أوليفر رايت
سبتمبر 24 2018

أردوغان يقود الاقتصاد التركي نحو نفق مظلم

"يمكنك أن تخدع كل الناس بعض الوقت ويمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، لكن ليس بمقدورك أن تخدع كل الناس كل الوقت."

يتألم الأتراك مع هبوب العاصفة الاقتصادية أخيرا بعد طول انتظار. عاصفة لها تبعات، لعل بينها تهديد مستوى التأييد الذي يتمتع به الرئيس رجب طيب أردوغان.
يسعى أردوغان وجوقته في وسائل الإعلام، التي تخضع بصورة كبيرة لسيطرة الحكومة، لإبعاد المسؤولية عن أنفسهم في هذا الوضع الاقتصادي المزري.
ولتحقيق هذه الغاية، ضاعفت الأصوات الموالية للنظام حديثها المكرر الذي لا تعرف غيره عن تصوير تركيا باعتبارها نجما صاعدا في سماء العالم يثير بريقه المنتظر قلق المنافسين والخصوم فيحاولون إجهاض نهضته.
أحدث أهداف سلاح مدفعية إعلام النظام هي الولايات المتحدة، التي تُرمى بعدد كبير من الاتهامات، بينها شن حرب اقتصادية ضد تركيا.
وبغض النظر عن مدى واقعية مثل هذه التأكيدات الإعلامية، فإنها تخدم الغرض الذي يساعد على إبقاء مستوى التأييد بين أنصار أردوغان مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
لكن الترويج لهذه الدعاية أصبح أمرا غير ذي جدوى.
فالاقتصاد التركي يقوم على الاستثمارات الأجنبية، وأكثر التمويل اللازم يأتي من الولايات المتحدة وأوروبا، التي تمثل بدورها هدفا آخر لإعلام أردوغان.
على مدى سنوات، استطاع أردوغان الإفلات بهذه الممارسات لأن المستثمرين اعتبروا حديثه، طيلة الوقت، للاستهلاك المحلي، وظنوا أنه لا يعكس حقيقة معتقداته.
لكن هذا تغير، خاصة منذ اجتماع استضافته لندن بين أردوغان ومستثمرين في مايو من العام الجاري، وهو حدث عصف بمصداقية أردوغان في الدوائر الاقتصادية.
السبب بكل أسف أن الجهات الممولة بدأت تنظر بقلق إلى التصريحات الاقتصادية الحادة الخاصة بخفض الفائدة ثم عزل مهندس الاقتصاد محمد شيمشك وتعيين صهر الرئيس بدلا منه.
في أعقاب ذلك، أصبح المستثمرون أكثر ترددا في وضع أي استثمارات في تركيا، وهو أمر ساهم في تسارع وتيرة التراجع الاقتصادي.
لكن أردوغان وهو يتابع تعثر سفينة الاقتصاد التركي، قد أصدر سيلا من التفسيرات الباعثة على الانقسام بفحواها التآمري. سبب آخر دفع بعيدا رأس المال الغربي.
يتفاقم الموقف كجبل جليد، فالمشاكل الاقتصادية المتعاظمة تولّد المزيد من النظريات التآمرية العدائية، التي تتسبب بدورها في مزيد من التآكل في الاقتصاد.
لا يمكن لأحد الجزم بالفترة التي يمكن لهذا الوضع خلالها أن يستمر. وعلى أردوغان ومستشاريه أن يعرفوا ما الذي يجري.
ولعلهم على الأرجح واعون لأن مساعيهم، وقوامها العمل على تقليص الاعتماد على التمويل الغربي على المدى البعيد من خلال ضمان مصادر استثمار بديلة والترويج لنموذج اقتصادي يقوم على الاكتفاء الذاتي، لا تعمل بالسرعة الكافية لإنقاذ الموقف المتأزم.
لا يبدو كذلك، على الأرجح، أن الاستراتيجية قصيرة الأمد بالتودد إلى أوروبا ستؤتي ثمارها. فمصداقية تركيا تعرضت لضربة قاصمة.
الحكومات الغربية لم تنس مواقف في السنة الماضية تم فيها تصويرها باعتبارها عدوة لتركيا.
المستثمرين كذلك لا يثقون في بلد تم فيه تفتيت سيادة القانون مع كل خطوة يقطعها أردوغان على طريق تعزيز قبضته على السلطة.
كل هذا ينذر بشتاء قارس طويل في تركيا.
بالنسبة لأردوغان، لا سبيل لعبور الكارثة، لسبب رئيسي وهو تصوير ما ينفع أردوغان باعتباره نافعا لتركيا نفسها.
في الماضي، رسم أردوغان لنفسه صورة القادر على الإتيان بمناورات براجماتية في مواقف عديدة، آخرها تودده إلى الاتحاد الأوروبي رغم أنه وصف بعض قادته، قبل فترة ليست بالطويلة، بأنهم "بقايا النازية."
يقدم الرجل نفسه كذلك كقائد يملك القدرة على القيام بمناورة مماثلة في القضايا العالقة حاليا مع الولايات المتحدة. 
في المقابل، تلعب وسائل الإعلام التركية بمهارة على الذاكرة الشعبية الضعيفة، من خلال تقديم خيارات لتغذية الجمهور المحلي حبيس نظريات الكذب.
لكن مشاكل تركيا الاقتصادية متجذرة، والإصلاحات اللازمة لإعادة البلاد إلى المسار الصحيح ستكون مؤلمة وطويلة. ومثل هذا المنهج سيجرد أردوغان من الدعم والتأييد، وسيتركه عاجزا عن تحقيق كثير من النتائج الملموسة.
بديل هذا ببساطة هو ترك الاقتصاد ليحترق، والاستمرار في توجيه اللوم لآخرين، ومرة أخرى، الوثوق بوسائل الإعلام للترويج لهذه الأفكار للعامة.
وإن لم تؤت هذه الطريقة ثمارها، فهناك دوما خيار شيطنة كل من يعارض دون النظر لسجله الموالي، وهي استراتيجية أخرى مجربة.
فللشرطة التركية سجل حافل في ممارسة القمع ضد المعارضين في الشوارع.
ولأن أردوغان يؤمن على ما يبدو بالنظريات المثيرة التي يبثها إعلامه، فإن لهذا المنهج فائدة في تأكيد صورته كرجل صادق لا يهاب المخاطر يقود شعبا مسلما يتحرك بناء على قناعاته هو.
قد يفشل أردوغان أيضا في التعامل مع تبعات مثل هذا التحرك، حتى وهي جلية للعيان. فالرجل معزول في قصره تحيط به سلسلة من الطبقات المتسلسلة والمستشارين الذين يخدمون بلا وعي، ربما أكثر منه.
ومع تفاقم الأزمة وازدياد حدة الألم، سيسعى المستشارون والمحيطون بأردوغان لضمان أن تكون الرسائل التي تمر عبر الدائرة المقربة من عينة أصوات مواطنين يقولون إنهم يعتبرون المصاعب الاقتصادية أمرا يستحق المعاناة.
كل هذه المقدمات تقودنا إلى ضآلة فرص أردوغان في قيادة مرحلة تعافٍ حقيقية للاقتصاد التركي.
فالرجل قليل الحيلة، منفصل عن الزمن، والأهم، أن القطار قد فاته بالفعل.
وفوق كل هذا، فإننا نجد أن أردوغان بشخصه هو المتسبب في هذه الفوضى، لذا ليس من المرجح أن يتمكن من التغلب عليها.
لن تجد من أحد يصدق أنه قادر على عبور الأزمة إلا الحمقى، وكذلك الموالين المخلصين من أصحاب الألسنة الساخرة الذي ينتفعون من الوضع الحالي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/turkeys-economy-dead-end-under-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.