أردوغان وغول.. حروب الأصدقاء في صراع على رئاسة تركيا

لم يكن الصراع الذي تفجر مؤخرا بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وسلفه، عبد الله غول، غريبا على كثيرين، فالصديقان اللذان تمردا معا على أستاذيهما، نجم الدين أربكان، بتأسيس حزب العدالة والتنمية، افترقا كثيرا حيال عديد من الأحداث السياسية التي شهدتها تركيا منذ أن استطاعا معا السيطرة على الدولة.
وتنقلا معا بين المناصب السياسية، في مشهد اتسم بتجانس ظاهر، سرعان ما تلاشت ملامحه الرئيسية، مع تصاعد النزعة السلطوية الاستئثارية لدى الرئيس الحالي في مواجهة رفيق دربه الرئيس السابق.
الصراع الأخير، على أهميته الكبيرة، يتجاوز حدود الماضي لتتأسس عليه مسارات المستقبل فيما يخص نمط العلاقة بين أقوى رجلين في النظام السياسي التركي، وإن بدا للبعض أن أحدهما لا يزال في مركز السلطة، والآخر يقبع على هامش المشهد السياسي. 
العلاقة بين الرجلين لم يدم فيها الهامش لأي منهما، وكذلك المركز، فغول، يعد أول رئيس لحزب العدالة والتنمية، وأول رئيس للوزراء عنه، وأول رئيس للدولة خرج منه، ولم يتخل عن رئاسة الوزراء إلا وفاء لصديقه أردوغان، الذي جاء مكانه بعد أن رفعت عقوبة "الحرمان السياسي" عليه، ليتولى رئاسة الحزب أيضا، ويذهب غول طوعا إلى وزارة الخارجية. 
بيد أن وشائج العلاقة المؤسسية داخل الحزب، والإنسانية خارجه تهاوت مع تنامي شهوة السلطة لدى أردوغان، على النحو الذي دفعه مؤخرا إلى اتهام غول بالسير على خطط زعيم المعارضة التركية، قائلا "عار عليك.. انك لم تعد رفيق دربي". 
محركات الصراع غير الاستثنائي في خلفياته ومآلاته، ترتبط في أحد أوجهها بالموقف الذي أبداه، عرضا، عبدالله غول حيال المرسوم بقانون (رقم 696) والصادر في ظل سلطة قانون الطوارئ، ويقضى بمنح الحصانة القضائية لكل من شارك في مواجهة الانقلاب ليلة 15 يوليو 2016، وما تلاه من أحداث، عبر عدم التحقيق في مقتل نحو 250 شخصا قضوا ما بين مدني وعسكري بسبب هذه الأحداث.
لم يخرج غول عن النص كعادته كدبلوماسي محنك، وإنما عبر رأيه بأن المرسوم لا يتماشى مع معايير دولة يحكمها القانون، ويمثل "دعوة صريحة لحرب أهلية"، لتنهال عليه الاتهامات بالخيانة والعمالة، وتتجاوز حدود الأخلاق، وفق أداء وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن قبل بعض نواب البرلمان، واللجان الالكترونية القريبة من دائرة الرئيس التركي الضيقة.
الاتهامات التي انهالت على الرئيس السابق، لم تكن جديدة لا من حيث المضمون أو الوتيرة، فقد جابه من قبل حملات تشكيك في الوطنية، بسبب رغبته التي أبداها على استحياء في العودة، بعدما ترك منصب الحياد السياسي في رئاسة الدولة إلى منصب العمل التنفيذي في رئاسة الوزراء، وقيادة الحزب الذي أسهم في تأسيسيه، أملا في أن يسمو به فوق أمواج الصراعات التي كادت ولا تزال تخترق جنباته. 
بيد أن أردوغان، كعادته وقبل يوم واحد من عودة غول إلى العمل الحزبي، اختار لرئاسة الحزب أحمد داوود أوغلو، الذي تخلص منه بدوره سريعا، لكونه لم يكن ليقبل ألا يبقى في منصب بلا صلاحيات. 
وذهب الأخير إلى غياهب مؤلفاته ودواوينه العلمية، ولم يسعه صدر أردوغان، مثلما اتسع أفق غول حينما كان رئيسا للبلاد وتعانق مع أردوغان بعد أن عاتبه، وتمت تسوية الخلافت المحتدمة بينهما في عام 2012، على جبال بولو الشهيرة ومنتجعاتها الأثيرة شمال غرب البلاد.
مسار العلاقة بين الرجلين تحمل الكثير من الأحداث التي تكشف وهن الصداقة الشخصية والميلاد السياسي الواحد أمام شهوة السلطة، وبطش التطرف أمام صوت الاعتدال. 
الواضح أن أغلب خلافات وصراعات أردوغان وغول، ارتبطت برفض الأخير التعامل الأمني مع المتظاهرين السلميين في أحداث جيزي بارك، ورفضه التهاون قضائيا فيما يخص الاتهامات الموجهة لوزراء إردوغان السابقين بالفساد، ومعارضته فرض حالة الطوارئ.
غول عارض أيضا السياسات التي أشعلت صراعات تركيا مع دائرتها الأوروبية، ومحيطها الإقليمي، خصوصا حيال مصر، التي كان قد أرسل لرئيسها، في يونيو 2014، برقية تهئنة بمناسبة توليه منصبه، ما تسبب في توتر العلاقة مع أردوغان الذي كان ينجرف، دون أن يدري غول، نحو الشعبوية السياسية، ويعمد إلى تأجيج التطرف، ويتبني عمدا سياسات تعزز الاستقطاب والمشاعر القومية والشعبية.
غول وأردوغان ما بات بينهما من صراعات مع مرور الزمن، لم يعد يمثل أحد مظاهر الخلاف السياسي بين قيادات حزبية، وإنما صراع متفجر بين تيارات كلٍ منها لديه رمزه السياسي الذي يتأهب للانحياز إليه، لما غدا يجمعهما من صراع تحول من طي الكتمان النسبي إلى العلنية المطلقة.
الكثيرون داخل حزب العدالة، باتوا يتشككون في قدرة الحزب على حكم البلاد حتى عام 2023، حيث الذكرى المئة لتأسيس الدولة، تأتي في ظل حالة التدهور السياسي، والاستقطاب المجتمعي، والتردي الاقتصادي، وشيوع مظاهر عدم احتكار مؤسسات الأمن لسلطة البطش والعقاب. 
انعكس ذلك في الارتدادات الكارثية، التى أسفرت عنها الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015، وفي نتائج الاستفتاء الدستورى في أبريل 2017، بما أفضى، ولأول مرة في تاريح الحزب، إلى الشروع في تحالف مع حزب الحركة القومي المتطرف، لضمان فوز أردوغان، في الانتخابات المقبلة عام 2019، ما يعني أنها لن تكون انتخابات بين قوى حزبية، وإنما بين تيارات سياسية. 
قد يمثل ذلك فرصة مثالية لتمرد التيار الديمقراطي الإصلاحي، داخل حزب العدالة الحاكم، على سلطوية أردوغان، مثلما فعل من قبل مع مركزية أربكان، وبقيادة الشخص ذاته عبدالله غول، بيد أنه هذه المرة قد يأتي معبرا عن تيار وطني عريض.
تيار يضم كتّابا ومفكرين وسياسيين، وليس محض إسلاميين كانوا معتدلين، كما قد يمثل أحزابا عديدة في مقدمتها حزب "الخير" الذي أسسته مؤخرا، ميرال اكشنار، ليعبر عن التيار المعتدل في حزب الحركة القومية. 
هذا السيناريو قد يكون فرصة ليس لغول، كما يقول، ليضع حدا لحالة الاستقطاب السياسي داخل البلاد، ويعيد إحياء روابط تركيا مع الاتحاد الأوروبي، وتصحيح الأخطاء التي ارتكبت بحق جوارها الإقليمي، وإنما قد يشكل ذلك فرصة أخيرة لأن يعيد العدالة التي غابت عن سياسات الحزب الحاكم.
ربما يمثل ذلك فرصة أيضا لاستعادة هوية تركيا الوسطية، التي غدت تتأهب لصراع سياسي على من يحكم الدولة، بعدما غدا منصب الرئيس محمّلا بكل الصلاحيات الممكنة.
بينما تخلى غول طوعا عن السلطة لأردوغان، فإن أخطاء الأخير قد تدفع الأول لاستعادتها منه غصبا، لا انتقاما من غدر الأصدقاء، وإنما استعادة لهيبة المنصب الذي تولاه لسبع سنوات.