Tiny Url
http://tinyurl.com/y4jeqlsy
Yavuz Baydar
أبريل 23 2019

أردوغان يبحث عن حليف جديد بعد الدوامة الكبرى

هل "طرزان" في ورطة؟
أجل.

بالنسبة لأردوغان يمكننا القول إنه على عتبة اختيار مصيري جديد.
إنه يقف على ساق واحدة منذ ليلة الـ 31 من مارس الماضي، وكأنه "طائر اللقلق، إحدى ساقيه في الهواء والأخرى على الأرض"!
لو قلنا إن أردوغان شخصيًا، وتركيا أيضًا، يقفان على أعتاب مرحلة حرجة للغاية فلن نكون مبالغين في ذلك.
فسلسلة التطورات التي تصاعدت قبل الانتخابات المحلية مصحوبة بالأزمة الاقتصادية، وبلغت الذروة بالهجوم على زعيم حزب الشعب الجمهوري، تتطلب قراءة دقيقة ومتأنية.
هذه التطورات منحصرة في مثلث يقف عند زواياه كل من أردوغان ودولت بهجلي وكليجدار أوغلو.
أينما نظرتم فيه ترون علامات يشير أحد أطرافها إلى الأزمة الاقتصادية، والآخر إلى القضية الكردية.
في معرض التعليق على محاولة قتل كليجدار أوغلو خلال البرنامج التسجيلي "رياح أنقرة" الذي نُشر في موقع "أحوال تركية" يوم الأحد كان ذو الفقار دوغان نقل إلينا، وبشكل واضح، ما يتردد على الأسماع بإلحاح منذ أيام.
وبينما الحال كذلك إذ بالكاتب التركي عبد القادر سلوي يتطرق اليوم بعمق إلى الموضوع نفسه.
على النحو الآتي كان سلوي بدأ مقالته بعنوان "هجوم عميق على كليجدار أوغلو":

"كنت سأتحدث عن أن كمال كليجدار أوغلو الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري استعد لتقديم عرض مفاجأة بالنسبة "لتحالف تركيا" المطروح من قبل الرئيس أردوغان. بل إنني تحدثت عنه. وعلى حين كنت على وشك إنهاء مقالتي جاء خبر الاعتداء على كليجدار أوغلو. فسقط القلم من يدي."

هذه الفقرة تتوافق تمامًا مع الأخبار التي تصلنا منذ أيام.
إن مفهوم "تحالف تركيا" أهمُّ طرح قدمه أردوغان منذ الانتخابات وحتى اليوم.
كما أن خطاب أنطاليا الذي أسس فيه بهجلي لـ "تحالف الشعب" بإصرار وغضب في مواجهة مفهوم "تحالف تركيا" قد كشف عن المأزق والأزمة.
ولوضع التطورات في منظور أوسع دعونا نتذكر القسم الآتي من كلمات بهجلي:

"تحالفنا ليس ظرفيًا عابرًا... لقد امتزجت تركيبة تحالف الشعب مع إرث التاريخ التركي. وتم بناء سقفه بمكتسبات روح "يني كابي" في 7 أغسطس. وتعزز بانتصار التصويت العام في 16 أبريل، وتقوَّى بمجموع انتخابات 24 يونيو. إن تحالف الشعب هو تركيا، إنه سدٌ قوي أمام الخيانة، ومقاومة في وجه الاحتلال، إنه حصن منيع في مواجهة جبهة الشر الداخلية والخارجية. نؤمن بأن الأمل في نجاة تركيا يتمثل في تحالف الشعب. نعلم أن تركيا ستدفع ثمنًا باهظًا للغاية إذا ما تراخينا وتنازانا وانخدعنا باللعبة.
إن تحالف الشعب لم يتأسس لمخاوف وأهداف سياسية. لا نستطيع أن نعلم ما الذي يعنيه السيد رئيس الجمهورية بطرح "تحالف تركيا" البتة... إن ما نعرفه هو تحالف الشعب. وما نؤمن به هو الوحدة الوطنية والتضامن. هدفنا الحفاظ على البقاء الوطني إلى الأبد."

لا تشكُّوا في:
إن سحل الأمهات الكرديات على الأرض، ومشكلة إس-400 أيضًا، ومعضلة صندوق النقد الدولي كذلك، ومحاولة السحق التي نُظمت ضد زعيم حزب الشعب الجمهوري الملموسة تمامًا؛ كل ذلك موجود في صورة الصراع بين "تحالف تركيا" و"تحالف الشعب".
وبنظرة متشائمة يمكننا القول إنّ من المرشح أن يدخل هذه الصورة المزيد من العناصر المسببة للقلق في الأيام المقبلة.
أردوغان مثل طائر اللقلق الحائر لا تزال ساقه معلقة في الهواء منذ ثلاثة أسابيع.
هل "يجب أن يُسلِّم" أو "لا يُسلّم" إسطنبول؟
إن رئيس الجمهورية لا يمكنه قياس عواقب التخلي عن المنطقة الحضرية إسطنبول مهما كانت كفة الميزان التي سيضع هذا الأمر فيها، ولا تتضح أمامه مسافة الرؤية.
من الواضح أنه إتقانه وفراسته البصرية غير كافيين هذه المرة.
لكن من المؤكد أن أردوغان قد أخذ درسين من هذه الانتخابات:

-    إن "تحالف الشعب" كان خطأ من الناحية الاستراتيجية، إذ وقعت أخطاء تكتيكية كبيرة. لقد أصبح حزب الحركة القومية هو من سَمِن وتعافى سياسيًا منذ تكون التحالف وحتى اليوم. وكلما فاز حزب الحركة القومية ذاب حزب العدالة والتنمية. هذا الطريق ليس هو الطريق السليم. هذا واضح!
-    لقد خيمت الأزمة الاقتصادية على البلاد. وهي ليست إعصارا يمكن النجاة منه بسهولة. الخيار الوحيد بالنسبة لأردوغان هو الاقتراب من حزب الشعب الجمهوري ومواصلة العمل عبر "تحالف كبير" بدلًا من الحفاظ على الأمر من خلال سياسات منغلقة ومغامرة مثل حزب الحركة القومية وحزب الوطن. (بينما يتحدث رئيس الجمهورية عن "تحالف تركيا" يجهز أرضية لصياغة حديثة تضم حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح إلى إدارة البلاد).

إن ظهور بهجلي الفظيع في مرحلة الاختيار الحرجة لأقصى درجة يُعتبر رسالة فحواها "إنني مطلع على كل شيء، وأعلم أن حزب الشعب الجمهوري وكذلك الحزب الصالح يستعدان لهذه البنية الجديدة."
إن محاولة القتل تكشف للأنظار أنه في هذه المرحلة يظهر في المشهد ذاته عملية محاسبة لا تعرف حدودًا في الصراع العنيف على السلطة داخل تركيا.
وعند النظر إلى الأمر من زاوية أخرى فإننا لا نعاني صعوبة في فهم أن مسألة "البقاء" في المرحلة الحالية قد تبدلت وصارت مقيدة بمسألة "بقاء أردوغان".
هكذا الأمر:
في لُب قصة حزب العدالة والتنمية البالغ عمرها 17 عامًا تكمن مواصلة "البقاء الشخصي" لأردوغان عبر التحالفات وأوجه التعاون العابرة، وإخراج الرواسب وإلقائها بعيدًا عند انتهاء مدة الصلاحية، وصياغة جديدة صالح التحالفات الجديدة دون انتظار. هذا هو الأمر في غاية البساطة، ولكن المعارضة التركية دائمًا ما انخدعت بهذا.
 إن صعود أردوغان في أوائل سنوات الـ 2002 إلى الزعامة كان في ظل "تحالف داخلي" تكتيكي كونه بفضل المؤسسين داخل حزب العدالة والتنمية (غول، وأرينج، باباجان، وشنر، وفيرات وغيرهم).
وساعده ذلك على إضفاء المشروعية على حكومته بصفته رئيسًا للوزراء، وتحقق بمساعدة التحالف الذي أسسه مع العالم الخارجي، وقبلته الأوساط الإصلاحية من قوى اليمين واليسار المركزي في مواجهة الضباط والعسكريين الساعين إلى تنفيذ شتى الحيل والمؤامرات ضده، ومعهم وسائل الإعلام التي تدعمهم.
وقد بدأت فترة التعاون مع هؤلاء الحلفاء تنتهي مع عدم صدور قرار بإغلاق حزب العدالة والتنمية.
خلال هذه المدة كلها كان تحالف أردوغان مع حركة "فتح الله غولن" التحالف الأطول عمرًا. وعلى عكس أتباع حركة غولن الذين يرون هذا التعاون مسيرة استراتيجية لتقاسم السلطة رسم أردوغان عملية التخلص من هذه "الحوصلة المرارية" ما إن يتم له توطيد سلطته الشخصية. وفي ظل مشاعر الكره العميقة التي ظهرت لدى شرائح مجتمعية مختلفة تجاه حركة فتح الله غولن لم يُعانِ أردوغان أية صعوبة في حملة تقويض هذا التحالف.
أدى التحالف الذي تم تطويره منذ 2014 وحتى اليوم أيضًا إلى نتائج إيجابية للغاية بالنسبة لبقائه الشخصي في السلطة. وما وصفه المراقبون بأسلوب مهذب وظريف بأنه "البراغماتية" هو "نفعية" ليس لديها أي ركيزة في الأساس، قامت بإقصاء الأخلاق وحملتها إلى نقاط بعيدة هكذا، لدرجة أنه تقدَّم دون أن يأبه على الإطلاق بالأوساط العسكرية والاستبدادية التي نظمت له كل أنواع حملات المنع غير المشروعة ورتبت خطوات الانقلاب عليه واحدة إثر أخرى.
بل إن الحركة السياسية الكردية التي ساعدت في "عملية الحل الكردية" التي أُطلقت عام 2013 (بل وتوقعت أن ينتج عن هذه المسيرة تعاون استراتيجي بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي يكون لصالح تركيا) لم تتمكن من رؤية حقيقة أن أردوغان تخلى عن الجميع، بما في ذلك المقربين منه، وعن كل المجموعات وتركهم في منتصف الطريق، وواصل صعوده الدرج والترقي وكأنه يدوس الأجساد والجثث تحت قدميه.
فكانت القاعدة الشعبية لأتباع غولن، وكذلك ممثلو الحركة السياسية الكردية هما من دفع الثمن الأكبر والأكثر مرارة هنا. فالعدد الإجمالي لهؤلاء في السجون يتجاوز 45 ألفًا.
 ونتيجة لذلك اشتدت أزمة النظام بعد الانتخابات المحلية في 31 مارس الماضي، وعليه فربما تساعد في فهم المستقبل إن تتم من هذه الزاوية قراءة مشهد "الدوامة الكبرى" الذي أصبح محيرًا تمامًا.
أردوغان الذي يرى أن الشراكة مع حزب الحركة القومية قد زادت من حجم الصدع داخل حزب العدالة والتنمية من الممكن أن يفسخ "تحالف الشعب"، مثلما فعل بالنسبة للسنوات الـ 17 الماضية.
وسوف نقرأ هذا بسهولة أكبر عندما يصدر قرار اللجنة العليا للانتخابات بشأن الانتخابات في إسطنبول.
إن أردوغان الذي يرى أن الأزمة الاقتصادية العميقة لم تؤثر سلبيًا على حزب العدالة والتنمية وناخبيه فحسب، بل تهدد صراحة بقاءه شخصيًا حيث أنه يمثل قلب نظام الرجل الواحد الذي يؤسس له منذ سنوات، يبدو أنه أدرك أنه لم يبق لديه خيار آخر سوى التغلب على هذه الأزمة مع حزب على علاقات جيدة مع الأوساط الاقتصادية والسياسية العالمية فحسب مثل حزب الشعب الجمهوري (وحزب الشعب الجمهوري مستعد لهذا إلى حد كبير).
بالإضافة إلى ذلك فإنه بهذه الحملة يخطط لأن يمنع الجناح المعتدل - مثل غول وباباجان وشيمشك وداود أوغلو (الذي صفاه وأقصاه)- في حزب العدالة والتنمية من اقتطاع أجزاء من الحزب.
إذا تكوّن "تحالف تركيا" – أي "حكومة وفاق وطنية" كما كتبت عدة مرات في السابق- بالطبع قد يحدث في البلاد نوع من "المرونة واللين" المحدود البتة، وعبر اتفاق جديد داخل الدولة.
وبما أن أردوغان ليس لديه عمود فقري سياسي فهو لا يرى أي بأس في ريادة هذا أيضًا.
إنه يستأنف طريقه من حيث توقف.
وهنا دعونا نفتح قوسين مجددًا ونضيف مزيدًا من الأسئلة: من الذي كان يُخاطبه كليجدار أوغلو حين قال سابقًا "حزب الشعب الجمهوري هو الحزب المؤسس للبلاد والمنقذ لها أيضًا"؟ شعر بحاجة إلى أن يبعث برسائل عبر قوله "لا أفرط ولو في حصاة" الذي توقف عنده وكرره كثيرًا.
اسمحوا لي أن أختم بطرح الأسئلة الأصعب إجابة:
إن كان هناك ترحيب بـ "تحالف تركيا" فهل يدرك حزب الشعب الجمهوري الحقائق التاريخية مثل أن أردوغان يدين بموقعه السياسي كله للتحالفات المفيدة بالنسبة له، وأنه عندما يحين الوقت يفسخ لصالحه شخصيًا كل هذه التحالفات بلا رحمة ولا هوادة، وسوف يُلحق بحلفائه أضرارًا فادحة؟
أطرح السؤال نفسه من زاوية أخرى: كيف يمكن رفع حطام تركيا الراهن عبر نموذج حكومة موسعة يمسك أردوغان بخيوطها، وهو المسؤول الأكبر عن هذا الحطام والذي لا يُحاسب عن شيء أصلًا؟ إلى أي مدى يدرك حزب الشعب الجمهوري حقيقة أن الخطة التي في ذهن أردوغان تتمثل في أن يتم إشراكه -أي الشعب الجمهوري- بشكل ما في سلسلة الأخطاء والجرائم التي ارتكبها، والتي هو المسؤول الوحيد عنها؟
بقاء منْ هو الأهم؟
بقاء تركيا أم بقاء أردوغان؟


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.