحق الأرمن.
والعام الماضي، أمضى أكانالي نحو شهرين في مدريد حيث قاوم محاولات لاعتقاله قبل أن يتمكن من العودة لمسكنه في كولونيا حيث يعيش منذ عام 1992.
وقال أوزديمير مؤخرا في مقابلة "أجهزتنا الأمنية يمكنها تقديم أداء أفضل فيما يتعلق بالخطر القادم من تركيا"، في إشارة إلى الصحفي السترة الواقية من الرصاص التي يرتديها الصحفي التركي الأرمني هايكو بادجت في الأماكن العامة بعد تلقيه تهديدات بالقتل.
وأضاف أوزديمير "يجب أن نوضح أن ألمانيا لن تتسامح مع مناخ الخوف هذا."
ربما لا يكون في الأمر الكثير من المبالغة. فأنقرة لا تكتفي بالبحث في أوروبا عن أعضاء حركة فتح الله غولن وملاحقتهم، بل تلاحق أيضا الصحفيين وأساتذة الجامعات والمفكرين من ذوي الأصول التركية ممن يحملون أفكارا معارضة للقوميين الأتراك. وتلاحق السلطات التركية كذلك من يجهرون بالحديث عن دعمهم لحقوق الأتراك على سبيل المثال، أو من يتحدثون عن التطهير العرقي بحق الأرمن.
وتستغل السلطات التركية فيما يبدو 900 مسجد تابع للاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية في مختلف أنحاء ألمانيا كمواقع لجمع المعلومات.
وقال بيريني "الحديث التركي السائد منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عن تتبع واقتناص أعداء تركيا أينما كانوا هو أمر غير مقبول بالنسبة للاتحاد الأوروبي."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/germany-turkey/erdogan-germany-turkeys-eyes-are-everywhere
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.