غوكهان باجيك
يونيو 26 2018

أردوغان يقود أسلمة المجتمع واستبداد الدولة

لا بد أن نشدد في البداية على نتيجتين مهمتين أسفرت عنهما الانتخابات النيابية والرئاسية المبكرة التي شهدتها تركيا، يوم الأحد، 24 يونيو.
أولهما أن رجب طيب أردوغان تم انتخابه كأول رئيس تركي يحظى بسلطة تنفيذية مطلقة. وثانيهما أن النجاح الذي حققه هذا الرجل ما كان له أن يحققه لولا الدعم الذي تلقاه من حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي.
كما لا ننسى أن حزب العدالة والتنمية كحزب منفرد خارج "تحالف الشعب"، حصل على 42.5 في المئة من إجمالي الأصوات المشاركة بالانتخابات. وهذا يعني أن نسبة التصويت لهذا الحزب انخفضت بمقدار 7 نقاط تقريبًا مقارنة بالانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد عام 2015.
وبالتالي فإنه نتيجة هذا الانتصار الذي تحقق بفضل حزب الحركة القومية، تقتضي أن يتم التعامل مع هذا الحزب كـ"شريك مساوٍ" للعدالة والتنمية على أقل تقدير، وليس كـ"شريك صغير".
وعلينا أن نقبل بحقيقة مفادها أنه ما لم يتفكك هذا الائتلاف بين الحزبين، فإنه ستكون هناك ديناميكية جديدة كفيلة بتشكيل ثقافة سياسية جديدة في تركيا. فلا شك أن اتجاهين إيديولوجيين قويين مثل الإسلام الشعبي، والقومية، من شأنهما التأثير بشكل كبير على المجتمع التركي، بعد تأثير مماثل له على الدولة كمؤسسات. 
وإذا استعرضنا تاريخ تركيا السياسي، سيتضح لنا أن هذا الأمر ليس بالجديد على البلاد. فمنذ البداية الأولى للعمل السياسي في البلاد، والتيار الإسلامي والقومية هما البديلان المحببان للتيار الكمالي اليساري التقليدي. وفي نهاية المطاف نجح هذان المعسكران الإيديولوجيان في الاستئثار بالحكم بشكل كامل في ضوء انتخابات الأحد.
ومن المؤكد أيضًا أن التحالف الانتخابي الذي أقامه أردوغان مع حزب الحركة القومية قد حقق نتائجه بنجاح أكثر من المتوقع والمأمول. والنقطة المحورية في هذه النتيجة، تبدو وكأن أردغان كان يقول لأنصار حزبه قبل الانتخابات "إن لم تكونوا ممتنين من حزبي، يمكنكم التعبير عن ردة فعلكم وغضبكم من خلال التصويت لحزب الحركة القومية".
وبعبارة أخرى يمكننا القول إن حزب الحركة القومية نجح من خلال الشراكة التي خاضها مع حزب العدالة والتنمية، في الحفاظ على التغير الذي طرأ في نسب التصويت، داخل نفس الكتلة.

أردوغان

كما أن هناك كتلة من الناخبين تشكلت في ضوء اختياراتها السياسية التي تتأرجح بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية. ويوجد عدد كبير داخل هذه الكتلة يرى الحركة القومية حزبًا برلمانيًا، بينما اختار أردوغان في الانتخابات الأخيرة كرئيس للجمهورية.
في السياق ذاته يمكننا أن نقول إن الأشياء التي ستشكل قلقًا لائتلاف العدالة والتنمية والحركة القومية، هي تلك الخطوات التي سيتم اتخاذها بشأن القضية الكردية. لكن النقطة التي ستسهل الأمر على العدالة والتنمية في هذا الصدد، هي الموقف الذي تبناه الناخب الكردي في الانتخابات الأخيرة. إذ أن الناخبين الأكراد لم يعلنوا دعمهم الكامل والمطلق لحزب الشعوب الديمقراطي. فهذا الحزب ما تجاوز العتبة الانتخابية إلا بالأصوات التي جاءته من حزب الشعب الجمهوري زعيم المعارضة التركية.
وكما تعلمون فإن حزب الشعوب الديمقراطي، دخل الانتخابات الأخيرة في ظل حصار مفروض عليه من الدولة التركية. ونجاحه رغم ذلك في تجاوز العتبة الانتخابية التي تقدر بنسبة 10 في المئة، نجاح كبير لا يمكننا أن نغفله هنا. غير أن الترجيحات التي عرضها الناخب الكردي، تبين لأردوغان أن حزب الحركة القومية قد يصعب الأوضاع على حزب الشعوب الديمقراطي.
وطالما استمر التحالف بين الحركة القومية والعدالة والتنمية دون أي خلل، فإن شكل السلطة الجديدة الذي يقوم على ائتلاف برلماني بزعامة أردوغان مع الحزب الأول، لا شك سيعيد تعريف تركيا ثقافيا وإيديولوجيًا، أي أن الأمر لن يكون قاصرًا على مجرد إدارة البلاد.
ومن كل ما استعرضناه أعلاه يمكننا القول إننا بتنا الآن أمام تكتل لسلطة مهيمنة. هذا التكتل سيرغب في إعادة رسم الحياة في تركيا بداية من التعليم، وحتى الحياة اليومية للمواطنين، وفق نظرته الإيولوجية هو كتكتل. نفس التكتل الحاكم، لن يكتفي بمجرد البحث عن طرق لخفض أسعار البطاطس في البلاد، بل سيتجه لتجربة إنشاء نظام حكم ثقافي وإيديولوجي جديد.
وعلينا في ذات السياق أن نؤكد على أن أردوغان يمتلك – إن أراد – إمكانية لتأسيس نظام سياسي كمؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، وكذلك إمكانية تأسيس مشروع مجتمعي قائم على النتائج الطبيعية لهذا.
ومن الواضح أن أكثر من نصف السكان يريدون الخروج من ربقة القوانين السياسية والاجتماعية العلمانية - الكمالية التقليدية. وبدلاً من ذلك، يريدون تأسيس قوانين سياسية اجتماعية تعكس في مجملها المزيد من الثقافات الأناضولية الإسلامية والشعبية.
وبذلك يمكننا القول إنه اعتبارًا من الأمس انتهى مشروع تركيا الذي تم رسمه من خلال النخب التنويرية الغربية على مدار قرنين من الزمان. ومن الآن فصاعدًا سنبدأ نتابع مشروعًا آخرًا ستضعه النخب الإسلامية، وسنرى كذلك الجهات التي سيتشابه معها هذا المشروع.
وفي ضوء هذه التغيرات سنشاهد نماذج وأنماطا تعكسها شخصيات إسلامية لتحل محل تلك النماذج التي دأبنا على مشاهدتها في كافة مناحي المجتمع من معلمين، وقضاة، وضباط.
يمكننا أن نرى بعد 5 سنوات نظامًا إسلاميًا استبداديًا يتداخل فيه الحزب مع الدولة.  كما أن النخب الإسلامية التي ترى أن المخاطر السياسية التي تستهدفها قد تقصلت، يمكن أن ترسم نظامًا أكثر عقلانية. فقط علينا أن ننتظر بعض الوقت حتى نرى بأعيننا كافة هذه التغيرات.
وعلينا ألا ننسى أن الفلسفة التي تأسست عليها الجمهورية التركية، لم تعد الكمالية، بل أصبح الإسلام هو تلك الفلسفة. ومن المثير للاهتمام أن الحزب الذي لديه القدرة على موازنة هذا الاتجاه من الأسلمة الآن، هو حزب الحركة القومية. ولا شك أنه إذا لم يتم تشويه ائتلافه مع العدالة والتنمية، فإن الحزب المذكور سيجري بعض التعديلات الدقيقة، بينما سيحدد حزب العدالة والتنمية الاستراتيجية الشاملة العامة للائتلاف. وهذه التعديلات الدقيقة، ستكون عاملًا مهمًا للغاية في العديد من الموضوعات، مثل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والقضية الكردية، وأسلمة التعليم في البلاد.
وحري بنا في هذا المقام أن نقول إن تركيا باتت تحت تأثير قومي مكثف. غير أن هذا التأثير ليس للقومية العلمانية، بل لقومية أناضولية قريبة الشبه من الموضوعات الدينية.
ورغم أن النسبة التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في انتخابات يوم الأحد، والتي تقدر بـ 42.5 في المئة، قليلة مقارنة بالانتخابات السابقة، إلا أن الأمر بشكل عام يسجل على أنه نجاح للحزب المستمر في السلطة من 16 عامًا. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه الآن هو: لماذا الإصرار من كتلة معينة على هذا الحزب طيلة هذه الفترة؟ علينا أن نفكر في هذا السؤال على أن الإجابة عنه ستعتمد في الأساس على أسباب مادية ومعنوية. وهذا ما يمكننا استعراضه على النحو التالي:
أولًا يمكننا القول إن هذه الكتلة تبدو ممتنة وسعيدة وراضية عن النتائج الاقتصادية للسياسة العامة التي يتبعها حزب العدالة والتنمية. وفي نفس السياق، تقر هذه الكتلة بأن حزب العدالة والتنمية لا يستطيع حل بعض المشاكل، لكنها غير مقتنعة في ذات الوقت بأنه لا يوجد أي حزب آخر غيره سينجح في ذلك.
ثانيًا، هذه الكتلة موجودة الآن ضمن مجموعة إسلامية كبيرة موحدة إيديولوجيًا. وبالتالي لا يمكن أن تتخلى هذه المجموعة الأساسية عن العدالة والتنمية مهما بدر منه. والسبب بسيط للغاية، وهو أنه يقبل بأنه لا يمكن أن يكون هناك حزب آخر غير هذا الحزب لديه القدرة على تمثيل الإسلام السياسي.
الشيء الذي فمهناه من خلال نتائج الانتخابات، هو أن المنافس الذي بات يواجه حزب العدالة والتنمية، لم تعد الأحزاب السياسية التقليدية، بل المشكلات التي تعيشها تركيا على أرض الواقع. هذا هو التحدي الأكبر أمام الحزب. لكن ثمة نقطة مهمة في هذا الصدد، وهي أن العدالة والتنمية بالنظام الجديد الذي يسعى لتأسيسه، لديه القدرة على حل هذه المشكلات التي تحدثنا عنها.
ورغم أن العدالة والتنمية يبذل قصارى جهده من أجل تأسيس النظام الجديد، وحل مشكلات تركيا التي تعتبر أكبر معوق له، فإنه لا شك سيصطدم بعدد من المشكلات التي ستواجهه.
ومن المحتمل بشكل كبير، أن يعلن حزب العدالة والتنمية أن مسألة تأسيس نظام جديد تعتبر الهدف الأول له كحزب، لكن الحزب سيضطر أحيانًا للانحراف عن هذه الأجندة حتى يتسنى له حل بعض المعضلات الاقتصادية، وغيرها من المشكلات الأخرى. 
وخلاصة القول يمكننا التأكيد على أن النظام الذي أسفرت عنه انتخابات 2018، يبين أنه لم تعد في تركيا أية قوة أخرى يمكنها أن تحفظ التوازن ضد حزبي الحركة القومية، والعدالة والتنمية.
فنتائج الانتخابات تشبه حتمًا قواعد الفيزياء. فسواء قبلت بها أم لم تقبل فمن المؤكد أنها ستربطنا وتؤثر علينا. وأعتقد أن أكثر شخص يمكنه فهم هذا وإدراكه، هو محرم إينجه، المرشح الرئاسي عن حزب الشعب الجمهوري، لأنه مدرس فيزياء يعرف طبيعة هذه المادة.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: