أردوغان يغير حلفاءه بعد غرق تركيا في أزمات مزمنة

كيف ستكون خارطة الطريق الجديدة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان؟ هذا هو السؤال الذي يشغل المراقبين منذ أن حولت الانتخابات المحلية المشهد السياسي التركي الصعب دائماً إلى مباراة شطرنج عويصة، مصحوبة بتنافر من جميع الأطراف.
لقد مر شهر تقريباً على إجراء الانتخابات وما زال مصير رئاسة بلدية إسطنبول غير واضح. يتعرض أعضاء المجلس الأعلى للانتخابات البالغ عددهم 11 عضواً لضغوط شديدة من كتلة الائتلاف الحاكم لحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان وحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي. من غير المرجح أن يكون القرار النهائي للمجلس الأعلى للانتخابات مقبولاً من جميع الأطراف.
يجعل أردوغان كل الأطراف الفاعلة والمراقبين في حالة تشويق. نظراً لأنه لا يزال بارعاً في التكتيك، باستراتيجيته المتمثلة في حكم الرجل الواحد مدى الحياة، فإن هذا الانتظار الطويل أمر طبيعي. إنه يقف أمام نقطة تحول مهمة ويجب أن يكون اختياره هو الذي يخدم مصالحه الخاصة، أولاً وقبل كل شيء. لا يستطيع تحمل رؤية سلطته تضعف، ناهيك عن الانهيار.
ولا بد من النظر إلى عبارته الجديدة والغامضة "تحالف تركيا"، التي تجري مناقشتها بشكل مكثف، في هذا السياق. في خطاب ألقاه أمام نقابة عمال ميمور - سين بعد أيام من الانتخابات، قال أردوغان: "لقد حان الوقت لتهدئة الأجواء وللمصافحة والعناق وتعزيز وحدتنا وتكاملنا".
وتابع قائلاً: "فيما يتعلق بالاستمرار الوطني، يجب أن نضع خلافاتنا السياسية جانباً وأن نتعاون سوياً، كل الاثنين وثمانين مليوناً، بوصفنا (تحالف تركيا)".
لقد أزعج هذا المصطلح بهجلي، الذي قال: "ما يهم ليس (تحالف تركيا) بل بالأحرى تحالف الشعب".
وقد أدى ذلك إلى وصول حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، اللذين اعتادا أن يطلقا على نفسهما "قضية مشتركة من أجل استمرار البلاد"، إلى نقطة الانهيار.
ثمة اضطرابات داخلية في حزب العدالة والتنمية، الذي اهتز بنتائج الانتخابات أكثر من أردوغان.
لكن ماذا يقصد أردوغان "بتحالف تركيا"؟ الجواب بسيط: بعد أن أدرك أن تركيا ستغرق أكثر في أزمتها المزمنة، التي تشهد أيضاً سقوطاً اقتصادياً حراً، تحول أردوغان، مرة أخرى، إلى أسلوب "تغيير الحلفاء".
وهو الآن يتطلع إلى حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري العلماني وشريكه القومي في المعارضة، الحزب الصالح، كشريكين محتملين.
من الواضح إلى حد ما أنه يبدو وكأنه يفكر في حكومة وحدة وطنية، والتي إذا لم ينسحب منها حزب الحركة القومية بسبب الغضب، فإنها ستشمل أربعة أحزاب - أو ثلاثة - وتستمر في الحكم. يستثني هذا المشروع بشكل طبيعي الحزب المنبوذ في السياسة التركية ألا وهو حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد.
نمط التحركات البارعة من قبل أردوغان معروف: إنه يطرح بعض الأفكار، ويسمح لدوائره المقربة وكذلك كُتابه الأوفياء بالمناقشة ويختبر الموقف. يبدو أن تأجيل الحكم الصادر عن المجلس الأعلى للانتخابات بشأن إسطنبول يهدف إلى إعطائه الوقت الثمين الذي يحتاجه.
هذا بالتحديد ما يحدث. مع استمرار عملية الشكاوى بشأن إسطنبول ومع استمرار تلاشي الحماس السابق لدى كتلة المعارضة، فإن أردوغان يتلقى المساعدة بتغيرات الحالة المزاجية.
فيما يتعلق بهذا، هناك فيما يبدو مذكرة من 12 نقطة، يُزعم أن كوادره الموالية في حزب العدالة والتنمية كتبتها، قد بدأ تداولها. النص المسرب عبارة عن مجموعة من الحجج بشأن كيف تتعرض "تركيا للهجوم" - على الاقتصاد والسياسة الخارجية والمقاومة الكردية - ولماذا تحتاج البلاد إلى وحدة و"قيادة قوية وموحدة". وتخلص إلى أن "الزعيم" يجب أن يتلقى التأييد بأي وسيلة ضرورية.
وتعرض أردوغان لهزيمة في المدن الكبرى بالأصوات الكردية التكتيكية، وخسر الأصوات لصالح كتلة المعارضة المنتمية إلى الوسط، لكنه خسر أيضاً في أماكن أخرى لصالح الأحزاب القومية الصاعدة. أدرك أن شريكه، حزب الحركة القومية، فاز في الوقت الذي تراجع فيه حزب العدالة والتنمية.
ومع اقتراب العاصفة المثالية في الاقتصاد ولأنه فقد كل المصداقية في الدوائر المالية والسياسية الدولية، يدرك أردوغان أنه دون تقديم التعاون - مقاعد في حكومته للمعارضة الرئيسية - يواجه تهديدات أسوأ بكثير لسلطته. بالطبع، كما يوحي أسلوبه في السنوات السبعة عشر الماضية من الحكم، فقد استخدم حزب الشعب الجمهوري وأساء معاملته وتخلص منه.
وهذا ما يفسر غضب بهجلي والتردد داخل حزب الشعب الجمهوري. ثمة تقارير من مصادر موثوقة تفيد بوجود محادثات عبر قنوات خلفية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري، لكن ما سيفعله الأخير غير واضح.
وفي حين أن "التحالف الكبير" قد دخل على جدول الأعمال كمصطلح جديد، وذلك بفضل "تحالف تركيا"، فإن الشكوك في معركة السلطة وإمكانية إعادة توزيعها أقوى بكثير من أي انفتاح مرئي.
سيكون شهر مايو أكثر توتراً، وربما أكثر عنفاً من ذي قبل. هل يختار أردوغان الطريقة الصعبة أم الطريقة الأكثر ليونة؟ سوف نرى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/erdogan-between-rock-and-hard-place
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.