اومت اوزكرملو
يناير 19 2018

أردوغان يلهث وراء تركيا جديدة "محلية ووطنية"

 

الكلمة التي ألقاها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان،خلال فعاليات الجمعية العامة الاعتيادية الـ14 لمؤسسة المنتسبين لجامعة بوغاز ايجي، لم تكن مفاجئة كثيرًا بالنسبة لمن يعرفون الموقف العام للرئيس من الأكاديميين.
وعندما نطالع ما قاله أردوغان لمن وقّعوا "مبادرة السلام" من الأكاديميين، لوجدنا أن جامعة بوغاز ايجي، خرجت من مرمى انتقاداته بأقل الخسائر. إذ قال لمن وقعوا المبادرة المذكورة: "يا أسوأ المثقفين، أنتم ظلام، ولستم بمثقفين. أنتم جهلة لدرجة أنكم غير قادرين على معرفة شيء عن الشرق أو عن هذه البلاد".
انتقادات أردوغان لجامعة بوغاز ايجي، تركزت على موضوعين رئيسيين. فبحسب وجهة نظر الرئيس، الجامعة لم تستطع أن تكون ناجحة لأنها ليست "محلية ووطنية".
ووفق انتقادته أيضًا رسبت الجامعة في موضوعات حرية التربية والتعليم، وحرية الفكر، لأنها أغلقت أبوابها وأوصدتها في وجه الطلاب ممن لديهم أفكارٌ مختلفة – طبعًا من الواضح أن المقصود بهؤلاء الطالبات ممن يرتدين الحجاب-.
لكن في المقابل جاءت الردود اللازمة على انتقادات أردوغان من أعضاء هيئة تدريس يعملون بالجامعة، ومن أسر طلابية بها، فضلا عن رؤساء جامعات سابقين.
مسألة الانتقادات التي وجهها أردوغان للجامعة المذكورة، كانت محط نقاش وجدل كبيرين في منصات إعلامية مختلفة ابتداءً من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الصحافة. وليس هدف هذا المقال إعادة الانتقادات المذكورة مرة ثانية أو التحدث باسم الجامعة والمنتسبين إليها الذين لديهم القدرة على الدفاع عن أنفسهم. هدفي هو فتح باب النقاش في ضوء مقالاتي السابقة، حول مفهوم "محلي ووطني" الذي يعتبر واحدًا من لبنات تركيا الحديثة عند أردوغان.
 
في البداية دعونا نتذكر كلام أردوغان الذي قاله بكلمته في جامعة "بوغاز ايجي":
 
"جامعة بوغاز ايجي، تعتبر واحدة من أعرق مؤسسات التعليم العالي في بلدنا. لكنها مع الأسف لم تستطع الوصول لأهدافها  كما ينبغي لأنها لا تستند على قيم هذا الشعب. أساس جامعتنا كما تعلمون يستند على مؤسسة تعليم أجنبية، ويعتمد عليها، وهذا في الحقيقة لم يشكل عائقًا أمام استقرارها على هذه الأرضية. فلا جرم أنه ليس بمقدورنا تحقيق هذا بدون معرفة الخط الفاصل بين تعدد الأصوات ونشر التيار الأجنبي بالبلاد.
القضية الرئيسية، هي قضية أين نحن ذهنيًا، أكثر من مكان تواجدنا بدنيًا. ويتوجب علينا ألا ننسى الفرق بين وعد نسل (عاصم) لشاعرنا الكبير مؤلف نشيد الاستقلال، محمد عاكف أرصوي، وبين جيل هالوق بن، (الأديب) توفيق فكرت".
 
وكما أوضحت طانيل بورا، في مقالتها المنشورة في مجلة "بيريكيم"، فإن أردوغان ليس صاحب فكرة مقولة "المحلي والوطني".
وبقدر معرفتنا، فإن أول من جمع في مكان واحد بين المفهومين المذكورين (محلي ووطني)، اللذين لاقا إعجابًا من تيارات مختلفة، هو آلب أرسلان توركش، الذي عرّف "البيان" المسمى بـ"الأضواء التسعة"، على أنه"تعاليم روحانية، مئة في المئة محلية، مئة في المئة وطنية".
لكن المثير في الأمر، هو أن توركش حينما عرّف تلك التعاليم، قام بالإشارة إلى "العلم". فمن وجهة نظرة توركش، فإن الأضواء التسعة "بمثابة وجهة نظر استلهمت كل شيء من القومية التركية، ورأت في العلم الحديث والتكنولوجية نبراسا تهتدي به. والإسلام والقومية التركية هما المصدر الرئيس اللذين امتدت منهما تلك الأضواء قوتها".
لماذا الإسلام والقومية التركية؟.
"لأن هذا الشعب مسلم، وشعب تركي. فهو لآلاف السنين له الشرف والعزة باعتباره تركيًا. كما أنه اعتنق الإسلام منذ ألف عام...والأضواء التسعة، نظام جديد ومذهب وطني أُنشئ على هذه الأسس".
ويمكننا القول إنه ليس من الصعب فهم سبب قبول أردوغان هذا مسألة "المحلي والوطني" (على افتراض أنه قبل به عن علم ودراية). لا شك أن إيجاد دولة تركية جديدة، أمر يقتضي إيجاد أتراك جدد، أي إيجاد أمة جديدة.
ولا جرم أن الاستيراتيجية المتبعة في هذه العملية إيجاد دولة تركية جديدة، لا أصالة لها. إذ تم من خلالها استبدال القومية ذات الثقل العلماني، بتركيب "تركي-إسلامي" أو بمعنى أصح وأدق "إسلامي-تركي". وهذا التركيب المتداول منذ نهايات سبعينيات القرن الماضي، ظل يُغرس في المجتمع بواسطة الطرق الإيديولوجية للدولة.
ولقد كان التعليم هو الوسيلة الأهم التي استخدمتها الدولة في  غسل مخ المجتمع. وإذا أردنا حصر التدخلات التي قام بها حزب العدالة والتنمية في العملية التعليمية، منذ مجيئه للسلطة، لا يمكننا فعل ذلك في هذا المقال. (والمهتمين يمكنهم الاطلاع على مقال " Education as Battleground: The Capture of Minds in Turkey" المنشور في 2017 لكل من دنيز قانديوتي وزهرا أمانت).
ومن المؤكد أن الجامعات تعتبر من أهم تروس النظام التعليمي في أي مكان. ومن هذا المنطق حرص حزب العدالة والتنمية منذ مجيئه للسطلة على التدخل في التعليم العالي، لأنه يدرك هذه الحقيقة، ومن ثم لا ينبغي العجب من ذلك مطلقًا.
لا جرم أن مؤسسة التعليم العالي في تركيا التي يعد أي حزب سياسي وهو في المعارضة يطالب بإلغائها، ويتشبث بها عندما يأتي للسلطة، لا زالت تترنح كسيف ديموقليس، على قمة حرية التربية والتعليم والفكر. إذ يتم تعيين رؤساء الجامعات وفق معيار الولاء والقرب من النظام الحاكم؛ كما يتم إنشاء "جامعات" جديدة لا تختلف أي منها عن الأكواخ، وفيها يتم تعيين عناصر موالين لذلك النظام.
ولا ننسى أن أي جامعة أو عضو هيئة تدريس نجحوا في أن يبقوا مستقلين "نسبيًا"، فإنهم ولا شك يصبحون في مرمى الاستهداف من النظام أو قد يكلفهم هذا الأمر عملهم وحريتهم بل حتى حياتهم أيضًا.
ومن المؤكد أن الدور في عملية إيجاد دولة تركية جديدة محلية ووطنية، سيأتي لا محالة على المؤسسات التي نجحت في الحفاظ على استقلاليتها "نسبيًا"، مثل جامعات بوغازي ايجي، وغلاطه سراي، وصبانجي. ولعل كلام أردوغان السابق كان بمثابة إشارة البدء في هذا السياق.
أما المشكلة الأساسية، فهي إلى أي حد من الممكن أن يحقق هذا المشروع نجاحًا. وليس مقصدي هنا سيطرة الدولة بشكل كامل على الجامعات، فلقد تحقق هذا بدرجة كبيرة، وسيطرتها في ازدياد مضطرد.
السؤال الأهم، هو هل ستنجح القومية التركية الجديدة في إيجاد أمة لها أم لا ؟. سؤال يحتاج إلى سلسلة مقالات حتى يتسنى لنا الإجابة عليه، لكن يمكننا الإجابة على ذلك بشكل مختصر على النحو التالي.
لن يتحقق ذلك، لأن المجتمع – كما سبق وأن ذكرت في مقالاتي السابقة – يتكون من جماعات تمتلك أنماط حياة، وأحكام قيمية مختلفة من المستحيل أن تجتمع في مكان واحد. لن يتحقق ذلك لأن هذه القومية التي يحاول أن يأتي بها أردوغان، تسعى لاستنساخ نفسها من القوميات التي سبقتها، وتتبع نفس استراتيجياتها، بل وتستخدم نفس الرموز، كما أن عملية أردوغان لإيجاد قومية جديدة تدار من قبل نفس المؤسسات. فقوميته الجديدة نسخة رديئة، والاستيراتيجية التي تعتمد عليها، جوفاء بعيدة كل البعد عن الوسطية والإقناع.
ولنكتفي بمثال واحد لإثبات ذلك، نحن نعرف أن أردوغان استغل المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، وجعل منها أسطورة. فمثلا في خطابه الذي ألقاه تحت سقف البرلمان في 9 يناير، كان يتحدث عن "حرب استقلال جديدة"، وشدد على أن "انتخابات 2019 ستمر بين الوطنيين المحليين من جهة، وبين من هم زمام أمورهم بأيدي المعارضين الآخرين من جهة أخرى".
ومن جانب آخر فإنه من المثير للسخرية بحق، استغلال محاولة انقلابية لم تتكشف بعض جوانبها بعد، واستغلال حرب حقيقة ضد جيش دولة أخرى، من أجل تأسيس أمة ونحن تحت الاحتلال الفعلي، ومن المثير للسخرية أيضا افتراض أن جماعات مختلفة لا تكن أي شيء يذكر من التعاطف مع هذه الأساطير والرموز المذكورة، من الممكن أن تتوحد بهذه البساطة. (وعلاوة على ذلك، فإن القومية الكمالية العلمانية لم تنجح في خلق أمة متجانسة).
آلب أرسلان توركش، في المدخل الذي عرف فيه "الأضواء التسعة"، قال "لا أعدكم بنجاح سهل. فمن يتوقعون الوصول للسلطة خلال وقت وجيز، فليرحلوا عنا ولا يسيروا معنا في طريقنا.
الطريق طويل وشاق، ستواجهنا فيه الكثير من المعوقات والتهديدات؛ فضلا عن عروض المصالح، فمن لديهم القدرة على تحمل متاعب طريق كهذا فليأتوا معنا. الشجعان والأقوياء، ومن يؤمنون بحق بهدفنا، عليهم أن ينضموا لقافلتنا".
كلام يشبه كثيرًا خطابات أردوغان في هذا الصدد، أليس كذلك ؟ الشيئ الوحيد الذي لم يقله، هو مصير "من رفضوا الخروج معه في طريقه" !.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: