Ergun Babahan
سبتمبر 13 2018

أردوغان مريض الازدواجية يشتكي بوتين للولايات المتحدة

ها قد انتهت حملة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، التي دأب فيها على ضرب الولايات المتحدة الأميركية بروسيا، والخروج ببعض المكتسبات. فأردوغان الذي لم يجنِ أي شيء من دعوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال القمة الثلاثية في إيران إلى "وقف إطلاق النار" لإنقاذ محافظة إدلب السورية، يمّم وجهه ثانية إلى أميركا.

وحقيقة الأمر أن الرأي العام الروسي، كان هو الأولى برسالة أردوغان التي نشرها بصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية؛ وذلك من أجل الضغط على بوتين حتى يتسنى التصدي له وتحجيمه. لكن الرئيس التركي، اختار  الصحيفة الأميركية المذكورة، ونشر فيها الإثنين 10 سبتمبر الجاري، مقالًا؛ في مسعى منه للتأثير على صناع القرار السياسي الأميركيين من خلال الرأي العام في البلاد.

ولعل هناك العديد من الأمور التي دفعت أردوغان لاختيار الرأي العام، والصحافة الأميركية، ليوجه رسالته، دون الرأي العام الروسي: أول هذه الأشياء أنه لا توجد أية فرصة ممكنة لتغيير سياسات الرئيس بوتين في إدلب من خلال مقال في صحيفة روسية. وثانيها أن بوتين ليس بالقائد الذي يمكن أن يغيّر بكل سهولة سياسته بناء على انتقاد ما وجهته وسائل الإعلام في بلاده. أما أهم عامل هو أنه لا توجد في روسيا صحافة حرة، وأن بوتين ليس بالقائد الذي وصل لسدة الحكم عن طريق انتخابات حرة ونزيهة.

ومن ثم فإن قيام أردوغان ذلك الزعيم السياسي الذي دأب على تشبيه بلاده بروسيا أكثر من الولايات المتحدة، باختيار طريق الاستفادة من تعدد الأصوات الذي تتمتع به النظم الديمقراطية(في إشارة للصحافة)، لمثال آخر على ما يتمتع به هذا الرجل من افتقار إلى المبادئ، والقيم الأساسية، ومثال على ما لديه من مفهوم خاطئ بخصوص السياسة الميكافيلية.

ولا غرابة في ذلك، فهذه هي الازدواجية التي دأب أردوغان على استخدامها، الازدواجية في أبهى حلة لها. لكن المشكلة تكمن في أن الجميع قد ألفوا من هذا الرجل مثل هذه الأمور، وبالتالي باتوا لا يسعون إلى محاسبته أو استجوابه بشأن هذه الازدواجية.

دعونا ننتقل الآن إلى بيت القصيد، وهو مقال أردوغان الذي نشره في "وول ستريت جورنال" الذي عنونه بـ"على العالم أن يوقف الأسد" والذي قال فيه:

"نظام الأسد، يستعد بمساعدة حلفائه لشن هجوم كبير على محافظة إدلب التي تأوي  ثلاث ملايين شخص، وتعتبر أحد آخر الموانئ الأمنة بالنسبة للسوريين الذين نزحوا من أماكنهم داخل البلاد".

وكما نرى فإن أردوغان لم يتحدث عن الرئيس السوري، بل ذكر كذلك حلفاء الأسد، والمقصود بهم كل من روسيا وإيران. وهو بذلك وكأنه يشتكي صراحة بوتين، ونظيره الإيراني حسن روحاني للإدارة الأميركية، على اعتبار أن المقال نشر في صحيفة أميركية. نعم يشتكي بوتين الذي بسبب صفقة منظومة الدفاع الصاروخية "إس-400" التي اشتراها منه، تعرض لعقوبات أميركية، نعم بوتين الذي يلتقي به أردوغان أو يحادثه هاتفيًا مرة كل شهر على الأقل تقريبًا. بوتين الذي دأب رجال أردوغان على تفسير العقوبات الأميركية على أنها "غيرة من العلاقات الوطيدة بين أردوغان وبوتين".

ويعتبر هذا الكلام رسالة اعتراف بأن قمة طهران أخفقت بشكل تام، على الرغم من كل الجهود التي تبذلها وسائل الإعلام لتأكيد غير ذلك. ورسالة اعتراف بأن روسيا لم ولن تولي أهمية لمخاوف أنقرة. وتعتبر كذلك إعلانًا بانهيار محادثات "أستانا" للسلام في سوريا، وبعودة الأمل التركي وتعلقه مجددًا بـ"الصديق ترامب".

وفي الوقت الذي كان ينشر فيه فريق أردوغان مقال الرئيس بصحيفة "وول ستريت جورنال"، كانت روسيا على الجانب الآخر تدعو لعقد اجتماع مفتوح بمجلس الأمن لمناقشة قمة طهران الثلاثية التي انعقدت يوم الجمعة الماضية.

وقال السكرتير الصحفي للممثلية الروسية لدى الأمم المتحدة، فيودور سترجيجوفسكي: "روسيا طلبت عقد اجتماع مفتوح لمجلس الأمن الدولي مع مراعاة الاهتمام الذي أبداه بعض أعضاء مجلس الأمن لنتائج القمة الروسية - الإيرانية - التركية".  

وأضاف " موقفنا مبني على حقيقة أن الوضع حول محافظة إدلب السورية، حيث تتركز الآن القوى الرئيسية للإرهابيين، يثير الاهتمام". وشدد على "ضرورة استمرار مكافحة الإرهاب في سوريا لحين تطهير البلاد من الإرهابيين تمامًا، وهذه مهمة عاجلة بالنسبة للعالم أجمع".

لكن الآن ثمة منظمة إرهابية في إدلب تابعة للقاعدة، تسميتها في اللغة التركية "هيئة تحرير الشام". ولقد أعلنت تركيا هذه المنظمة إرهابية في 31 أغسطس الماضي، كما تدرجها الأمم المتحدة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية. والمادة الخامسة من مشاورات "أستانا" بشأن الأزمة السورية تنص على اتخاذ كافة التدابير اللازمة بشأن مثل هذه التنظيمات. ومن ذلك يتضح لنا أن تركيا تتصرف على عكس التزامات واتفاقيات سبق وأن وقّعت عليها.

وبالتالي نحن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن لأن أردوغان يتلوى من هنا لهناك ويحمل في جعبته سياسة خارجية قائمة بالدرجة الأولى على العنصرية وعداوة الأكراد في سوريا. وهنا يمكننا أن نقول لأردوغان إن الازدواجية، وانعدام المبادئ، من خلال إعلانك الرئيس الأميركي "صديقًا مقربًا" يومًا ما، وفي زمان آخر تعلن أن بوتين هو ذلك الصديق المقرب، أمر سيعرضك لخيبة أمل باستمرار.

والأمر الأكثر إثارة في مقالة أو رسالة أردوغان هي أن الأخير لم يتطرق فيها إلى الحديث عن المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية بالطائرات والشاحنات للتنظيمات "الإرهابية" في سوريا، وهي مسألة كثيرًا ما ساق أردوغان البراهين والأدلة عليها وهو يتحدث للإعلام التركي المحلي. أي أنه لم يختر طريق شكاية الرئيس ترامب لشعبه.

والنقطة الأكثر دهشة في مقال أردوغان هي قوله: "تركيا نجحت في مكافحة التنظيمات الإرهابية مثل تنظيمي داعش، وبي كا كا (في إشارة لحزب العمال الكردستاني)، دون أن تلحق أية أضرار بالمدنيين".

هذه تصريحات قد تضع أردوغان في موقف محرج للغاية إذا ما قام مراسل من "وول ستريت جورنال" بالتوجه إلى مناطق جنوب شرقي تركيا، ورصد الانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين في مناطق سور، وجرزة، وشرناق، وسلط الضوء على كيفية قتل المدنيين العزل هناك تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. وبالتأكيد ستتضح للجميع حقيقة المقاربة التي يتبناها أردوغان في سوريا ويزعم أنها سلمية، إذا ما قام ذات المراسل بالكتابة عن اعتقال قادة، وكوادر حزب "الشعوب الديمقراطي" المنتخبين الذين خاضوا كفاحًا طويلًا من أجل وضع طاولة السلام في البلاد.

ورغم كل هذه الأمور، فرسالة أردوغان في المقالة المذكورة مهمة للغاية؛ وذلك لأنها توضح اتساع الهوة بين أردوغان الذي وضع مسافة مع موسكو بسبب مسألة إدلب، وبين شركائه من أتباع منظمة "أرغنكون" الذين يمارسون ضغوطًا ليجلس أردوغان مع الأسد، ومن أجل ترك إدلب لسوريا.

وأرغنكون منظمة سرية تاريخها طويل تعود جذوره إلى القرن الماضي، أما عن تاريخ التأسيس الحقيقي للحركة فهو في عام 1999 كمنظمة سرية وأهم أهدافها هو "المحافظة" على تركيا كدولة علمانية وعسكرية وقوية كما كانت في عهد كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة.

الوضع في إدلب، وكذلك الأزمة الاقتصادية التي تشهدها تركيا، من الممكن أن تكون قد أظهرت لأردوغان أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وسنعيش ونرى هذه الحقيقة التي تقول إننا أمام رجل (في إشارة لأردوغان) اشتهر بعدم الوفاء بالتحالفات، والشراكات.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/erdogan-putini-amerikaya-sikayet-etti
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.