كلاير سدر
أكتوبر 31 2018

أردوغان يستخدم قضية خاشقجي لتجميل سجل تركيا المروع

لعل الخطاب الذي ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا قد خيّب آمال البعض ممّن توقعوا منه أن يفجر قنبلة ويقدم أخيرا دليلا تزعم أنقرة أنها تمتلكه عمّن قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
لكن أردوغان في حديثه أوضح ما يمكن أن يلبي مطالب تركيا بتحقيق العدالة في هذه القضية وألمح بشكل غير مباشر إلى ما تأمل بلاده في الحصول عليه من مكاسب سياسية ودبلوماسية.
غير أن قراءة متأنية بين سطور ما قاله الرئيس التركي قد تكشف لنا عن أحد أهدافه المتمثل في استغلال قضية خاشقجي للتغطية على سجل تركيا المروع في مجال حرية الصحافة.
قال أردوغان مخاطبا الرأي العام العالمي، وفقا لما نقلته قناة الجزيرة القطرية "حقيقة أن جمال خاشقجي صحفي يتمتع بسمعة كبيرة على الصعيد الدولي، إلى جانب هويته كسعودي، تضع أيضا مسؤولية دولية علينا. تركيا تتابع هذه القضية باعتبارها ممثلا لضمير العالم إلى جانب سيادتها الخاصة."
وسائل الإعلام التركية، التي تسيطر عليها الحكومة، في حقيقة الأمر، تم استغلالها هي الأخرى في خدمة الخط الذي تريد السلطات رسمه.
فلم يقتصر الأمر على تسخير مؤسسات إعلامية - كصحيفة صباح - لتكون مطية للحكومة التركية تسرب من خلالها تفاصيل إلى الصحافة العالمية، وبالتالي منحها مصداقية في المستقبل، بل أظهرت أيضا كيف يمكن للصحافة أن تعمل على "تحقيق سبق" في نشر تفاصيل بشأن قضية خاشقجي.
هذا الموقف المسرحي من قبل أردوغان وحكومته باسم حرية الصحافة العالمية والدفاع عن حقوق الإنسان يتناقض بشكل صارخ مع سجل تركيا ذاتها في هذا المجال.
فوفقا للجنة حماية الصحفيين، فإن تركيا هي أكثر دول العالم سجنا للصحفيين عام 2017.
وقالت جولنوزا سعيد من لجنة حماية الصحفيين في حديث لموقع أحوال تركية إن اللجنة بصدد إعداد تقريرها لعام 2018، وإن البحث المبدئي لها يظهر أن تركيا ستواصل احتلال الصدارة في سجن الصحفيين على مستوى العالم."
بدورها وثقت مؤسسة حرية الإعلام التركية (بلاتفورم 24) قضايا تخص 176 صحفيا ممن يقبعون حاليا في سجون تركيا، بالإضافة إلى منصات إعلامية أُغلقت منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو عام 2016.
وقال نيت شينكان، مدير الأبحاث الخاصة في مؤسسة فريدم هاوس في مقابلة أجراها معه مؤخرا إلهان تانير رئيس تحرير موقع أحوال تركية "أعتقد أنه من الإنصاف (الحديث عن سجل تركيا في مجال حرية الصحافة) لأن هذه هي الحقيقة.. ما يحدث داخل تركيا هو أمر مهم بالفعل، ومهم للغاية من أجل فهم سبب ما يحدث في هذه الإدارة وتوقيته من استغلال قضية خاشقجي، ولماذا لا يقومون بنفس الأمر مع آخرين."
وأضاف شينكان "أعتقد أن حزب العدالة والتنمية وأردوغان عند هذه النقطة لديهم نظرة استغلالية تماما فيما بتعلق بالصحافة. فهم يرون وسائل الإعلام منقسمة ما بين مجموعة طيبة وأخرى شريرة، وفقا لوجهات نظرها، ولعلهم كانوا سيرون خاشقجي طيبا باعتباره كان صحفيا طيبا. ولو أن هذا قد حدث لصحفي ناقد لتركيا، فلا أظن بأي حال من الأحوال أنهم كانوا سيتناولون القضية بنفس الطريقة."

منذ قتل خاشقجي في مطلع هذا الشهر، تلقى عشرات من الصحفيين الأتراك تهديدات، أو تعرضوا للاعتقال أو أُلقي بهم في السجون.
على سبيل المثال، خلال الأسابيع القليلة الماضية، طالبت تركيا من الشرطة الدولية (الإنتربول) إصدار إخطار عاجل بحق الصحفي جان دوندار، الذي سُجن في السابق لخمس سنوات في نفس اليوم الذي نجا فيه من محاولة اغتيال. 
وبالإضافة إلى هذا، واجه دوندار تهديدات بالقتل.
وما زاد الطين بلة، فإن مراد شاهين، الرجل الذي حاول إطلاق النار على جان دوندار في قاعة محكمة بإسطنبول وأصاب صحفيا آخر بجراح عام 2016، قد حُكم عليه بالسجن لفترة بسيطة.
فمحكمة في إسطنبول قد قضت بسجن شاهين لعشرة أشهر، وهو حكم لم ينفذ بالطبع لأن الرجل كان قد قضى بالفعل هذه الأشهر العشرة، وفقا لما ذكرته جولنوزا سعيد من لجنة حماية الصحفيين لموقع أحوال تركية.
في اليوم التالي لاختقاء خاشقجي بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول، وفي تناقض صارخ مع المشاعر النبيلة التي عبر عنها أردوغان يوم الثلاثاء، فإن صحيفة حرييت الموالية للحكومة نقلت عنه القول في مراسم انطلاق العام الجامعي الجديد "رأيت كيف أن هذه الدول الكبرى تُدار من خلال وسائل الإعلام وليس من خلال قادتها. لأني كلما تحدثت معهم يقولون لي إن وسائل الإعلام لدينا تقول هذا وتقول ذاك. الديمقراطية أمر غير ممكن مع وسائل الإعلام."
لا مفاجأة إذاً أن نرى في نية أردوغان من وراء قضية خاشقجي هي إحداث تغيير في الصورة الخاصة بحرية الصحافة الممنوحة للصحفيين الأتراك.
وقال سايمون تيسدول، وهو كاتب عمود في صحيفة غارديان البريطانية، متحدثا لموقع أحوال تركية "لا أتوقع تغييرا في سلوك أردوغان السلبي والمثير للمشاكل للأسف بشأن حرية الإعلام والصحافة المستقلة نتيجة لهذه القضية. 
"على النقيض، لقد استغل قضية خاشقجي لمحاولة الإيحاء بأن لديه القدرة على الإتيان بمثل هذه الأفعال. إنه أمر معيب."
وقالت إلميرا بايراسلي، الأستاذة في كلية بورد والتي شاركت في تأسيس معهد فورين بوليسي إنتربتيد، في حديث لموقع أحوال تركية "لقد تعامل أردوغان بمنتهى الوحشية في ملاحقة منتقديه، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو عام 2016. ستشجعه قضية خاشقجي للأسف على التنكيل بكل من ينتقدونه، بزعم أن عليه حماية الأمة التركية من القوى الخارجية ومن الإرهابيين."
لكن أردوغان لم ينجح ربما في إبعاد الأنظار عن سجل بلاده في مجال حرية الصحافة. فصحفيتا واشنطن بوست الأميركية وغارديان البريطانية نشرتا مواضيع في الفترة الأخيرة عن قضية خاشقجي وعن سجل تركيا في مجال حرية الصحافة.
وتعتقد جولنوزا سعيد من لجنة حماية الصحفيين إن انتصار أردوغان لحق خاشقجي "يسلط المزيد من الضوء على سجل بلاده هو نفسه في مجال حرية الصحافة وحقوق الإنسان."
وأضافت أنه "إذا رغبت حكومة أردوغان في إقناع العالم بأنها مهتمة فعلا بمأساة الصحفيين الذين يقتلون أو يسجنون، فعليها أن تبدأ أولا بإطلاق سراح عشرات الصحفيين الملقى بهم وراء القضبان بلا جرم اقترفوه سوى اتهامات مفبركة في تركيا."
يحذر خبراء أيضا من أن موت خاشقجي والقمع المتواصل من قبل السلطات التركية ضد حرية الصحافة، رغم زعمها الانتصار لحق الصحفي السعودي القتيل، لهو جزء من توجه أكبر مثير للقلق نشهد فيه صعودا لقادة سلطويين على مستوى العالم.
وقالت بايراسلي في حديثها لموقع أحوال تركية "لأنهم قادة مستبدون، فإنهم يشعرون بالشك والريبة من الصحافة، ويشعرون بالتهديد من أي انتقاد أو مواجهة.
وفي تعليقه على العلاقة بين العنف ضد الصحفيين في الخارج والطرد المفخخ الذي أُرسل إلى مقر شبكة (سي.إن.إن) في الولايات المتحدة هذا الأسبوع، لفت شينكان الأنظار إلى "وجود بيئة جديدة، بيئة سياسية، على أعلى المستويات، تتكاتف لتلتف حول الصحفيين، يقود إليها نخبة من أهم الصحفيين لدينا في الولايات المتحدة، وفي أجزاء من أوروبا، وفي تركيا التي يُصنف فيها الصحفيون مرة أخرى إلى طيب وشرير.
"أصبح هذا الأمر مألوفا. لا يؤدي هذا دوما إلى أعمال عنف، لكنه يساعد في خلق مناخ يصبح فيه العنف أمرا اعتياديا."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/jamal-khashoggi/erdogan-using-khashoggi-case-gloss-over-turkeys-press-freedom-record
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.