جنكيز أكتار
يونيو 07 2018

أردوغان .. هل يرحل عن تركيا؟

لقد رحل حتى وإن تأثرنا بكوكب وسائل التواصل الاجتماعي.

مجددًا نسوق بعض الفرضيات حول هندسة عملية "الانتخابات" التي تم التخطيط لها كي يصل أردوغان وحاشيته إلى مرادهما، ونتائج تلك الانتخابات، وبالأساس الفكر المدبر وهندسة مرحلة ما بعد الانتخابات.

لقد كتبت المقالة الأولى فيما يتعلق بالموضوع في 13 يناير قبل اتخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة، والمقالة الثانية كتبتها في 26 مارس. تتحقق بعض التوقعات التي وردت في تلك المقالتين.

دعونا ننظر إلى هندسة عملية الانتخابات والتخطيط لها.

إنها تستمر بكل سرعتها ومن كل الجهات في جبهة السلطة وجانبها.

إن عرقلة المعارضة بكل شكل يمكنها أن تظهر به، والسيطرة الكاملة للجنة العليا للانتخابات، والسيطرة الكاملة على صناديق الاقتراع، وطباعة بطاقات انتخابية يبلغ عددها عشرة أضعاف عدد الناخبين، والأصوات غير المختومة، والعتبة الانتخابية 10%، وقانون حالة الطوارئ، والسيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، والعطايا، والهبات، وكعكة المناقصات، وصندوق ضمان الائتمان، وتأخير سداد ديون الضرائب ومنظمات الضمان الاجتماعي، وأسعار الفائدة المنخفضة على العقارات، ومكافآت المتقاعدين، وزيادة رواتب التقاعد والمعاشات، والعفو العام، والعفو عن المباني المخالفة، والعفو عن الطلاب الجامعيين، وسعر شراء الشاي، والبنزين المخفض السعر، ومنع شركة "أوبر"، ومعاداة الخارج، والحماسة القومية، والحيل، والعنف.. كل شيء يسير ويُجبر على تنفيذه بشكل منظم للغاية.

ولكن البعد الأهم والخطير في هذا التخطيط هو ألا يتجاوز حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية قسرًا وباستخدام كل أنواع الحيل والمكائد التي لا تخطر ببال قبل الانتخابات وبعدها، وبالتالي الإصرار على الحصول على الغالبية المطلقة في ظل هذا.

خلاصة الكلام أن هذه ليست انتخابات، إنها حالة إرغام وإجبار تم تصميمها لصالح شخص واحد فقط.

أما برنامج السلطة فإنه هراء كامل، إنه خدعة مجنونة بطعم "الأخبار المزيفة"، لقد كتب باستخدام نظام النسخ- واللصق وكأنه يعلم أن ناخبيه لن يقرؤوا ذلك، لدرجة أنه لا داعي للوقف على ذلك.

دعونا نعود إلى جبهة المعارضة. إن حزب الشعوب الديمقراطي والتحالف مضطر لأن يلعب اللعبة وفقًا للقواعد التي وضعتها السطلة. وعلينا ألا ننسى أن المسخ والأعجوبة القانونية/ السياسية المسماة نظام الحكومة الرئاسية المطروحة، هي انتخابات الإدارة المحلية التي وضعت تحت الوصاية الكاملة للمركز اعتبارًا من العام القادم، والسلطة التشريعية التي عُطلت تمامًا.

إن استعدادات المعارضة وحملاتها الدعائية تستمر بقدر ما تسمح به الإمكانيات. وغياب العدالة والحرية عن المرحلة يكبل أيدي المعارضة، والتي تحاول التخلص من المناورات بقدر ما تستطيع. ومهما كانت الدعوة إلى "منصة انتخابية عادلة"، والتي تم إطلاقها يوم الجمعة، مبادرة قيمة للغاية وأسمى من الفلسفة الحزبية إلا أنها نتيجة مؤلمة وموجعة للحدود التي رسمتها السلطة. وناهيكم عن كل شيء، فهل يمكن أن تكون أية انتخابات تجرى في ظل فرض قانون حالة الطوارئ انتخابات عادلةً؟

تسعى المعارضة إلى التعبير عن مرادها وأهدافها بقدر ما تسمح به السلطة.

ومع ذلك فإن محتوى ذلك المراد والغاية يتحدد من خلال أنشطة وتدابير الحكومة. وأنشطة وتدابير سلطة عمرها 16 عامًا مكثفة لدرجة أن أحزاب المعارضة تقدم، وهي مرغمة، وعودًا على النقيض تمامًا من أنشطة السلطة، وتظل أسيرة للهجة خطابية تذكر بالمرحلة السابقة على حزب العدالة والتنمية. فلا أحد بينها على الإطلاق يقترح حلًا ومخرجًا لقضايا البلاد المزمنة التي تسير عرجاء عمياء حتى ما قبل مجيء حزب العدالة والتنمية، ولا سيما القضية الكردية. لا أحد يقول أو يأتي بشيء جديد ومختلف باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي. 

أكثر قضيتين حساسية في البلاد في الوقت الراهن هما الاقتصاد والسياسة الخارجية، وهناك القليل أو لا يوجد أصلًا أي اقتراح ملموس ومختلف للمعارضة باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي. ولا سيما أن ثمة فكرًا ملكيًّا أكثر من الملك نفسه يهيمن على السياسة الخارجية. إنهم يركضون وراء الجزر في اليونان، و"الإرهابيين" و"الشهداء" في سوريا..

وفي النهاية يبدو أن خطاب تحالف الأمة يروق الآذان ويبدو مطمئنًا باستثناء مجموعة اقتراحات لطيفة من محرم إينجه، وكأن "أحزاب الدولة" هذه ستضمن بقاءها حيث تعيد مكانتها من جديد. ومن ثم يبدو من الأصحّ والأكثر صواباً أن يطلق عليه "تحالف الدولة" بدلًا من تحالف الأمة.

وكما قال عبد اللطيف شنر مؤخرًا في مقابلة مع الموقع الإخباري "دوار" فإن "الدولة تنتظر بحسرة وشوق خيارًا بدون أردوغان."

دعونا ننتقل إلى النتائج المحتملة:

من المرجح جدًا أن تمتد الانتخابات الرئاسية في هذه المرحلة إلى الجولة الثانية.

أما بالنسبة لحسابات البرلمان القادم المنتظر فمرهونة بالقدرة أو عدم القدرة على نجاح عملية استخدام أية حيلة من أجل عرقلة حزب الشعوب الديمقراطي عن تجاوز العتبة الانتخابية، والذي يبدو أنه سيتجاوزها بكل سهولة، ومع ذلك ينبغي له عدم الاطمئنان للأمر ولا الركون للراحة.

بينما هناك شبه يقين بأن رجب طيب أردوغان سيحقق مراده في 8 يوليو.

قد يكون من المفيد أن نتذكر دائمًا أن: حزب العدالة والتنمية جاء السلطة بالانتخابات، ولكن النظام للأسف لن يرحل بالانتخابات. وإن يرحل فسوف يُقدم جميع المسؤولين إلى محكمة أمن الدولة العليا، حتى يتسنى الحكم بالفعل، الأمر واضح إلى هذا الحد. علاوة على أنه من المرجح، ومما يخافون أنفسهم منه، أن تتم محاكمتهم لدى المحكمة الجنائية الدولية بسبب أدوارهم في الحرب الداخلية في سوريا.

وإن لم تكفِ جميع العمليات التي تتم في الوقت الحاضر، والتي أشرت إليها أعلاه، فسيتم اللجوء إلى الحيل الشائعة كما فُعل علانية في الانتخابات السابقة، وإن لم تكفِ هي الأخرى يتم اللجوء إلى تحريك قوات حماية النظام غير الرسمية.

وإذا ما تكوَّن لدى النظام إحساس بأنه سيخسر الانتخابات بالرغم من كل هذه الأعمال المنظمة فسيختلق انقلابًا وهميًا، أو هجومًا إرهابيًا، أو حربًا يُعطل بناء عليها الانتخابات ويواصل إدارة البلاد والسيطرة عليها كما يحدث الآن بالفعل.

ليعلم ذلك المتخبطون في مكانهم قائلين "نعم، إننا نستطيع" ومن يحاولون مواصلة الرد على المغردين في تويتر بعبارات مستوردة مبهرجة مثل "العجز المكتسب" ردًا على من يُذكِّرون بمدى صعوبة التخلص من النظام.

والآن دعونا ننظر إلى هندسة المرحلة التالية للانتخابات:

النظام في حقيقة الأمر خسر بالفعل، ومن المحتمل أنه خسر اعتبارًا من 2013. ومن الواضح أنه وهو في هذا المكان الذي وصل إليه يشعر بالذعر بسبب الحسابات الهائلة التي كان عليه أن يقدمها ذات يوم. وهذا لا ينطبق على النظام نفسه فحسب، بل وعلى القاعدة الجماهيرية الضخمة الموالية له أيضًا. إن الشراكة في الجريمة فطرة في النظام. فلا بد أن يُحاسب على الأمور التي جناها بدون حق ولا مبرر، والمواقع التي وصل إليها بالتبعية، والأضرار الدائمة التي ألحقها بالإنسان والطبيعة والمدينة.

وبنفس الطريقة يدرك الإسلام السياسي والجماهير الموالية له أنهم عندما يسقطون من السلطة لن يستطيعوا العودة إليها أبدًا.

وعندئذ يصبحون في وضع حرج للغاية؛ ذلك لأن هذه الكتلة يجب أن تدافع عن نفسها حتى الموت.

من ناحية أخرى ينبغي لنا ألا ننسى أن الانتخابات في المخيلة السياسية للمستبد المتحكم تكون انتخابات مشروعة إذا فاز هو نفسه (والمرشحون الذين عينهم) فحسب بها. وانتخابات الـــ 7 يونيو 2015 دليل قاطع ودامغ على هذا.

إن النظام جاهز ومستعد لاستخدام كل السبل إذا ما تعذر الحصول على النتيجة المرجوة من انتخابات 24 يونيو حتى يفوز بالانتخابات كما حدث قبل 1 نوفمبر 2015. ولكن إذا ما فشلت العملية المرسومة ضد حزب الشعوب الديمقراطي فسوف يكون حاضرًا أمام حزب العدالة والتنمية، وبصورة دائمة، خيار التحالف مع الحزب الصالح، بل وحزب السعادة نفسه.

والنتيجة إلى أن يكسب أو إلى أن يموت..

إن برنامج التحالف الحكومي الذي يعتبر عبارة عن معارضة أردوغان ليس برنامجًا حكوميًا.

أولًا: مهما بدا وكأنه جبهة مضادة إلا أن ثمة اختلافًا خطيرًا في وجهات النظر بين الأحزاب الأربعة الأعضاء في هذا التحالف. إذ يبدو أنه من الصعب عليهم أن يأتوا بشيء جديد سوى العمل على إحياء الماضي من جديد.

وثانيًا وارتباطًا بأولًا، إنهم إذا ظلوا في السلطة فمن المرجح ألا يستطيعوا النهوض بهذا الحطام العملاق الذي سيضاف إليه الاقتصاد أيضًا، كما أنه ليس سهلًا على الإطلاق أن يزيلوا حطام الدولة من أجل إعادة إحياء القديم من جديد.

ثالثًا: وكما ذكرت قبل ذلك كثيرًا، ليس في تركيا أردوغان واحد فحسب، بل هناك ملايين مستنسخون منه. ولا سيما أن التساهل والتعويل على رحيله "ليرحل، والباقي سهل" حلم مليء بأضرار ومخاطر عظيمة.
وأخيرًا دعونا ننظر إلى تطبيق نظام الحكومة الرئاسية:

ترى السلطة هذا النظام الإداري عصا سحرية. إنه نظام تعسفي؛ حيث تتخذ في القصر الرئاسي كل القرارات من قبل عدد محدود من المسؤولين، ويتم اختزال البرلمان فيه إلى مجرد شهر عقاري أو مكتب توثيق، وتطغى عملية إنهاء الأعمال فيه حسب ما هو مطلوب على كل أنواع التوازن والمراقبة ومبدأ الاستشارة. إنه نوع أكثر تشديدًا من النظام الحالي..

إنهم يحلمون بأنهم سيقضون في ظل هذا على أزمة البلاد التي كانت تلعب في أشواطًا إضافية قبل اندلاع هذه الأزمة المتعددة الجوانب، وأن الأمور ستصبح كما كانت في السابق. بيد أنه ليس بين الفاعلين والمراقبين السياسيين والاقتصاديين في الداخل والخارج من يعطي أية احتمالية بحدوث هذه الخرافة.

لذلك فإن عدم التخلص من حطام تراكم منذ سنوات طويلة أمر محتوم، أيا كان من سيحكم أو يحكم.

وربما لا يكون لدى صندوق النقد الدولي نفسه مصادر مالية كافية لرفع ذلك الحطام في السياج الاقتصادي. إنني لا أتحدث عن الثمن الذي سيدفعه المجتمع جراء سياسات التقشف المرعبة التي ستفرض مع صندوق النقد الدولي. فهناك قسم لا يُستهان به من المجتمع على حد الجوع حاليًا بالفعل.

وفي النهاية فإن النظام الجديد يعني أضعافًا مضاعفة من الظلم المفروض منذ سنوات. فاشتدّي أزمةُ، تنفرجي!

إنني أرى أن السياسة الدائمة والحقيقة والمناهضة للفاشية، والتي ستشارك فيها حتمًا الطبقة البرجوازية في تركيا، يمكنها أن تبدأ بهذه المسيرة من التنقية والتصفية فحسب.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: