نوفمبر 08 2017

أردوغان يلعب "دبلوماسية الرهائن" .. على ترامب فرض "سيادة القانون"

في زخم العلاقات المتوترة بين تركيا والولايات المتحدة، بدأ رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم زيارة لواشنطن لعقد اجتماع مع نائب الرئيس الأميركي مايك بينس. ويتم إدراج بعض القضايا محور النزاع، مثل تعليق تأشيرات السفر والإرهاب وبعض الدعاوى القضائية الأخرى، على طاولة الاجتماع.

وتدعو أماندا سلوت من مركز "آش" في مدرسة هارفرد كيندي لضرورة التمسك بمبدأ "سيادة القانون" وان يتحكم في مسار هذا الاجتماع.

يوسع هذا الاجتماع، المخطط له منذ فترة طويلة والذي أعقب أول لقاء بينهما في فبراير الماضي في ميونيخ، من المشاركة الفعالة بين الدولتين خارج إطار اجتماعات الرؤساء المباشرة. يأتي هذا بعد زيارة الرئيس التركي للولايات المتحدة في شهر مايو الماضي للاجتماع مع الرئيس الأميركي والتي شابها شجار نشب بين محتجين وأفراد حراسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما أسفر عن إصابة 11 شخصاً. 

تولى يلدريم، حليف أردوغان لأكثر من عقدين والمشارك في تأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، منصبه في مايو 2016؛ بعد إعلان استفتاء التعديلات الدستورية الذي حدث في نفس العام. ثم استقال يلدريم من منصبه كرئيس لحزب العدالة والتنمية وانتُخب أردوغان ليحل محله.

وتقول أماندا سلوت في مقال لها في الفورين بوليسي انه يتعين على يلدريم وبينس، الشخصيتان المقربتان لرؤسائهم، عقد اجتماعاً يتم فيه مناقشة هذه المواضيع الهامة بشكل سياسي وموضوعي. ومن ضمن أهم الشؤون التي سيتم مناقشتها على طاولة الاجتماع، هي مسألة "التعليق المتبادل لإصدار تأشيرات السفر للمواطنين في كلتا الدولتين".

جاء قرار وقف إصدار تأشيرات السفر من قبل الولايات المتحدة في أعقاب اعتقال اثنين من الموظفين الأتراك الذين يعملون بالقنصليات الأميركية في تركيا؛ أحدهما في مدينة أضنة بزعم صلته بجماعات الأكراد الإرهابية والآخر في اسطنبول بزعم صلته بفتح الله غولن، رجل الدين القائم بالولايات المتحدة والمتهم من قبل الحكومة التركية بالتخطيط لمحاولة الانقلاب في يوليو 2016.

ومن ثم اتخذت الحكومة التركية تدابير متبادلة لوقف إصدار تأشيرات السفر رداً على ذلك. وفي الوقت الذي تنظر فيه تركيا إلى الأمر على أنه "نزاع على تأشيرات السفر"، إلا أن واشنطن تصف القضية بأنها مسألة "التزام حكومة تركيا بأمن منشآت البعثات الأميركية وموظفيها". وبينما تحرص الحكومتان على إلغاء هذا التعليق ومعاودة تسهيل إجراءات السفر مرة أخرى، تسعى الولايات المتحدة في نفس الوقت للحصول على أدلة اعتقال موظفي منشآتها والحصول أيضاً على تأكيدات بشأن سلامة البعثة.

وبعد إجراء محادثة هاتفية في نهاية الأسبوع الماضي بين كل من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو أعلنت الولايات المتحدة يوم الاثنين الماضي إعادة فتح خدمات التأشيرات ولكن في نطاق محدود. جاء في بيان السفارة الأميركية أن هذا القرار صدر بعد حصول الولايات المتحدة على تأكيدات أولية من قبل الحكومة التركية بعدم إخضاع أي موظفين آخرين للتحقيق، غير أنها أعربت عن قلقها المستمر إزاء القضايا القائمة ضد الموظفين المحليين والمواطنين الأميركيين.

وتبرر الحكومة التركية هذه الاعتقالات بسبب التهديدات التي يتعرض لها الأمن الوطني التركي، وهي فتح الله غولن والأكراد. فعلى الصعيد الأول، فرضت تركيا حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 وبدأت في القبض على المشتبه بأنهم متورطون في التخطيط للانقلاب أو بأنهم من مؤيدي حركة فتح الله غولن. وقد دعت أنقرة مراراً وتكراراً الولايات المتحدة لتسليم غولن، على الرغم من أنها لم تقدم أدلة كافية تفيد مسؤوليته عن التخطيط لهذا الانقلاب.

وعلى صعيد آخر، حاربت الحكومة التركية لعقود حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره المنظمة الإرهابية الكردية المحلية. وازدادت تعقيدات المسألة الكردية في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد أن قدمت الولايات المتحدة الدعم العسكري إلى فصيل من الأكراد السوريين التابعين لحزب العمال الكردستاني في معركتهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لذلك فإن تركيا لديها بعض الاعتبارات القانونية بشأن القضيتين اللتين ينبغي مواصلة مناقشتهما على صعيد المستويات العليا.

بيد أن هذه الاعتقالات تنبع من مشكلة أكبر؛ وهي مشكلة تطبيق مبدأ "سيادة القانون". فقد تحولت الجهود المبذولة لمحاولة تقديم مخططي الانقلاب إلى العدالة إلى "مطاردة سحرة" ضد جميع المعارضين السياسيين. فقد لاحقت الحكومة التركية بشكل عنيف عدداً لا بأس به من الأشخاص المتهمين بارتكاب أعمال إرهابية غير محددة أو واضحة. كما تم إقالة ما لايقل عن 150 ألف شخص من مناصبهم في الحكومة والأوساط الأكاديمية؛ وأيضاً سجن أكثر من 50 ألف شخص بزعم تواطؤهم في التخطيط للانقلاب، واعتقال أكثر من 150 صحافياً.

ولكن يبدو أن الأجانب لم يُستثنوا أيضاً من هذه الملاحقات. فبالاضافة إلى اعتقال الموظفيْن الذيْن يعملان بالقنصلية الأميركية، تم اعتقال 12 مواطناً أميركياً فى السجون التركية بتهمة الإرهاب. وتعتبر أبرز حالة اعتقال هي لأندرو برونسون، وهو قس سجن منذ عام بسبب اتهامات وجهت إليه تزعم دعمه لغولن. وقام بينس، نيابة عن برونسون واللذان يتبعان نفس الطائفة الدينية، بتولي الأمر مع الحكومة التركية.

وتقول أماندا سلوت انه على ما يبدو أن أردوغان يلعب "دبلوماسية الرهائن". فمن ناحية، يرى أردوغان أن المعتقلين الأميركيين هم بطاقات مساومة رابحة من وجهة نظره، في الوقت الذي تشكك فيه كلتا الدولتين في استقلالية ومرونة النظام القانوني الخاص بالأخرى.

وبعد أن طلب ترامب إطلاق سراح برونسون في مكالمة هاتفية مع نظيره التركي في شهر سبتمبر الماضي، أعلن الرئيس التركي على الملأ أنه أبلغ نظيره الأميركي بأنه سيسلم برونسون إذا حصل على غولن في المقابل.

وتذكر أماندا سلوت بأن قضية رضا زراب، تاجر الذهب التركي الإيراني الذي اعتقل في مارس 2016 في الولايات المتحدة بتهم انتهاك العقوبات الأميركية المفروضة على إيران باستخدام الذهب لشراء الغاز الإيراني، تحوذ على اهتمام أردوغان خشية أن يتورط هو أو أحد أفراد عائلته في هذا المخطط. وكنتيجة لذلك كانت قضية زراب من أحد القضايا التي ناقشها أردوغان مع ترامب.

لهذا تدعو سلوت في مقالها، من أجل معالجة كل هذه القضايا، الى إجراء حوار حول مبدأ "سيادة القانون"، حيث أن اعتقالات الأميركيين وموظفي البعثات الأميركية لم تحدث من فراغ.

وتشعر سلوت انه من المؤسف أن إدارة ترامب أعطت الانطباع بأنها لا تهتم بنوعية الديمقراطية التركية. ومما زاد من تعقيد الأمور، فضلاً عن إهمال ترامب لإثارة قضايا حقوق الإنسان خلال اجتماعه مع أردوغان في مايو الماضي، هذا السلوك العنيف الذي ارتكبه أفراد حراسة الرئيس التركي بعد ساعات قليلة من مغادرة موكبه للبيت الأبيض. وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الأميركية قد أعربت عن قلقها في الأشهر الأخيرة بشأن الاعتقالات المقلقة للناشطين في مجال حقوق الإنسان، إلا أن البيت الأبيض تسوده حالة من الصمت والجمود تجاه هذه القضية.

ومما زاد من تفاقم الأوضاع استعداد البيت الأبيض لاستكشاف وسائل خارج نطاق القضاء لحل مشاكل أنقرة. فعلى سبيل المثال، تحدث مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ترامب، إلى المسؤولين الأتراك أثناء الزيارة حول نقل غولن من الولايات المتحدة إلى تركيا، خارج الإطار القانوني.

كما أن تطورات قضية رضا زراب أثارت أيضاً بعض التساؤلات، حين قام ترامب بإقالة بريت بهارارا، محامي الولايات المتحدة الذي وجه الاتهامات إلى زراب. ومن ثم قام زراب بتوكيل رودي جويلياني، مستشار ترامب بشكل غير رسمي، ليصبح جزءاً من فريق الدفاع. وقال محامو زراب أنهم يسعون إلى إيجاد "حل دبلوماسي" لقضيته من خلال عقد جويلياني اجتماعات مع أردوغان وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية لبحث الخيارات الممكنة.

وفي إطار العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وتركيا، تزداد دعوات المحللين في الولايات المتحدة وأوروبا إلى إقامة علاقات متبادلة مع تركيا. وتسلط الأحداث الأخيرة الضوء على حدود هذا النهج. هذه اللعبة من الصعب أن تُلعب بشفافية ووضوح، لأسباب ليس أقلها القيود القانونية.

وبدلا من ذلك، تدعو سلوت ان يكون هناك حوارا واسع النطاق قادراً على شمول وتغطية هذا العدد من القضايا المشتركة، بما في ذلك قضية "سيادة القانون" بشكل رئيسي. وخلال اجتماعه مع رئيس الوزراء التركي يلدريم، سيتحتم على نائب الرئيس الأميركي بينس أن يضع هذه المسألة من ضمن أولويات جدول المباحثات الثنائي.

وتختم سلوت مقالها بالتاكيد على "أن الحكومة التركية تولي اهتمامها للرسائل المبعوثة من واشنطن، إلا أنها لاحظت تباين التعليقات داخل إدارة ترامب. ويجب على القادة السياسيين الأتراك أن يفهموا أن سلوكهم غير الديمقراطي يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لحلف الناتو، وأن المجتمع المدني التركي بحاجة إلى معرفة أن الولايات المتحدة تدعم جهودهم الرامية إلى إبقاء البلاد على مسار ديمقراطي. وحتى يتسنى للبيت الأبيض إثارة المخاوف المتعلقة بآليات الحكم، فإن القيادة التركية ستفترض أن الولايات المتحدة تمنحهم جواز مرور."