Tiny Url
http://tinyurl.com/y3538xjr
غوكهان باجيك
فبراير 15 2019

أردوغان يحول الدولة لبائع خضروات

بعد أن وصف وزير المالية بيرات البيرق زيادة أسعار الغذاء في الآونة الأخيرة بأنها "إرهاب غذائي"، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن الحكومة سوف تبيع مجموعة من السلع الغذائية الرئيسية مثل البندورة والفلفل بأسعار مخفضة.
ويسلط نهج الحكومة الإسلامية تجاه أزمة الأسعار الضوء على تقاليد الدولة التركية والضعف المتوطّن في الاقتصاد.
وبإلقاء نظرة عامة على تقاليد الدولة التركية منذ الحقبة العثمانية، سيتبين لنا أنها لم تُقر أبداً بأن الاقتصاد مجالٌ مستقلٌ بذاته وله دينامياته الخاصة. بل إن الدولة كانت تنظر في الغالب إلى الاقتصاد على أنه مجال آخر من مجالات الإدارة.
وتبنت الدول التركية القديمة، كالسلاجقة والعثمانيين، أنظمة اقتصادية معقدة شملت الضرائب والإنتاج والتجارة. وما زالت النظرة الإدارية للاقتصاد هي السائدة باعتبارها النموذج الرئيسي، على الرغم من أنه كانت هناك بعض الفترات الاستثنائية.
وإلى جانب النظرة الإدارية للاقتصاد، لم تَقبَل الدولة التركية أبداً بفكرة أن النشاط الاقتصادي يستلزم بعض إجراءات الحماية والقواعد؛ بل كان يُنظر إلى مسألة الإقرار بمثل هذا المجال الاقتصادي المستقل باعتبارها مشكلة تتعلق بسيادة الدولة.
على سبيل المثال، باتت تدخلات الدولة المتكررة في الأسعار مشكلة سياسية للأطراف الفاعلة في السوق. واحتجت مجموعة من تجار إسطنبول على مدققي الحسابات الرسميين الذين أرسلتهم الحكومة، قائلة إنهم يضرون بأنشطة بائعي الخضروات. ولم ينتظر الرئيس أردوغان كثيراً ليصفهم بأنهم "إرهابيون" ويعِد بأن الدولة ستقضي عليهم في أسواقهم كما قضت على الإرهابيين في كهوفهم.
وقد حالت الحساسية التاريخية للدولة تجاه الاستقلال الاقتصادي دون تراكم الثروة وتوفير حماية قوية للأطراف الفاعلة في السوق. والكثير من مدن غربي الأناضول تُعَدّ من أفضل الأماكن التي يمكننا أن نلاحظ فيها التداعيات الجلية لأوجه الخلل تلك، حيث لا يمكن للمرء أن يرى أبداً مشهداً معمارياً يتسم بالأصالة والتاريخ، على عكس الكثير من البلدات الصغيرة في أي بلد بأوروبا الغربية. هذا الجزء من الأناضول ظل تحت الحكم التركي لنحو ألف عام، وقد يتوقع أحدنا وجود علامات تحمل عبق التاريخ.
غير أن الفكرة الإدارية عن الاقتصاد حالت دون تراكم رأس المال وظهور القواعد الأساسية لحماية ممتلكات الوكلاء الاقتصاديين.
ولكون تقاليد الدولة التركية بها الكثير من التحفظات بشأن السوق، فإنها لم تحتضن أبداً نظرة اشتراكية في الفترة الحديثة. ومن ثم، لا ينبغي الخلط بين النظرة الإدارية المتأصلة في تقاليد الدولة التركية، وبين التخطيط الاشتراكي.
ويمكن أيضاً ملاحظة الانعكاسات الاجتماعية لتحفظات الدولة على كل من الليبرالية والاشتراكية. على سبيل المثال، فإن الخصائص السياسية المرتبطة بالبنية التحتية (أي الليبرالية والشيوعية) هي ازدرائية في أغلبها. في المقابل نجد أن الخصائص السياسية المرتبطة بالبنية الفوقية (أي القومية والدينية) تكون إطرائية في أغلبها بتركيا.
وتَحْذَر الدولة في تركيا من أي نظرة اقتصادية عالمية، وتصر على ثقافة إدارية صارمة لا يخرج فيها أي مجال عن السيطرة السياسية. ومن ثم فإن أي رجل أعمال تركي ليس برجوازياً صِرفاً، تماماً كما أن أي عامل تركي لا يمثل الطبقة العاملة بحذافريها. ففي تركيا تتساوى جمعيات الأعمال مع الاتحادات العمالية في السلبية والتبعية لإرادة الحكومة.
وفي الماضي كان العثمانيون والأنظمة الجمهورية يتبنون الكثير من الإصلاحات الاقتصادية من أجل وضع إطار اقتصادي حديث على النمط الغربي. غير أن تلك الإصلاحات فشلت في فصل الدولة التركية عن نظرتها التقليدية للاقتصاد، والتي تعود إلى القرون الوسطى.
وفرضت الضرورة الكثير من الإصلاحات المهمة، ومن بينها إعلان نظام السوق الحُر في يناير عام 1980 وإصلاحات كمال درويش في القطاع المصرفي بعد الأزمة الاقتصادية في عام 2001. وما زالت عقلية الاقتصاد الإداري قائمة في تركيا، وكثيراً ما كان يتم إحياؤها من جديد، ومثال على ذلك قيام حكومة أردوغان الإسلامية بتدمير اللوائح المالية التي فرضها درويش بالكامل تقريباً.
وفي ظل هذه الرؤية، فإن عودة الدولة لممارسة دور بائع الخضروات من أجل كبح جماح التضخم، ما هي إلا أحياء للعقلية التقليدية. ودعوة أردوغان للمواطنين الأسبوع الماضي بأن يقارنوا بين أسعار البندورة والرصاصات هي مثال واضح على النظرة التركية إلى الاقتصاد.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.