أردوغان يعيد اقتصاد تركيا إلى أيام أزمة 2001

تزداد يومًا بعد يوم الشكوك حول وقوع تلاعب في الميزانيات العمومية للقطاع المصرفي والقطاع الخاص، الذين يعتبران من الركائز الأساسية للاقتصاد التركي، وسط التساؤلات الواردة حول مصداقية المعطيات التي تعلنها الحكومة والمؤسسات الرسمية ذات الصلة عن المؤشرات الاقتصادية، بدءًا من التضخم وانتهاءً بالتنمية. 
فقد دفع مؤخرًا كل من بنك "يابي كريدي" وشركة "شيشه جام" الرائدة في مجال صناعة الزجاج، فوائد قياسية لسندات خارجية، مما أكد صحة تلك الشكوك. ذلك لأن البنك رضي بدفع نسبة فائدة قدرها 8.25% لمستثمري السندات في مقابل دين خارجي لا يعد مبلغًا كبيرًا مثل 500 مليون دولار، في وقت تعطي البنوك في تركيا فائدة بنسبة 3% على حسابات الودائع بالعملات الأجنبية، وتقدم القروض بمعدل فائدة قدره 6%. وكذلك وافقت شركة شيشه جام التي تمتلك فائضًا من النقد الأجنبي يبلغ مئات الملايين من الدولارات، على دفع 7.25% سنوياً للدين البالغ 500 مليون دولار.
إلا أن نسبة الفوائد التي تدفعها هاتان المؤسستان لسداد ديونها الخارجية تتناقض بشكل كبير مع مشهدهما المالي الفوري الذي ينعكس على بيانات النظام المالي التركي. فعلى سبيل المثال، إذا وضعنا الأوراق المالية التي يمكن تحويلها فورًا إلى سيولة بالعملة الأجنبية جانبًا، فإن النظام المصرفي التركي قدم للقطاع الحقيقي قروضًا مقومة بالعملات الأجنبية بقيمة 180 مليار دولار. وفي مقابل ذلك بلغ مقدار مدخرات العملات الأجنبية الموجودة في البنوك 201 مليار دولار. وفي الأشهر الستة الماضية، زادت ودائع العملات الأجنبية بحوالي 33 مليار دولار، في حين ظل معدل نمو قروض العملات الأجنبية عند 19 مليار دولار فقط ليحقق النظام فائضًا من النقد الأجنبي.
وهذا يعني أن النظام المالي مليء بالعملات الأجنبية طبقًا للبيانات الرسمية. وبالفعل شهدت أسعار الفائدة على ودائع العملات الأجنبية انخفاضًا بقدر نقطتين ونصف في الأشهر الستة الماضية. وهذا يعني من ناحية البنوك تخفيض التكاليف بنسبة 40%.
وإذا أردنا أن ننظر من زاوية بنك يابي كيريدي، فإن هناك تساؤلات أخرى حول المجالات التي سيستخدم فيها البنك العملة الأجنبية باهظة الثمن التي حصل عليها من الخارج. بالطبع من الممكن أن يكون البنك قد اقترض مع هذا القدر من الفائدة من أجل سداد ديونه السابقة، لكن كان بإمكانه سداد القرض والتخلص منه تمامًا. لأن النظام المصرفي يعتمد على عمليات الاقتراض والإقراض في الأساس، ويقوم على العثور على موارد رخيصة وبيعها بأسعار أعلى.
وعلى هذا فإن سؤال: "أين سيستخدم بنك يابي كيريدي هذا القرض؟" يظل مشكلة. لأن السلطات حظرت بعد أزمة 2001 الاقتصادية على البنوك التركية تحويل قروض العملات الأجنبية إلى عملة محلية. وبمعنى آخر، فإن إمكانية موازنة الفوائد بتحويل القروض المقومة بالعملات الأجنبية من الخارج إلى الليرة التركية محدودة للغاية. فالبنوك التي تقترض بالعملات الأجنبية تقدم للشركات قروضًا بالعملة الأجنبية أيضًا. لكن الطلب على قروض بالعملات الأجنبية في تركيا يشهد تراجعًا منذ وقت طويل بسبب الركود الاقتصادي. لذا تتزايد القروض ونصف الودائع بالعملات الأجنبية في البنوك بسرعة كبيرة. وهذا يرجع إلى حد كبير إلى إحجام القطاع الحقيقي عن الاستثمار واستخدام الائتمان بسبب الركود في الاقتصاد.
فضلاً عن أنه من المستحيل أن يعلن البنك، رسميًّا على أقل تقدير، أنه سيستخدم هذا الائتمان الغالي في سد العجز النقدي النابع من مشاكل سداد قروض البنك السابقة. ذلك لأنه طبقًا للميزانية العمومية المجمّعة للقطاع المصرفي، التي تنشرها وكالة التنظيم والرقابة المصرفية التركية كل يوم تقريبًا، فإن نسبة القروض المتعثرة منخفضة للغاية بشكل مفاجئ بحيث لا يتجاوز 0.6%.
على الرغم من أن سعر الدولار ارتفع أكثر من 40% خلال عام واحد، وزاد تعثر القروض الرسمية المقومة بالعملة التركية بنسبة 7%، بسبب الصدمات الاقتصادية، إلا أن القروض المقومة بالعملات الأجنبية لم تتعرض لأي تعثّر يذكر. أما نسبة قروض بنك يابي كيريدي المتعثرة فهي كذلك ليست أعلى من هذا المتوسط.
وإذا أردنا لَمْلمة الموضوع، فإن المنطق الاقتصادي من الصعوبة بمكان أن يستوعب ويفسّر مبادرة البنوك والمؤسسات إلى الاقتراض الخارجي مقابل فوائد قياسية في ظل هذه السيولة المريحة للغاية للعملات الأجنبية، وعدم وجود أي مشاكل رسمية تعاني منها البنوك.   
هذا الوضع الذي لا يمكن تفسيره على أساس منطقي يقودنا إلى الشكوك التي أثارتها أولاً وكالة فيتش للتصنيف الائتمانى، ثم أعادتها للأذهان مجددًا وكالتا موديز وستاندارد آند بورز في الأسابيع القليلة الماضية. حيث لفتت كل من الوكالات الثلاث إلى أن النظام المصرفي والدولة / الحكومة في تركيا ليست لديهما شفافة بما فيه الكفاية في شأن القروض المتعثرة. وإذا نظرنا من خلال هذا المنطق فإنه يمكن لنا أن نكشف الحقيقة التي تكمن وراء اقتراض بنك يابي كيريدي بفائدة مرتفعة للغاية.
فنظرًا لأن نسبة القروض المتعثرة كانت أكثر مما أظهرته في الميزانية العمومية، فقد اضطر البنك إلى اقتراض خارجي ودفع فوائد مرتفعة من أجل سدّ العجز الناشئ في صرف العملات الأجنبية. وهذه الحقيقة تشير في الوقت ذاته إلى وجود مشكلة في سيولة العملات الأجنبية، ليس في بنك يابي كيريدي فحسب، بل في النظام المصرفي كله، بشكل مختلف عمّا يظهر في المعطيات المعلنة.
بالطبع، هذا الوضع يشكل جريمة، بالإضافة إلى أنه يخلق شبهات حول وجود معطيات مزورة تهزّ على الساحة الدولية ثقة ومصداقية تركيا ومؤسساتها المعنية كوكالة التنظيم والرقابة المصرفية وليس بنك يابي كيريدي فقط. 
من ناحية أخرى، يزخر تاريخ تركيا الحديث بهذا النوع من جرائم التلاعب بالبيانات الرسمية. فعلى سبيل المثال، فقد أفلست العديد من الشركات المملوكة للقطاع العام بصورة مفاجئة أثناء أزمة عام 2001، رغم صدور تقارير إيجابية عنها من مجلس إدارة السوق، وتبين بعد خضوع تلك الشركات لتفتيش المؤسسات العامة المعنية وجود عمليات تلاعب في المعطيات.
وظهر أثناء أزمة 2001 أيضًا أن بعض البنوك مثل بنك "إعمار"، قام ببيع سندات الخزينة عندما كان يمارس أنشطته تحت رقابتها، مع أنه لا يتمتع بمثل هذه الصلاحية، وكذلك قام بحساب ميزانيته العمومية بواسطة نظام محاسبة مستنسخ. وقد ظهر في هذا البنك فقط عجز حوالي 6 مليارات دولار.   
من المعلوم أن المكلّفين بأداء الضرائب في تركيا دفعوا ثمنًا باهظًا كـ50 مليار دولار، جراء أزمة عام 2001 التي تمخّضت عن مشاكل عديدة، في مقدمتها التلاعب في البيانات. وهل يرتكب نظام أردوغان حاليًّا الأخطاء ذاتها أم أن هذه الشكوك لا أساس لها من الصحة؟ ومع أن السلطات كانت تعهدت عقب أزمة 2001 بعدم تكرار مثل تلك الأخطاء مرة أخرى، إلا أن الأيام القادمة هي التي ستكشف عما إذا كانت الحكومة الحالية والمؤسسات ذات الصلة صدقت عهدها أم لا.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/imar-bankasi-modeli-hortladi-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.