هشام النجار
ديسمبر 06 2017

أردوغان يرضع الإستراتيجية الجديدة لداعش ويبتز واشنطن من سيناء

رسائل ينبغي قراءتها بتمعن حملتها تصريحات الرئيس التركي رجب أردوغان بشأن انتقال مسلحي تنظيم داعش من الرقة السورية إلى سيناء المصرية، فبين سطورها ملامح تحولات جديدة في الصراع في الشرق الأوسط، متصلة بمستقبل النظام التركي الحالي.

ظلت أنقرة طوال سنوات الصراع عقدة بالنسبة للتحالف العسكري الذي شكلته الولايات المتحدة بمشاركة بعض دول المنطقة لتوجيه ضربات جوية لمواقع التنظيم في العراق وسوريا.

تحجج أردوغان دومًا بأن المواجهة العسكرية ضد داعش تصب في صالح النظام السوري، ولم تتخذ تركيا إجراءات للتحرك ضده ولم تصدر تصريحات من المسئولين الأتراك سوى بغرض المناورة بعد الانعطافة نحو المحور الروسي وبروز أولويات قدمت على إسقاط النظام.

التردد التركي في الالتحاق بالحملة ضد داعش، استثمره التنظيم على أكمل وجه، وعلاوة على ما حققه من انتصارات نتيجة الدعم التركي المباشر وغير المباشر، فهو في وارد التسلل عبر هذه التشققات في هذه المرحلة المتأخرة من الحرب للقيام بعمليات يحبط بها معنويات التحالف المعادي له وترفع معنوياته عبر العالم.

لا تخفى إذًا هذه الرسالة الأولية المتعلقة بالنصر المعنوي لقوات سوريا الديمقراطية الكردية التي يعاديها أردوغان ويصنفها إرهابية، فعاصمة داعش في سوريا تحررت على يدها وهو انجاز ما كان ليتم لولا الدعم الذي حظيت به من قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

أردوغان يواصل التخديم على إستراتيجية داعش ودعايته، وغرضه هذه المرة التشويش على الإنجاز الأخير بإلصاق تهمة دعم داعش بالتحالف وبأكراد سوريا عبر التلميح لصفقة تسليم وتسلم الرقة مقابل تسريح قيادات وأعضاء التنظيم خاصة الأجانب منهم وهو ما نفاه المسؤولون الأميركيون.

ما بين السطور هو أنه يستغل صدى الاعتداء على المصلين بسيناء، لكن مقصده الرئيسي محاولة تحشيد رأي عام ضد واشنطن، على خلفية عنوان عام مؤداه أن آلاف الدواعش الأجانب من عينة من نفذوا هجوم المسجد بمصر صاروا يهددون العالم نتيجة غنيمة سهلة قدمتها الولايات المتحدة للأكراد بسوريا، وهي التي ظل أردوغان يتطلع لاقتناصها وحرمه ترامب منها.

مجال نشاط داعش وممارساته على الأرض اتصل بشكل رئيسي بالوضع السياسي الرخو للتحالفات التي تواجهه، ونفذ البغدادي من ثغرات التحالفات واستثمر فيها.

ولعب أردوغان طوال الوقت دورًا مهمًا عبر مواقفه وتحالفاته في إبقاء التنظيم متماسكًا في مواجهة قوات هذا العدد الضخم من الدول، وهو ما مثل أيضًا أداة تجنيد مثالية لداعش عبر العالم بزعم امتلاك قدرات أسطورية.

الآن والتنظيم يواجه الهزائم ويعالج تداعيات سقوطه وخسارته لمعاقله الرئيسية يتقدم أردوغان ويسديه هدية إضافية بالدعاية لإستراتيجيته الجديدة التي تتلخص في الضرب بعنف ووحشية في جميع أنحاء العالم، وفي نفس الوقت يحاول إظهار نفسه بريئًا مما جرى من داعش وما سيجري، متهمًا أميركا والأكراد.

حديث أردوغان الثلاثاء في اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية هو أول بيان من نوعه لرأس نظام دولة إقليمية كبيرة متداخلة في العديد من الملفات الساخنة، يرسم خلاله عبر شفرات مكثفة يعيها أطراف الصراع وقد تخفى على البعض، مجال عمل وطبيعة نشاط داعش في المرحلة المقبلة.

التنظيم الذي أعاد ترتيب أوضاعه بعد خلافات وانشقاقات وعزل وإعادة هيكلة وتعيين قيادات جديدة، تخلى فعليًا قبل أشهر قليلة، تحديدًا في إبريل الماضي، عن إستراتيجية الحروب الكلاسيكية عبر السيطرة على المدن.

ولم يكن تحرير الرقة بالأمر العسير مع طيران التحالف وتواضع إمكانيات داعش من السلاح، إلا أن حكومة تركيا حرمت نصرًا سهلًا وضع في أيدي أعدائها في سوريا.

ولذا تم الإعلان الرسمي عن حرب الاستنزاف التي لا تعرف حدودًا جغرافية ولا أخلاقية، وبدأها داعش بالفعل، وقد حان أوان الترويج لها على لسان أردوغان.

يعني ذلك بأن أردوغان الذي يوعز بأن واشنطن والأكراد هم من أرسلوا داعش لارتكاب مجزرة المصلين بسيناء، يعلن بلا مواربة تهديد أوربا عبر ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مقاتل داعشي أجنبي استقبلت تركيا أعدادًا منهم، وهم في وارد العودة إلى بلادهم الأصلية.

مجمل التحول في خطاب أردوغان يتسق تمامًا مع تحولات داعش وإستراتيجيته الجديدة، فالحرب صارت استنزافية ضد أهداف منتقاة حول العالم عبر توجيه خلايا داعشية صغيرة مكونة من عشرات المقاتلين مجهزين بأسلحة متطورة.

أردوغان يستفز العالم ويذكره بما يعتبره أخطاءً في التعامل مع القاعدة التي بعثت بعد ضرب أفغانستان لتصير تهديدًا للعالم بأسره، معلنًا عن داعش في طور أخطر مما سبق وأكثر توحشًا ورغبة في الثأر.

وعندما يعلن بنفسه، وهو من جعل من بعض مناطق تركيا بمثابة بيشاور الجهاديين الجدد في سوريا، بعث داعش وإخراجه من حيز خطره المكاني المحدود، فكأنه يطرح اسمه بجوار البغدادي كشريك في الانتقام والاستنزاف إن لم يحقق المعنيون رغباته ويخرجوه من أزماته.

نصيب مصر من هذا التهديد محدود بعدد المقاتلين المصريين في صفوف داعش وببعض الأجانب الآخرين وأيضًا بالقدرات القتالية التي يتمتعون بها، لكنها ليست وحدها المقصودة، وان حظيت باهتمام خاص بالنظر لعدة اعتبارات هامة.

الأول ارتباط الحكومة التركية الحالية بالإسلام السياسي والجهاديين في ليبيا عبر أجندة مناهضة ومعادية للتوجهات المصرية.

والأسئلة المثارة حول الجهات التي تؤمن طريق هجرة مقاتلي داعش من شرق سوريا إلى الحدود المجاورة مع مصر، يجاب عنها على ضوء النظر للمستفيد من تعويض خسائره في الملفين العراقي والسوري، بالتركيز على الملفين المصري والليبي.

الموثق أن داعش يستخدم ليبيا للعبور إلى سيناء وشهدت الساحة الليبية خلال الأسابيع الأخيرة انتقال مقاتلين دواعش من شرق سوريا، وهو ما واكب هجوم مسجد الروضة غير المعتاد على طبيعة أداء تنظيم ولاية سيناء في السابق، بما يعطي انطباعًا بدخول شفرة استخباراتية على برنامج عمل داعش الجديد.

الاعتبار الثاني، يأتي على خلفية إعلان داعش مسؤوليته في أكتوبر الماضي عن إطلاق صاروخين من سيناء تجاه إسرائيل، ثم إعلان السلطات الإسرائيلية قبل يومين عن إطلاق عدة صواريخ أخرى من نفس المصدر على النقب.

داعش الذي لم يعلن في السابق مسؤوليته عن عمليات داخل فلسطين المحتلة أعلن أيضًا عن تبنيه "عملية سارونا" في تل أبيب قبل عام ونصف، وكانت المحكمة الإسرائيلية أصدرت مؤخرًا حكمًا بالسجن المؤبد بحق الفلسطينيين الثلاثة الذين نفذوها.

هناك تحول لافت في برامج عمل التنظيم وطبيعة تعاطيه وتداخله مع ملفات لم يكن في السابق يقترب منها، وهو بلا شك ما يجعلنا نعيد النظر في تصريح أردوغان بشأن انتقال داعش من الرقة ليمارس عمله في سيناء.

نشاط تنظيم داعش في سيناء المرتبط باستهداف الأمن والجيش المصري يخدم أهدافًا محدودة متعلقة بمصالح الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المتحالفة مع أردوغان، لكن تأثيره ومن ثم توظيفه لا يرقى للضغط به على قوى دولية في ملفات خلافية كبرى بحجم ما يواجه الرئيس التركي في الملف السوري أمام واشنطن وتحالفاتها مع الأكراد.

من الجيد هنا فهم الأبعاد الوظيفية الجديدة التي صاحبت تطوير إستراتيجية داعش، فأردوغان يلفت لامتلاكه ورقة ضغط ضد واشنطن بالقرب من إسرائيل مستفادة بالطبع من إستراتيجية الابتزاز الإيرانية عبر ميليشياتها المسلحة.

أردوغان في طور توظيف الإرهاب المعولم عبر ربط جبهة شمال سيناء مع إسرائيل بجبهة الشمال السوري مع تركيا، والرياح التي عصفت بنفوذه بسوريا ضد رغبته، يعيد توجيهها برسائل مشفرة لمن يعنيه الأمر.

الجيش المصري يستعد لحرب فاصلة وموسعة ضد داعش في شرق سيناء، وأردوغان في رسالته الخطيرة الأخيرة لا يحذر ولا ينصح إنما يرفع معنويات داعش معلنًا تحوله لخطر يهدد العالم.

وهو يمنح داعش موقعًا يظن أنه سيسهم في إفلاته من المصير الذي خططت له الحملة المصرية، بالضغط على أميركا وحلفائها عبر ورقة استهداف إسرائيل.

من خلال قراءة مجمل كلامه خاصة المتعلق بالولايات المتحدة، يظن أردوغان أنه عبر هذه السياسة الجنونية يرغم واشنطن على احترام أهدافه وتطلعاته في الملف السوري.