ذو الفقار دوغان
يوليو 30 2018

أردوغان يسرع بتغيير شكل الحكومة مستغلا تفكك المعارضة

مع كل إشراقة شمس على تركيا منذ تنصيب رجب طيب أردوغان كأول رئيس تنفيذي في التاسع من يوليو الجاري، استغل الرجل سلطاته التشريعية الجديدة لإصدار سيل من المراسيم الرئاسية الجديدة بغرض تحويل رؤيته للحكومة إلى واقع ملموس، سواء تعارض هذا مع الدستور الحالي أم لا.
وبعد أن حدد الرئيس مطالبه، يتدفق جيش من الوزراء والمسؤولين والمحامين والمستشارين على أنقرة ليل نهار للعمل على تحويل هذه التوجيهات إلى تشريع جديد لنشره في الجريدة الرسمية، وهي القناة الحكومية لإعلان القوانين الجديدة وغيرها من القرارات الرسمية الأخرى ذات الأهمية.
اتخذت الخطوات الأولى لتعيين عناصر إداريين لشغل مناصب في النظام الجديد قبل الانتخابات التي جرت في الرابع والعشرين من يونيو، حيث جُمعت آلاف السير الذاتية وأعدت للاستخدام في اليوم التالي للانتخابات من قبل المكتب الجديد التابع للرئاسة والمختص بالموارد البشرية.
وحين أعلن أردوغان خلال ذلك الأسبوع أنه، وبموجب النظام الجديد، قد يتم تغيير المعينين دون إخطار مسبق، فإنه قد وضع اللبنة الأولى للموقف الجديد وبشكل واضح.
وقال أردوغان "في النظام الجديد، يمكن أن يحدث أي شيء في أي وقت."
وأصبح لكل فرد تم تعيينه على رأس إحدى الإدارات، وكل نواب الوزراء وقادة المجالس منافسان على المنصب في الانتظار، ومستعدان لشغل الموقع على الفور.
بموجب النظام الجديد، يمكن الآن تعيين أفراد لفترة قصيرة في كل منصب إداري مهم نزولا على رغبة أردوغان، وإقصاء أي فرد من تلك المناصب لن يكلف الرئاسة أكثر من كتابة توقيعه على خطاب من سطرين لا أكثر يتم فيه تقديم الشكر للموظف المعزول على خدماته.
هذا ما قصده أردوغان حين قال "يمكن أن يحدث أي شيء في أي وقت."
قد يستيقط المسؤولون البارزون، من نائب الرئيس فؤاد أوكتاي والوزراء الستة عشر، ليجدوا أنفسهم معزولين من المنصب.
 كما يمكن للرئيس إن شاء أن يزيد عدد الوزراء حتى ثلاثين وعدد نواب الرئيس إلى عشرين. كل هذا من خلال إصدار مرسوم واحد.
وكنتيجة لذلك، لا يرفع المسؤولون المعينون أعينهم عن الجريدة الرسمية التي زاد توزيع النسخة المطبوعة أو النسخة الإلكترونية منها بشكل كبير وهذا أمر لا مفاجأة فيه.
في الوقت نفسه، هناك تعديلات قانونية يجري الإعداد لها ستتيح للرئيس السيطرة بصورة مماثلة على الموظفين المدنيين، والذين تتوفر الحماية لمناصبهم بموجب القانون رقم 657.
لقد أدت الحماية القانونية الصارمة المتوفرة حاليا لهؤلاء الموظفين العموميين إلى شكاوى من زيادة حجم قطاع الخدمة المدنية، وقدم أردوغان بشكل مستمر إصلاحاته المزمعة كسبيل لرفع كفاءة هذا القطاع وتقليص عدد الموظفين الذين لا يفعلون شيئا سوى الحصول على راتب في آخر الشهر.
غير أن هذه التغييرات ستمهد لنظام يسمح للرئيس بإعادة تشكيل المستويات الأدنى من قطاع الخدمة المدنية، وعزل موظفين بشكل جماعي والسيطرة على سياسات التوظيف، تماما مثلما يتيح له الدستور حاليا إنشاء وظائف لمعاوني الوزراء أو إلغاءها.
اتخذت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه بمقترح تشريعي قبله البرلمان يمدد حالة الطوارئ شروط حالة الطوارئ التي طبقت للمرة الأولى بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من يوليو عام 2016 وظلت سارية حتى يوليو الجاري.
تشمل هذه الشروط سلطات ممنوحة لوزيري الداخلية والدفاع لعزل عناصر من قوات الجيش والشرطة والدرك وحرس الحدود دون تحقيق أو الاستناد إلى أي تشريع.
الإصلاحات المقترحة على القانون رقم 657 ستوسع نطاق هذا النظام ليشمل جميع الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات الاقتصادية التابعة للدولة والبنوك العامة.
في الوقت نفسه، فإن المعارضة التركية المفككة لم تنجح بأي شكل من الأشكال في عرقلة هذا التشريع الذي يريده أردوغان، وهو ما سيتيح لحزب العدالة والتنمية الحاكم عرض مقترحه والحصول على موافقة عليه دون مشقة.
قلت قبل انتخابات الرابع والعشرين من يونيو أن الحزب الصالح، الذي أسسته ميرال أكشينار وآخرين منشقين عن حزب الحركة القومية اليميني المتشدد كان مشروعا مشتركا لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية من أجل تفتيت المعارضة وضمان الفوز لأردوغان وحلفائه.
وتمت المهمة بنجاح، وجاء إعلان أكشينار هذا الأسبوع بأنها ستتخلى عن قيادة الحزب خلال مؤتمره المقبل تثبت صحة وجهة نظري.
بعد الانتخابات، لم يهدر الحزب الصالح وقتا لينأى بنفسه عن حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي، بعد أن اتحدا خلال الانتخابات كأعضاء في ائتلاف الأمة المعارض.
وسارع الحزب الصالح بالإعلان عن انتهاء التحالف، واعتبر أن حزب الشعب الجمهوري مسؤول عن العدد القليل من الأصوات التي حصل عليها الحزب، وسار بشكل واضح في اتجاه حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.
وألقى نواب الحزب الورود على أردوغان بعد خطابه وكان كوراي آيدين الرئيس الشريك للحزب الصالح أول من صافح دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية لدى استئناف عمل البرلمان.
في هذه المرحلة لن يكون مفاجئا أن نرى أكشينار تتقدم لشغل منصب في حكومة أردوغان، بل ومنصب نائب الرئيس، حين تترك منصبها في قيادة الحزب.
ويرجح أن يتولى أيدين الرجل القوي في حزب الحركة القومية قيادة الحزب الصالح خلفا لأكشينار.
لن يتفاجأ أحد أيضا إذا تمت الدعوة لمؤتمر استثنائي آخر للحزب للإعلان عن حل الحزب.
وسيتولى أيدين قيادة تيار العودة لحزب الحركة القومية، وحينها قد يتسلم القيادة فيه من بهجلي نفسه، بينما سيضطر الباقون من عناصر الحزب الصالح للانضام إلى حزب الشعب الجمهوري أو حزب معارض آخر.
وبخلاف موقف الحزب الصالح، فإن تداعي المعارضة يبدو أكثر وضوحا بالنظر إلى الخطاب الذي ألقاه المرشح الرئاسي السابق كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري حين اعتبر خلاله أن حزبه قد حقق نجاحا بالحصول على نسبة الأصوات التي حصل عليها وقدرها 22 بالمئة.
ويسعى كليجدار أوغلو وتياره الملقب بفريق الفئة الأولى من عناصر الحزب المخلصين لتجاوز الحملة الانتخابية الكارثية التي تعطل خلالها برنامج مراقبة مراكز الاقتراع التابع للحزب، وغياب مندوبيه عن 50 ألف صندوق انتخابي، وصدور بيانات من ممثلي حزب الشعب الجمهوري يؤكدون فيها بثقة (وبالمخالفة للحقيقة) لأن مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة محرم إينجه سيخوض جولة إعادة ضد أردوغان.
إن مزاعم النجاح التي يصدرها معسكر كليجدار أوغلو تهدف لإجهاض أي محاولات للمنافسة على الزعامة من قبل إينجه، الذي أثار خوضه لانتخابات الرئاسة حماسا بين الناخبين المؤيدين للمعارضة.
وحصل إينجه على أكثر من 30 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية مقابل 22 بالمئة حصل عليها حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية.
لقد ساعد أداء إينجه، وكذلك ثماني سنوات من الفشل مع كليجدار أوغلو، على إثارة حماس الناخبين المؤيدين لحزب الشعب الجمهوري من أجل الدفع لإجراء مؤتمر استثنائي للحزب، يمكن خلاله للمنافسين على منصب القيادة طرح أنفسهم كمرشحين في تصويت بالثقة على رئيس الحزب.
لكن كليجدار أوغلو حين رأي قاعدة الناخبين المؤيدين لحزب الشعب الجمهوري وكثيرين داخل الحزب غير مقتنعين بمزاعم نجاحه، انتقل إلى الخطة الاحتياطية، فوعد يوم الأربعاء، وللمرة الأولى "بالتغيير" داخل الحزب.
ويعني هذا التحضير للتضحية بعدد من حلفاء حزبه، ليستبدلهم بآخرين على هواه.
وسعى مقر قيادة حزب الشعب الجمهوري للتصدي للتحدي الذي شكله إينجه بتقليل ظهوره في ليلة الانتخابات، التي اختفى فيها عن أعين العامة وأقر بهزيمته من خلال رسالة على تطبيق واتساب بعث بها إلى مذيع نشرات أخبار.
لكن هذه حجة واهنة من كليجدار أوغلو، الذي توارى عن الأنظار ليومين كاملين، في الرابع والعشرين من يونيو، تماما مثلما اختفى في انتخابات سابقة في مارس وأغسطس عام 2014، وفي يونيو ونوفمبر عام 2015.
لقد أصبح من الواضح لكثيرين أن الوقت قد حان ليدفع حزب الشعب الجمهوري بدماء جديدة.
فبدون هذا، سيواجه حزب الشعب الجمهوري مسارا صعبا في الانتخابات المحلية المقررة العام المقبل، ومن المرجح أن يخسر كثيرا من مواقع نفوذه في مختلف أنحاء البلاد.
أردوغان نفسه يدرك أنه ليس هناك شيء سيخدمه أكثر من رؤية كليجدار أوغلو وفريقه يستمرون على رأس أبرز حزب معارض في البلاد.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: