Erdal Er
يونيو 10 2018

أردوغان وصور جثامين الجنود.. "عملية عسكرية انتخابية" على قنديل

بقي 19 يومًا على الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية العامة التي ستجرى في 24 يونيو 2018؛ حيث سيختار مساء 24 يونيو 59 مليون و391 ناخبًا ما بين الديمقراطية والدكتاتورية. ولا شك أن الانتخابات تمثل مرحلة مهمة لأقصى درجة بالنسبة للمجتمع وكل الأحزاب السياسية.
ولكن عليكم أن تسجلوا في جانب ما أن رجب طيب أردوغان يرى انتخابات 24 يونيو مسألة "وجود" أو "عدم". بينما المرشحون والأحزاب السياسية يتسابقون في ظل ظروف غير متكافئة. ونحن نعلم أن هناك ضغطًا شديدًا يمارس على ناخبي المعارضة، وجميع التعديلات القانونية تمّ إجراؤها بحيث تؤدي إلى فوز التحالف الرئاسي بالانتخابات. والمحافظون وموظفو الدولة يعملون صراحة لصالح هذا التحالف الرئاسي. وبحسب أحد الآراء فإننا نعود إلى سنوات الثلاثينيات أو الخمسينات.
إننا نتحدث عن كيان جاهز لارتكاب كل أنواع الشرور كي يفوز بالانتخابات القادمة ولا يخسرها بأية حال. إن السبب الرئيس للتعجيل بتقديم الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية عن الموعد الطبيعي تدبير احترازي تصديًا لخسارة الانتخابات. غير أنه ليس هناك ما يضمن أن أردوغان سيكون الفائز والغالب في الانتخابات التي أراد الفوز بها مسخرًا لذلك كل قوة الدولة، وهذا أمر يعلمه أردوغان نفسه.
ومعلوم أن أردوغان كان قد ظهر على الساحة السياسية في البداية بأدوات قوية ومقنعة تعد بالتغيير، ولكنه استنفذ كل شيء حتى الصفر في نهاية 16 سنة، وفقد المصداقية بينه وبين الشعب. حيث إن تجمعاته ولقاءاته المفتوحة تسير خافتة وبدون حماس. واللاعب لم يعد الصانع كما اعتدنا عليه في الانتخابات السابقة، وإنما المدافع صار هو اللاعب. ويبدو أن مبادرته أعطت المعارضة الفرصة للاستيلاء على التفوق النفسي بنسبة كبيرة.
من الصعب جدًا على أردوغان الوصول إلى هدفه بطريقة طبيعية في انتخابات 24 يونيو. إنه يخطط لأن يظل حزب الشعوب الديمقراطي دون عتبة الـ 10 في المائة حتى يتسنى له الوصول إلى هدفه، وفي حال تحقق هذا سيذهب إلى حزب العدالة والتنمية 60 نائبًا على الأقل ممن سيتم انتخابهم من المحافظات الكردية.
ومن الواضح أن أردوغان يحسب أن الحالة والدافع النفسي لناخبي حزب الشعوب الديمقراطي الذي لم يتجاوز العتبة الانتخابية سوف يختل ويتدهور، وأنهم لن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع في الجولة الثانية، وأن تحالف الأمة أيضًا الذي يتزعمه حزب الشعب الجمهوري لن يستطيع تحقيق الأغلبية البرلمانية.
وهذا ما يعتبر نتيجة ممتازة بالنسبة له. إلا أنه مدرك تمامًا أن حزب الشعوب الديمقراطي سوف يجتاز العتبة الانتخابية برغم كل تلك الضغوط والحيل. وعندها يبقى أمامه خيار الحرب فحسب حتى يتسنى له منع حزب الشعوب الديمقراطي من تجاوز العتبة الانتخابية. ومن المرجح أن يصدر أردوغان قرارًا بـ "عملية عسكرية" في قنديل وتل رفعت اليوم أو غدًا حتى يضمن السيطرة على الانتخابات. حيث يرغب في أن يبعد الأنظار عن المشاكل الداخلية التي تفاقمت في تركيا والتي تسبب فيها شخصيًا، ويحول تلك الأنظار إلى قنديل والحرب.
وفي الأيام الماضية كانت خطط القيام بـ "عملية عسكرية على قنديل" تُنشر في وسائل الإعلام الموالية للسلطة بشكل مفصل. وكان أول خبر يحمل توقيع جتينر جتين من صحيفة "خبر تورك"، ومع أن ذلك ليس نجاحًا ولا سبقًا صحفيًا؛ إلا أنه ليس من قبيل المصادفة أيضًا.
وتصريحات أردوغان في اللقاء المفتوح الذي أجراه في ديار بكر في 3 يونيو، ووزير الداخلية سليمان صويلو بأن "قنديل ليست هدفًا بعيدًا" الذي أدلى به في برنامج طاولة محرر وكالة أنباء الأناضول في 4 يونيو، وكذلك قول بكير بوزداغ المتحدث الرسمي باسم الحكومة "يمكن أن يحدث أي شيء في أية لحظة" حين توضع أسفل بعضها البعض يظهر أن "العملية العسكرية" أصبحت أمرًا لا مفر منه.
كذلك بدأ كتاب الأعمدة الموالون يسردون مقالات بعناوين "العملية العسكرية في قنديل". أما عرض جنائز الجنود الذين قضوا في الصراعات التي حدثت في الأيام الماضية دون تكتم عليها فيظهر أنه قد بدأت مرحلة تنفيذ خطة العملية.
الحقيقة أنهم يهيئون الرأي العام إلى "العملية العسكرية في قنديل". إنهم يجسون نبض الشارع، ويقيسون ردود الأفعال. كما أن هناك صفقات يجري تنفيذها مع دول المنطقة وبعض الدول ذات النفوذ فيها من أجل عمليتين عسكريتين في قنديل وتل رفعت. وليس صعبًا تخمين التنازلات التي قدموها من أجل "العملية العسكرية" المحتملة في قنديل.
وبالرغم من كل هذه التطورات فالاحتمال الأكبر هو أنه لن تمر بضعة أيام إلا ويعلن أردوغان بدء "العملية العسكرية في قنديل" مصحوبًا بصخب وضجة كبيرة. وفي حال حدوث هذا يكون من مؤكدًا أنه لن تكون هناك أية "عملية عسكرية" وإنما "عملية انتخابية".
إن "عملية قنديل" ليست الطريق الأول الذي تم اللجوء إليه حاليًا وللمرة الأولى.
لقد نظم حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ 16 سنة "عملية عسكرية" على زاب عام 2008، إلا أنه اضطر إلى الانسحاب منها بعد تسعة أيام. وعندما ننظر إلى التسلسل التاريخي نرى حقيقة أن تركيا نظمت عمليات عسكرية باتجاه إقليم جنوب كردستان باسم "عمليات خارج الحدود" اعتبارًا من عام 1983 وحتى اليوم ما بين 26-27 مرة مستخدمة فيها آلاف الجنود.
وقد تم إجراء بعض تلك العمليات بتحركات عسكرية كبيرة وسميت بأسماء مثل "المطرقة" و"السندويتش" و"الفولاذ". إلا أنها أحدثت جراحًا عظيمة غائرة هذه المرة، كما أنه لم تتحقق أية نتيجة من أيٍّ منها. علاوة على أن تركيا تمتلك حاليا ما بين 18 إلى 20 قاعدة عسكرية و7 آلاف مقاتل في جنوب كردستان. وهناك مراكز ومقرات للاستخبارات التركية مثل دهوك وسليمانية وهيولر، وزاكسو.
الأهم من ذلك أن تركيا أطلقت "عملية عسكرية" على جنوب كردستان في 10 مارس 2018. والعملية لا تزال مستمرة في 11 منطقة مختلفة يأتي على رأسها ساحة برادوست. ولم تتوقف الهجمات الجوية منذ 24 يوليو 2015 وحتى يومنا هذا، وقد فقد مدنيون كثيرون حياتهم في تلك الهجمات.
هذه المعلومات مهمة بالنسبة لمن لا يعلمون أن "العملية العسكرية" المحتملة على قنديل لا تهدف إلى تحقيق نصر عسكري، ولكن تحقيق الفوز بالانتخابات.
إن تنفيذ عملية عسكرية على قنديل ليس أمرًا سهلًا، فجنوب كردستان تخضع أساسًا لتفتيش تركيا عسكريا واقتصاديا بنسبة كبيرة. والقيام بحركة جنونية جديدة واضح من الآن فشلها، سيكون فخًا كبيرًا تم إعداده لتركيا.
وتزامنا مع بدء "العملية العسكرية" في قنديل يبدو من غير الصعب تمامًا تخمين ما سيقع من أحداث. ذلك أن أردوغان يحتاج بصورة ملحة إلى جنائز الجنود والشرطة. لذلك فإنه لن يتوقف عن قتل 30-40 جنديًا!
سوف تصبح الجنائز والنعوش أدوات رائعة يمكن لأردوغان استخدامها في الميادين الانتخابية. ولا أريدكم أن تعتقدوا أن هذا التحليل مبالغة. يجب ألا ننسى أن تركيا عاشت تجربة ديادين قبل 7 يونيو؛ فانفجرت ديادين في يد أردوغان.
نعلم من التجارب السابقة أن حزب العمال الكردستاني حاول تجنب الصدامات والصراعات. ولنفرض أن العديد من الجنود فقدوا حيواتهم في الصراعات التي خاضوها في المنطقة، فلن تتغير النتيجة، فالمهم بالنسبة لأردوغان هي النعوش التي سيضع يديه عليها ويستخدمها وسيلة للدعاية الانتخابية.

أردوغان بحاجة لصور جثامين الجنود.. "عملية عسكرية انتخابية" على قنديل

 

إن أردوغان حين تأتي عشرات الجثامين ملفوفة بالأعلام التركية يخرج إلى الميادين ويصيح قائلًا "يا كليجدار أوغلو، يا إينجه، يا أكشينار إلى جانب من تقفون أنتم؟" وينادي ويظل يتحدى. ويضع حزب الشعوب الديمقراطي في مرمى الهدف، ويجعله لا يستطيع إدارة الحملة الانتخابية. وبهذه الطريقة يسكت أردوغان الأحزاب السياسية والمجتمع ويخطط للفوز بالانتخابات.
ونتيجة لذلك فإن أردوغان يذكر المجتمع من جديد بضرورة الاختيار ما بين الشر والخير. ونظرًا لأنه أعلن باسم الدولة أن قطاعًا من المجتمع "خائنًا للوطن" و"عدوًا يجب القضاء عليه" فقد انفتحت أبواب الحرب على مصاريعها، ولم يعد هناك أحد على الإطلاق في مأمن. وبذلك تُرك المجتمع في مواجهة مصيرية بين الموت والحياة.
يمكن إفساد فخ أردوغان القاسي. والمسؤولية هنا تقع بالدرجة الأولى على عاتق حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة وحزب الشعوب الديمقراطي. فمن الأهمية بمكان أن تتخذ القوى الديمقراطية والعلويون والقطاعات العريضة من المجتمع موقفًا واضحًا إزاء الحرب. وتستطيع وسائل الإعلام المعارضة أن تقوم بعمل إعلامي جاد وتساهم في إفساد خطة أردوغان.
الأمر هنا متعلق بمستقبل كل فرد وكائن يعيش على الأراضي التركية. يجب على المجتمع أن يتصدى لأردوغان مهما كان الأمر، وأن يقول لا لهذا السيناريو الدامي. فهذه لن تكون حرب تركيا، وإنما حرب أردوغان.
إن الحاجة هنا ليست للحرب، وإنما لحل المشكلة الكردية عن طريق الحوار. وعندما يتم التغلب على عقبات أردوغان سينفتح طريق الديمقراطية والسلام. فالدفاع عن السلام في مواجهة الحرب مسؤولية إنسانية وأخلاقية ووجدانية.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: