أردوغان ينغمس في الفساد والمحسوبية للبقاء في السلطة

عندما تم الإقرار رسميا بأن مرشح المعارضة العلماني أكرم إمام أوغلو هو الفائز في الانتخابات المحلية في إسطنبول، ليصبح الرئيس الجديد لبلدية أكبر مدن تركيا ومركزها المالي، كانت إحدى الأولويات الرئيسية التي تتصدر جدول أعماله تتمثل في نسخ جميع ملفات سلفه المنتمي للحزب الإسلامي الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحفظ تلك الملفات بصورة آمنة.

وبعد أربعة أيام من الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس الماضي، قال إمام أوغلو: "لقد انقضى عهد خدمة ‘الرجل‘(أردوغان)، والجمعيات والأشخاص والمؤسسات والجماعات الدينية (المرتبطة به).. سنبدأ عهدا من الإدارة الشفافة التي يكون فيها كل شيء، بما في ذلك رئاستي للبلدية، مكشوفا للجمهور".

ولكن بعد فترة وجيزة، حظرت محكمة في إسطنبول على إمام أوغلو وموظفيه تحميل أي ملف من قاعدة بيانات البلدية. ويعني أمر المحكمة أن رئيس البلدية الجديد قد يُمنع من إيجاد إجابات على سؤال لطالما سأله الكثيرون من أفراد الشعب في تركيا؛ ألا وهو: إلى أي مدى تمتد جذور فساد ومحسوبية أردوغان وعائلته وأنصاره البارزين؟. 

في الوقت نفسه تقريبا، أصدرت وزارة الداخلية توجيها لجميع البلديات في تركيا. وبناء على تعديلات في القانون، أخطر توجيه الوزارة رؤساء البلديات في جميع أنحاء البلاد بأنه لم يعد مسموحا لهم بالاحتفاظ بقواعد بياناتهم الخاصة بالبلدية أو إنشاء قواعد بيانات لهم، وسيتم بدلا من ذلك الاحتفاظ بجميع المعلومات في قاعدة مركزية. ولن يتسنى للبلديات إلا الاطلاع على المعلومات المتوافرة في قاعدة البيانات المركزية بإذن من الحكومة.

إن فقدان السيطرة على أكبر المدن التركية في انتخابات البلديات أثار قلقا شديدا داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم من تسرب تفاصيل الفساد المستشري على نطاق واسع وفضحه. وعلى الرغم من أن الشخصيات والشركات الموالية للحزب الحاكم تسيطر على نحو 90 في المئة من وسائل الإعلام التركية، إلا أن الخطوات القانونية التي اتخذت للحيلولة دون هذه التسريبات ليست بخطوات عادية.

يتولى حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم في البلاد منذ العام 2002، ويسيطر الحزب وأسلافه على بلدية إسطنبول منذ العام 1994، حين بدأ أردوغان في صعود سلم السلطة بانتخابه رئيسا لبلدية المدينة المترامية الأطراف التي تساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي لتركيا. ومنذ ذلك الحين، تغيرت الكثير من ملامح تركيا بفعل مشروعات البنية التحتية الكبيرة المدعومة من الحكومة التي نفذتها شركات قريبة من الحزب الحاكم.

ويقول المنتقدون إن الحكومة استخدمت تلك المشاريع كوسيلة لتوجيه الأموال العامة إلى الموالين لها مقابل دعمهم للحزب من أجل ضمان استمرار نجاحه الانتخابي. وتلك هي عجلة الحظ التي يربح منها كل من يشارك في تدويرها.

يخشى حزب العدالة والتنمية أن تكشف أحزاب المعارضة الآتية لرئاسة البلديات الستار عن شبكة معقدة من الفساد والرشى بمجالس البلديات في جميع أنحاء البلاد، ولعل هذه المخاوف لها ما يبررها. ففي الأسبوع الماضي، نقلت شبكة دويتشه فيله عن تقرير داخلي مسرب القول إن بلدية إسطنبول قدمت ما إجماليه 146 مليون دولار لمؤسسات وجمعيات تابعة لحزب العدالة والتنمية على مر السنين.

وذكر التقرير أن المستفيد الأكبر من هذه الأموال مؤسسة تعليمية تضم بين أعضاء لجنتها بلال أردوغان نجل الرئيس أردوغان، إذ تلقت هذه المؤسسة 13.2 مليون دولار. أما ثاني أكبر المستفيدين فكان مؤسسة تعليمية أخرى ساهم بلال أردوغان في تأسيسها ويضم مجلس إدارتها التنفيذي ابنة الرئيس، حيث تلقت تلك المؤسسة 9.1 مليون دولار.

تأتي بعد ذلك منظمة غير حكومية معنية بالتكنولوجيا يرأسها سلجوق بيرقدار صهر أردوغان بحصولها على تمويل قدره سبعة ملايين دولار من مجلس البلدية. كما تم تقديم حوالي 5.1 مليون دولار لمؤسسة أنصار، وهي مؤسسة دينية توفر خدمات الإقامة والتعليم للطلاب ولاحقتها فضيحة اعتداء على الأطفال.

ومن بين مشروعات بلال أردوغان مؤسسة للتدريب على الرماية تلقت 2.95 مليون دولار، بينما حصلت مؤسسة يرأسها شقيق رئيس بلدية إسطنبول السابق المنتمي لحزب العدالة والتنمية على 2.8 مليون دولار. صحيح أن تمويل المؤسسات الخيرية ليس مخالفا للقانون، إلا أن السؤال الذي يظل يطرح نفسه هو: لماذا قُدمت أكبر المبالغ إلى مؤسسات مرتبطة بأردوغان وحزب العدالة والتنمية؟.

حفل زفاف يجمع بين عائلتي قاليونجو وديميرورين
حفل زفاف يجمع بين عائلتي قاليونجو وديميرورين

كان فندق تشيراغان بالاس الفاخر، وهو قصر فخم من القصور العثمانية السابقة يقع على شاطئ مضيق البوسفور في إسطنبول، هذا الشهر مسرحا لما وصفه الإعلام الموالي للحكومة بأنه حدث القرن، وهو حفل زفاف مبهر حضره 2000 ضيف ولم يبخل أصحابه في الإنفاق عليه لتطغى عليه مظاهر البذخ والترف.

هذا الحفل الذي حضره أردوغان وسيدة تركيا الأولى أمينة أردوغان قد جمع بين اثنتين من أغنى العائلات في البلاد، هما عائلة ديميرورين وعائلة قاليونجو، الأمر الذي وصفه أحد المطلعين على بواطن الأمور بأنه "اندماج على نمط المافيا".

وقالت صحيفة ديلي صباح اليومية الموالية للحكومة: "مجموعة قاليون مجموعة تركية عملاقة لها نشاط كبير في قطاع البناء. كما أن الشركة هي المالكة لمجموعة تركواز الإعلامية، المؤسسة الأم لديلي صباح والتي تضم أيضا صحيفة صباح وقناتي إيه خبر وإيه.تي.في التلفزيونيتين التركيتين الكبريين.

"أما مجموعة ديميرورين.. فتنشط في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعات التحويلية والبناء والسياحة والعقارات. وقد أضافت المجموعة إلى محفظتها الأصول الإعلامية التابعة لمجموعة دوغان، والتي تشمل صحيفتي حرييت وبوستا ومحطتي كانال دي وسي.إن.إن ترك التلفزيونيتين، في العام 2018. وسبق وأن اشترت صحيفتي ميلليت ووطن التركيتين من دوغان في شهر مايو من العام 2011. وتملك الشركة القابضة أيضا موقعا إلكترونيا مرخصا يقدم خيارات المراهنة".

هاتان العائلتان معا تسيطران على أكثر من 60 في المئة من الإعلام التركي.

ولا شك أن السيطرة على الإعلام هي إحدى الركائز الأساسية لحكم أردوغان التي يستطيع من خلالها توجيه رسالته إلى الشعب الذي لا يزال يعتمد إلى حد كبير على التلفزيون في الاطلاع على الأخبار، وكذلك على الصحف ولكن بدرجة أقل.

وفضلا عن عائلتي ديميرورين وقاليونجو، تبرز مجموعة سنجاق أيضا في قطاع الإعلام. فمنذ أن تولى حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة، أصبحت الشركة - تحت قيادة رجل الأعمال أدهم سنجاق الذي بدأ بإنتاج الألبان واللحوم - كيانا نشطا على الصعيد العالمي في مجموعة واسعة من القطاعات، لا سيما البناء والدفاع. وفي العام 2013، اشترت مجموعة سنجاق ثلاثة كيانات إعلامية مهمة من صندوق تأمين ودائع المدخرات الحكومي الذي استحوذ عليها من مالكها السابق للمساعدة في تسوية ديون ضريبية.

 صورة من موقع "ذا بلاك سي"
صورة من موقع "ذا بلاك سي"

لكن على الرغم من أن رسالة الرئيس تدعو إلى القيم الإسلامية، إلا أن سلطته تقوم على المحسوبية والمحاباة وشبكة معقدة من المصالح الاقتصادية.

فقد كتب الصحفي كريغ شو في موقع "ذا بلاك سي" الإلكتروني المتخصص في الصحافة الاستقصائية قائلا: "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رجل ثري. (لكن) حجم ثروته ليس معلوما. يقدر منتقدوه ثروته بعدة مليارات من اليوروهات، هي نتاج الفساد المستشري والمحسوبية المتفشية في الدولة التركية".

واستنادا إلى 150 ألف وثيقة جرى تسريبها من شركة للخدمات القانونية والمالية وخدمات الشركات تتخذ من مالطا مقرا لها، قدم شو في تقريره نظرة نادرة على الفساد الذي توغل على أعلى المستويات في تركيا.

وقال شو في تقريره: "من خلال شركات خارجية في جزيرة مان ومالطا، يملك أردوغان سرا ناقلة نفط تقدر قيمتها بنحو 25 مليون دولار أميركي تحمل اسم أغداش. هذه الصفقة جرى إعدادها مع الصديق المقرب من أردوغان ورجل الأعمال التركي صدقي آيان وملياردير أذربيجاني تركي يدعى مبارز منسيموف صاحب مجموعة بالمالي للشحن التي تتخذ من إسطنبول مقرا لها. وتظهر الوثائق أنه منذ العام 2008، بلغت تكلفة صفقة أغداش على رجلي الأعمال ما يقرب من 30 مليون دولار، منها سبعة ملايين من آيان ونحو 23 مليونا من منسيموف".

وقال التقرير إن أردوغان حصل على أغداش من منسيموف في العام 2008، باستخدام شركة في جزيرة مان مملوكة في الأساس لنجل الرئيس وشقيقه وصهره.

إن السيطرة على وسائل الإعلام في تركيا تعني أن معظم تفاصيل تلك الترسيبات ستظل محجوبة إلى حد كبير عن أعين الرأي العام، وملاحقة الصحفيين قضائيا تكفل ممارسة المنافذ الإعلامية غير المقربة من الحزب الحاكم في تركيا لدرجة عالية من الرقابة الذاتية.

وقد حكمت إحدى المحاكم على الصحفية التركية بلين أونكر بالسجن أكثر من عام لعملها فيما يعرف باسم تحقيق باراديس بيبرز (أوراق الجنة) المتعلق بملاذات ضريبية خارجية بعدما كشفت عن تفاصيل أنشطة أعمال رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم وأبنائه.

أردوغان ينغمس في الفساد والمحسوبية للبقاء في السلطة

تعود جذور عجلة حظ حزب العدالة والتنمية إلى منتصف تسعينات القرن العشرين، حين أصبح أردوغان رئيسا لبلدية إسطنبول وبدأ نظام المحسوبية بمنح عقود لشركات يديرها رجال أعمال متدينون.

ويقول المنتقدون إن تلك الشركات ساهمت بعد ذلك في تمويل طموحات أردوغان السياسية وتأسيس الحزب الجديد الذي فاز في الانتخابات التي أجريت في العام 2002 واعدا باستئصال الفساد. وساعد بدء المفاوضات الرسمية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2005 تركيا على جذب تدفقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي حفزت النمو الاقتصادي. وقد دعم ذلك المالية العامة للدولة التي أتاحت بدورها الإنفاق على مشروعات البنية التحتية التي وطدت شبكة المحسوبية.

ومنذ توليها مقاليد السلطة في البلاد، عدلت حكومة أردوغان قانون المشتريات العامة أكثر من 160 مرة، ما زاد من صعوبة التدقيق في الصفقات.

وقال أحد الخبراء طالبا عدم ذكر اسمه: "تم إنشاء تجمع مالي فضفاض تسيطر عليه السلطة السياسية... هذه المنظومة هي أيضا بمثابة وسيلة للتسجيل القانوني لمبالغ العمولات التي يدفعها رجال الأعمال. ولكن يخطئ من يعتقد أن تلك المنظومة مقصورة على العطاءات العامة العملاقة فحسب، بل إن صغار المقاولين المنخرطين في أنشطة البناء في البلديات المحلية الصغرى يمكنهم أيضا المشاركة في هذه المنظومة".

من ثم، امتدت محسوبية حزب العدالة والتنمية إلى كل ركن من أركان البلاد. فقد كشفت تسجيلات مسربة على الإنترنت في إطار تحقيقات في الفساد طالت وزراء بالحكومة وأسرهم في العام 2013 أن شركات البناء في البلدات الصغيرة اضطرت هي الأخرى للتبرع بأراض إلى مؤسسات خيرية يسيطر عليها أفراد من عائلة أردوغان.

ولم تكتف الحكومة بإغلاق هذا التحقيق في وقت لاحق فحسب، بل تم إلقاء القبض على كل من شارك فيه من ممثلي الادعاء ورجال الشرطة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-corruption/wheel-fortune-keeps-turkeys-erdogan-power