كلاير سدر
يوليو 03 2018

أردوغان يسير على خطى غولن في استمالة واشنطن

هذا هو المقال الثالث في سلسلة مقالات تتناول جماعات الضغط الحكومية التركية والتركية الأميركية في الولايات المتحدة. في المقالين السابقين، ناقشت كيف تعمل الحكومة التركية وحليفها السابق، غولن، الذي تحول إلى عدو، على استمالة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا سيما نائب الرئيس مايك بنس من خلال جماعات الضغط المرتبطة بترامب.
ففي العام 2017، أنفق الجانبان مبالغ طائلة على جماعات الضغط. وأنفق التحالف من أجل القيم المشتركة المرتبط بغولن ما لا يقل عن 310500 دولار على ثلاث شركات ضغط. ولا يثير الدهشة أن تتجاوز الحكومة التركية إنفاق خصومها إذ أنفقت بشكل مباشر ما يربو على 4.4 مليون دولار. 
وأنفقت وزارات الحكومة التركية مبلغا إضافيا بقيمة 348 ألف دولار. ومن ضمن هذا المبلغ أنفقت مؤسسة آرساي ميديا عشرين ألفا، جرى تمويلها جزئياً من خلال "منحة" من وزارة الاقتصاد التركية، وفقاً لما جاء على موقعها على الإنترنت، من أجل ترتيب رحلة صحفية لوسائل الإعلام البارزة إلى تركيا. أما بنك خلق، البنك المملوك للدولة التركية والذي واجه قضية انتهاك العقوبات المفروضة على إيران هنا في الولايات المتحدة، فقد أنفق 531250 دولاراً.
كما أنفقت الحكومة التركية أيضاً مبلغاً غير معروف لتوظيف أندرو سي. هيروسكا من شركة المحاماة كينغ آند سبالدينغ، "لإعداد وتقديم اقتراح إلى وزارة العدل الأميركية للتعاون بين حكومتي الولايات المتحدة وتركيا فيما يتعلق بالتعامل مع أي أمر قانوني في الولايات المتحدة".
المثير للاهتمام أن شركة المحاماة كينغ آند سبالدينغ مثلت أيضا بنك آسيا المرتبط بحركة غولن في العام 2013. وتشير الأدلة غير المباشرة إلى أن قضية بنك خلق هي على الأرجح "مسألة قانونية" تم التعاقد مع هيروسكا للعمل عليها. في صلة أخرى بين تركيا والإدارة الأميركية الحالية، تعاقد المدعى عليه الرئيسي في قضية رضا ضراب مع مؤيد ومحامي ترامب، رئيس بلدية نيويورك السابق رودي جولياني.
جاء الإنفاق الأكثر إثارة للدهشة من مجموعة غامضة مقرها في إسطنبول تسمى جمعية اقتصاد المعرفة. وقد دفعت إلى مجموعة مونتي الاستشارية مبلغ 100 ألف دولار مقابل عمل مدته شهر ونصف الشهر.
وتشير أوراق القضية إلى أن "العضو الإداري والوحيد" في مجموعة مونتي الاستشارية هو دوجلاس بيكر بن جيمس بيكر. وقد شغل بيكر الأب عددا من المناصب الرفيعة في أواخر القرن العشرين إبان حكم الجمهوريين في البيت الأبيض، بما في ذلك منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب.
وفقاً لتحقيق أجراه موقع ديلي بيست على الإنترنت العام الماضي، لا يوجد ما يشير إلى وجود "جمعية اقتصاد المعرفة" أو "مجموعة مونتي الاستشارية"، بالإضافة إلى ملفات تسجيل الوكلاء الأجانب التي توجز العلاقة التجارية بينهما.
وتشير الأوراق إلى أن عضواً واحداً على الأقل من جمعية اقتصاد المعرفة كان ممثلاً للحكومة التركية. وبحسب ديلي بيست، أصبح الرئيس المؤسس لجمعية اقتصاد المعرفة، داوود كاوران أوغلو، مستشاراً علمياً لرئيس تركيا بعد أن ترك الجمعية. كما قامت مجموعة مونتي الاستشارية بالتنسيق مع إدارة ترامب المنتظرة، وفقا لديلي بيست، على الرغم من توقيع العقد قبل إجراء الانتخابات.
في العام 2018، تستعد الحكومة التركية لإنفاق ما لا يقل عن 4.2 مليون دولار على ممارسة الضغط، وهو رقم لا يشمل عقد شركة المحاماة كينغ آند سبالدينغ، الذي لا يزال سارياً، أو رسوم وسائل التواصل الاجتماعي من إحدى الشركات التي استأجرتها، وهي شركة ميركوري للشؤون العامة.
كما دفع مجلس الأعمال التركي الأميركي لشركة ميركوري 1290 دولاراً. وتخضع شركة ميركوري للتحقيق من قبل المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر لتقاعسها عن التسجيل كوكيل أجنبي بعد أن استأجرها بول مانافورت لممارسة الضغط لصالح جماعة تربطها صلات بالرئيس الأوكراني.
علاوة على ذلك، وقعت جمعية المصدرين الأتراك عقداً مع مجموعة كيتشوم الاستشارية مقابل مبلغ غير معروف. وتتناقض مع هذه الأرقام نفقات ممارسة الضغط التي قام بها التحالف من أجل القيم المشتركة المرتبط بغولن إذ أنفق في الربع الأول من هذا العام أقل من 20 ألف دولار.
للاطلاع على النفقات الكاملة للحكومة التركية وحركة غولن على ممارسة الضغط في العام 2017 والمتوقعة لعام 2018، اضغط على الرابط التالي: 

والسؤال المطروح هنا، والذي تكون الإجابة عنه ذات قيمة كبرى، هو ما إذا كانت كل هذه النفقات قد حققت للحكومة التركية أو لحركة غولن النتائج السياسة المرجوة. 
يبدو أن الحكومة التركية تحقق بعض النجاحات الصغيرة، على الأرجح بفضل استراتيجيتها التي تحسنت كثيراً. 
قال سليم سازاك، المحلل والمرشح للدكتوراه في جامعة براون، لموقع أحوال تركية إن تركيا، بعد الأخطاء مع مايكل فلين، عكفت على تحسين استراتيجيتها للضغط واختيار الشركاء بشكل كبير. 
ويستشهد بحقيقة أن التهم أسقطت عن عدد من الحراس الشخصيين للرئيس التركي، الذين وجهت إليهم تهمة الاعتداء على المتظاهرين في دائرة شيريدان في واشنطن العاصمة أثناء زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان في العام الماضي، كدليل على أن تركيا لديها بعض النفوذ لدى هذه الإدارة.
وقال روبرت أمستردام، الذي طلبت منه تركيا على وجه التحديد الضغط على تمدد حركة غولن في الولايات المتحدة، لموقع أحوال تركية "بالتأكيد تشعر تركيا أنه في عهد أوباما لم يسمعهم أحد أبداً"، لكن أطرافا في الإدارة الحالية لا يمكنه ذكرها بالأسماء أكثر تقبلا لمقترحاتها.
ستيفن كوك، الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، أشار أيضا إلى أن نقاط الحوار للحكومة التركية قد حققت نجاحات، لا سيما بعد الانتخابات التي أجريت في 24 يونيو. وقد أعيد انتخاب الرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية. وحصل حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية على أغلبية في البرلمان في انتخابات أجريت في ظل ظروف لم تكن حرة ولا نزيهة.
وعلى الرغم من ذلك، استمر بعض المطلعين على بواطن الأمور السياسية والمحللين الذين ليسوا من الخبراء في الشؤون التركية بتصوير الانتخابات على أنها ديمقراطية.
عزا كوك هذا إلى أن تركيا تسير على خطى حركة غولن. وقال كوك لموقع أحوال تركية "أدهشني أن جهود الحكومة التركية للتأثير على النقاش في واشنطن تشبه الطريقة التي اتبعتها حركة غولن."
وقال كوك "غير أنه بدلاً من الجماعات المرتبطة بحركة الخدمة بالأسماء الحميدة الرنانة، يكون لديك منظمة التراث التركية واللجنة التوجيهية الوطنية الأميركية التركية وغيرها ممن يشجعون النخب وفي الوقت نفسه يتم طرح رسالة الحكومة التركية. لقد عرف متابعو تركيا جماعات غولن ويعرفون الجماعات التابعة للحكومة، لكن الأشخاص الذين لا يتابعون تركيا قد ينخدعون بالاعتقاد بأنهم يتعاملون فعلياً مع منظمات مستقلة."
قد يكون نائب الرئيس بنس، وهو هدف رئيسي للضغط من جانب تركيا من جميع الأطراف، منفتحاً أيضاً على وجهة نظر الحكومة التركية في بعض القضايا، حتى لو كانت قضية القس أندرو برانسون تشغل حيزاً كبيراً. 
عاش برانسون ورأس طائفة دينية في مدينة إزمير التركية لعشرات السنين. وبعد محاولة الانقلاب، واجه اتهامات بأنه عضو في حركة غولن وتم سجنه لما يربو على عام ونصف العام. وبنس، مثل برانسون، مسيحي إنجيلي مخلص، ودعا بنس علناً إلى إطلاق سراح برانسون.
تعتقد أماندا سلوات، الزميلة البارزة في شؤون الولايات المتحدة وأوروبا في معهد بروكنجز، أن استمرار سجن برانسون لا يمنع إمكانية استمرار بنس في الاستماع والعمل مع الحكومة التركية. 
وقالت سلوات لموقع أحوال تركية "في حين أن ثمة إحباطاً بالتأكيد بسبب استمرار سجن برانسون، الذي أثاره بنس وترامب بشكل مباشر مع أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك، أعتقد أن هناك اعترافاً أيضاً بمصالح أخرى مع تركيا يجب على الولايات المتحدة مواصلة العمل بشأنها."
من ناحية أخرى، عانت تركيا من خسائر فادحة في العام ونصف العام المنصرم. الرحلة الإعلامية التي سهلتها مؤسسة آرساي ميديا كانت كارثة، فبدلاً من الجلوس مع الرئيس أردوغان كما جرى التعهد بذلك، شاهد الصحفيون عرضا قدمه رئيس بلدية أنقرة (السابق حاليا) المعروف بأنه غير متزن.
كان مؤتمر مجلس الأعمال التركي الأميركي في العام الماضي مسألة محرجة على ما يبدو، إذ أصر رئيسه في ذلك الوقت على معالجة تورطه في فضيحة فلين. وتأجل مؤتمر هذا العام ستة أشهر لأن مجلس الأعمال يشعر بالقلق من احتمال تراجع الحضور ونظراً لحقيقة أن متعهدي الدفاع في الولايات المتحدة يمتنعون عن البحث عن استثمارات جديدة في تركيا.
في قضية الالتفاف على العقوبات المتعلقة ببنك خلق، شهد رضا ضراب بأن الحكومة التركية، بما يشمل الرئيس أردوغان، وافقت على مخطط لمبادلة الذهب بمنتجات الطاقة الإيرانية. 
وأدت شهادته إلى الحكم بسجن محمد حقان عطا الله مدير بنك خلق لمدة 32 شهرا وقد تصدر اتهامات أخرى بحق آخرين متورطين في المخطط. ومن المرجح أيضا أن يواجه بنك خلق بعض أكبر الغرامات التي تفرضها الولايات المتحدة على أي بنك أجنبي.
تحدث أحد المحللين، وهو على دراية بتجمع المؤيدين لتركيا في الكونغرس، إلى موقع أحوال تركية شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مسموح له بالتعليق. وقال لأحوال تركية إن العاملين في أعضاء التجمع يشعرون بأن تركيا قد تخلت بشكل أساسي عن الرد على الروايات السلبية المحيطة بحكومتها، فعلى سبيل المثال لا تكلف نفسها عناء محاولة التصدي للسمعة السلبية للغاية التي اكتسبتها في العديد من الدوائر بعد اعتداء أعضاء من حاشية أردوغان على المتظاهرين. كما أشار إلى أن الكونغرس يتجه نحو فرض عقوبات على تركيا بسبب عدد من قضايا حقوق الإنسان.
وفي الأسبوع الماضي، صوت مجلس الشيوخ بالموافقة على منع نقل 100 طائرة من طراز إف-35 اشترتها تركيا من شركة لوكهيد مارتن. 
آرون شتاين، الزميل البارز في مجلس الأطلسي، قال لموقع أحوال تركية إن تركيا لم تستطع استعادة سمعتها. 
وقال شتاين "الكونغرس غاضب من سجن الأميركيين وأصبح برانسون قضية خطيرة للغاية في الكونغرس. بصراحة، بدأ التحول في مزاج الكونغرس مباشرة بعد الشجار في دائرة شيريدان. لقد أقحم الشجار السياسات الداخلية التركية في الفناء الخلفي للكونغرس الأميركي، وكان رد فعل الناس سلبياً للغاية."
كما أنه من غير المحتمل أن تحقق الحكومة التركية أحد أهدافها الأساسية، وهو تسليم فتح الله غولن، زعيم حركة غولن الذي يعيش حالياً في ولاية بنسلفانيا. 
جوشوا هندريك، الأستاذ بجامعة لويولا في ولاية ماريلاند والخبير في حركة غولن، قال لموقع أحوال تركية إنه لا يرى أن الولايات المتحدة ستسلم غولن أبداً. وأضاف "أن عبء توفير الدليل وفق معاهدات تسليم المجرمين كبير للغاية، وما زال الدليل (على تورطه في محاولة الانقلاب في العام 2016) غير مباشر". 
ويتفق على هذا الاستنتاج محللون مرموقون آخرون في تركيا ومسؤولون أمريكيون مطلعون على الوضع.

(سيتناول المقال التالي في هذه السلسلة مدى قوة ضغط حركة غولن في مواجهة رواية الحكومة التركية).


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: