أردوغان والبحث عن كبش فداء للأزمة الاقتصادية

يرفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – بإلحاح شديد - الاعتراف بالمسؤولية عن أي فشل في السياسة الخارجية والداخلية، رغم كونه المتصرف الأول والأخير في شؤون البلاد منذ ستة عشر عاما.
ومع الإعلان يوم الاربعاء الماضي عن وصول نسبة التضخم خلال شهر سبتمبر إلى 24.52%، بزيادة قدرها 6.3% عن الشهر السابق، لا يزال الرئيس يستخدم واحدا من أساليبه المفضلة، فتجده يلوم الإدارات المحلية والشرطة البلدية باعتبارها السبب وراء التضخم وما يصاحبه من ارتفاع في الأسعار.
لعلنا نذكر كيف تحدث أردوغان سابقا عن هجمات اقتصادية تقف وراءها قوى أجنبية حين انهارت الليرة وارتفعت نسب التضخم. وها هو الآن هذه المرة يتهم "خونة انتهازيين" باعتبارهم المسؤولين عن الزيادة الكبيرة في أسعار السلع التي تراجع قيمة الليرة بنحو 40% من بدء العام الحالي، داعيا الناس إلى الإبلاغ عن أولئك المشتبه بهم والمشاركين في مثل هذه الأعمال الشنيعة.
وخلال اجتماع برلماني عُقد يوم الثلاثاء، حث أردوغان الأتراك ومؤسسات الأعمال  على التحلي بالصبر، قائلاً إن المشاكل الاقتصادية الحالية، التي أصر على أنها لا تعكس الواقع، ستنتهي قريباً.
قال أردوغان أيضا "سأقول شيئاً واضحاً: لن تنجحوا في النيل من مخزوناتنا.. نحن قادرون على الرد على الهجمات التي نواجهها والتي تستهدف أسعار الفائدة والعملة والتضخم، من خلال الاستمرار في ضمان نشاط اقتصادنا". 
ونصح أردوغان الناس بالتواصل مع الشرطة البلدية عند ملاحظة أي زيادة "غير عادية" في الأسعار، معتبرا ذلك واحدا من بين الطرق التي تمكن الناس والإدارات المحلية القيام بها.
قام أردوغان وشريكه في التحالف، زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف "دولت بهجلي"، بمنطق المذعور، بإثارة القلاقل بالأسواق والمحلات التجارية في جميع أنحاء البلاد، حيث راجت الاتهام ضد أصحاب المتاجر بالخيانة لرفع الأسعار. مرة أخرى تم تجاهل السبب الحقيقي وراء ارتفاع الأسعار والمسؤولين عن هذا الارتفاع.
واستنادا إلى القيمة المتدنية للليرة، فرضت شركة بوتاس، شركة توزيع الغاز الطبيعي التي تديرها الدولة، سلسلة من الزيادات الكبيرة المتتالية في الأسعار على الغاز في كل من الأشهر الثلاثة منذ انتخابات 24 يونيو، مما أدى إلى ارتفاع إجمالي بنسبة 30% على المنازل، و 48% على المصانع.
تم كذلك خلال تلك الأشهر رفع أسعار الكهرباء، وفقا لهيئة تنظيم سوق الطاقة بالجمهورية التركية، لتصل النسبة الإجمالية للارتفاع في الأسعار إلى 20%. 
لكن حين تسببت هذه الزيادات في أسعار الطاقة، التي تعتبر أساسية بالنسبة لجميع القطاعات الصناعية، في قفزة في أسعار السلع والمنتجات، يخرج أردوغان وبهجلي متهمين تلك الشركات بالخيانة.
قال بهجلي يوم الثلاثاء "أتساءل ما هي المبادئ والأخلاق التي تتحلون بها حين تقدمون على استغلال هبوط قيمة الليرة، بينما مواطنينا في حالة من القلق لمجرد الحصول على قوت يومهم؟ ومن ثم يتعين علينا أن نكشف كل من يقوم يقدم على تخزين ثروات بلادنا أو يرسلها إلى الخارج."
منذ وقت ليس بالبعيد كان أردوغان وبهجلي يتحدثان عن "القوى الأجنبية" التي تهاجم اقتصاد تركيا. أما الآن فلقد نقلا كل الغضب إلى "الخونة" و"أعداء الداخل" وذلك خلال خطاباتهم الأخيرة التي كانت بعد وقت قصير من إعلان الحكومة عن مؤسسة استشارية أميركية، ماكنزي، التي تمت الاستعانة بها للإشراف على اقتصاد البلاد.
بينما يتمسك الاثنان – أردوغان وبهجلي – بالطرح الإيجابي عن الاقتصاد، رغم كل الأدلة العكسية، فإننا نشهد زيادة في عدد الشركات التركية التي تشهر إفلاسها، والتي ضمت شركات تصنيع عملاقة، وصل عددها إلى 7000 مؤسسة.
وبعد الإعلان عن انمكاش الاقتصاد بنسبة 53٪ في الصناعة والمبيعات خلال شهر أغسطس، أظهرت الأرقام الصادرة عن رابطة صناعة السيارات التركية في شهر سبتمبر، والتي تم الإعلان عنها يوم الثلاثاء، أن هذا التراجع في الحقيقة قد وصل إلى 68٪.
لقد عمدت حكومة أردوغان إلى التقليل من شأن هذه الصورة الاقتصادية القاتمة، وترفض بإصرار وصفها بأنها "مشكلة". ومع وصول الأزمة إلى مرحلة ارتفعت فيها تكاليف المعيشة، وزادت أعداد الشركات المهددة بالسقوط، فإنها تحاول ببساطة تجنب إلقاء اللوم عليها.
اتخذ هذا التحليل منعطفاً جديداً، بعد أن فتح مجلس تحقيق الجرائم المالية قي الفترة الماضية تحقيقاً بحق 417 شخص، معظمهم من المواطنين الإيرانيين، الذين قاموا بتحويل الأموال إلى حسابات في الخارج منذ العام الماضي بلغت حوالي 2.5 مليار ليرة.
وتقول اللجنة إنها أمرت باحتجاز المشتبه بهم أثناء التحقيق في تهمة غسل الأموال أو تمويل الإرهاب. 
يوم الثلاثاء، وهو نفس اليوم الذي تصدّر فيه تحقيق المجلس عناوين الصحف، نشرت صحيفة تاكفيم المؤيدة للحكومة، قائمة تضم أسماء عدد من كبار رجال الأعمال في تركيا الذين قاموا بتحويل حوالي 150 مليار دولار إلى خارج البلاد مستخدمين ملاذات ضريبية آمنة.
في الوقت نفسه، كانت الشائعات تنتشر بأن الحكومة قد تجبر البنوك على تحويل حسابات العملات الأجنبية إلى الليرة التركية وذلك بالتوازي مع إعلان وكالتي التصنيف الائتماني الدوليتين، فيتش وموديز خفض التصنيف الائتماني لتركيا وكذلك لعشرين بنكاً تركياً.
وبينما يجري كل هذا، فإن بوسعنا قراءة تحقيقات مجلس تحقيق الجرائم المالية، وكذلك نشر هذه الأخبار في أحد الصحف الموالية للحكومة، ودعوة بهجلي للتحقيق مع هؤلاء الذين يسافرون للخارج، باعتبارها تمهيدا لتحركات جديدة ضد أفراد وشركات داخل تركيا، يتم التخطيط لتحميلها المسؤولية عن المشاكل الاقتصادية للبلاد.
لماذا ننسى كيف حذر أردوغان في شهر أغسطس، حين وصلت الليرة إلى أدنى مستوياتها، من أن حكومته تملك خططا احتياطية للتصرف بحق كل من يسعى لنقل أموال إلى الخارج.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/erdogan-seeks-new-scapegoats-economic-collapse
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.