علي يورتاغول
يوليو 25 2018

أزمة أوزيل تفضح ازدواجية المعايير في تركيا وألمانيا

لم يخرج أي من أطراف الأزمة التي أفضت إلى اعتزال مسعود أوزيل اللعب الدولي مع المنتخب الألماني رابحا، فمن ناحية، واجه نجم أرسنال الإنكليزي عاصفة من الإهانات العنصرية بعد الكشف عن صوره المثيرة للجدل مع الرئيس التركي السلطوي رجب طيب أردوغان، فيما فشلت سلطات كرة القدم الألمانية من ناحية أخرى في التعامل مع انتقادات وسائل الإعلام المحلية ضد اللاعب ذي الأصول التركية.

وظهر أوزيل، الذي سلب بأسلوب لعبه الممتع والهجومي عقول وقلوب جميع عشاق كرة القدم وليس فقط المهاجرين الأتراك، جراء هذه الأزمة كطائر جريح يئنّ وحيدا من الألم والحزن. ويمكن للمرء أن يرى مدى شعوره بالصدمة والإحباط وهو يقرأ بيانه الصحفي الذي قال فيه: "لا ينبغي أبداً قبول العنصرية".

وقد يكون شعوره بالألم ناجما في الأساس عن الإهانات العنصرية التي وجهت له على وسائل التواصل الاجتماعي عقب خروج صوره مع أردوغان إلى النور، ولكن هذه الهجمات العنصرية هي السبب كذلك في رفضه القبول بأن ظهوره في هذه الصورة كان قرارا خاطئا. ومن الصعب للغاية الإلمام بأبعاد المسألة دون النظر في ثلاث نقاط منفصلة تماما عن بعضها البعض لكنها اندمجت لتشكل أزمة كبيرة في أعقاب نشر صور أوزيل مع أردوغان. ومع ذلك، فهذه النقاط الثلاث ليست بالجديدة، إذ سبق وتناولناها بالبحث والتحليل على مدار السنوات الماضية.

وبادئ ذي بدء، لدينا لاعب كرة قدم متميز سمح باستغلاله من قبل زعيم سياسي يزداد استبدادا كل يوم وكان مسؤولا عن حملة قمع ضد معارضيه اعتقل خلالها عشرات الآلاف.

ولم تكن مغادرة المنتخب الألماني هي الثمن الوحيد الذي تكبده أوزيل جراء هذه الأزمة، فقد انهارت أيضا القيمة السوقية لعلامته التجارية لأنه ببساطة لم يتنبأ بمدى خطر ارتباطه بزعيم سياسي مثل أردوغان.

ولكن هذا ليس خطأ أوزيل وحده، إذ يتحمل المسؤولية معه مديرو أعماله ووكلاؤه الذين فشلوا في توقع الأضرار المحتملة لهذه الصور. وعلى أوزيل الآن أن يفكر في تغيير مدير التسويق الخاص به أركوت سوجوت، وكذلك إعادة تشكيل فريقه الإعلامي. وهذه التغييرات ليست أمرا مهما فحسب بالنسبة لأوزيل كرمز لعشاق كرة القدم، ولكن أيضا لمستقبل علامته التجارية. فلو لم يكن ارتكب هذا الخطأ، لكان يحتفظ الآن بعقده الدعائي مع شركة كبرى مثل مرسيدس، والتي يقودها الآن رئيس تنفيذي مولود في تركيا.

لكن القضية الرئيسة هنا بالنسبة لأوزيل ليست مجرد فقدان عائدات الإعلانات، إذ يبدو أن ما يؤلمه حقا هو الإهانات العنصرية التي تعرض لها على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد أن باتت الانتقادات التي وجهت له بعد نشر الصور عنصرية أكثر منها سياسية.

ويمكن للمرء أن ينتقد أوزيل بسبب قراره أخذ الصور مع أردوغان أو حتى يوجه له تساؤلات بشأن موقفه إزاء حرية الصحافة أو الصحفيين المعتقلين أو انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا. كما يمكن توبيخه بسبب تجاهله لصعود تيار استبدادي وتمييزي في تركيا. كل هذا من شأنه أن يكون انتقادا عادلا.

لكن هذا ليس ما حدث في الواقع. فأوزيل جرى استهدافه من قبل مجموعات عنصرية ومناهضة للأتراك والمسلمين وتحض على كراهية الأجانب. وكان أوزيل محقا تماما في الشكوى من الإهانات العنصرية التي تعرض لها من ساسة ومسؤولين وشخصيات عامة في ألمانيا، مثل مدير المسرح الألماني في ميونيخ فيرنر ستير، الذي استخدم لفظا نابيا لدى قوله إن أوزيل يجب أن "يغرب عن وجوهنا ويعود إلى الأناضول".

والمشاعر المختلطة التي تموج في نفس أوزيل لها ما يبررها، ففي ألمانيا وأوروبا بشكل عام، تتزايد المشاعر المناهضة لتركيا وللإسلام بالتوازي مع تفشي كراهية الأجانب والعنصرية بين فئات المجتمع. وهذا بالتحديد هو السبب الرئيسي للبيان الذي أصدره أوزيل وأيضا مصدر خيبة أمله.

فأوزيل ولد في ألمانيا وترعرع متأثرا بالثقافة والانضباط الألمانيين. وقال إنه اعتاد على الشعور "بمزيج من الفخر والحماس" في كل مرة يرتدي فيها قميص المنتخب الألماني، ناهيك عن أنه تعرض في الماضي لهجمات عنصرية في تركيا من أشخاص قالوا عنه إنه ألماني أكثر من كونه تركيا.

وكان أوزيل محقا أيضا في انتقاده لثالث الجوانب السياسية في قضيته، ألا وهو الاتحاد الألماني لكرة القدم.

فمن جانبه، أعرب الاتحاد الألماني عن اعتراضه على الصور بشكل واضح ولا لبس فيه، ولكنه في المقابل لم يقم سوى بمحاولات هزيلة للحد من الأضرار، وآثر أعضاء الاتحاد تجاهل الهجمات العنصرية ضد أوزيل، بل وحاول بعضهم إلقاء اللوم عليه بسبب إخفاق المنتخب في كأس العالم مؤخرا.

وألقى أوزيل في بيانه باللوم في هذه الأزمة على رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم راينهارد غريندل، وهو عضو سابق في البرلمان. كما أشارت صحيفة (دير شبيغل) إلى أن حوالي 30 في المئة من جيل الشباب في ألمانيا ينحدرون من أصول مهاجرة، وقالت إن الاتحاد الألماني لكرة القدم ومسؤولي المنتخب الوطني ربما يكونون على جهل بهذه الحقيقة.

وغريندل له سوابقه إزاء التعامل مع قضايا المهاجرين، إذ قال في كلمة في البرلمان الألماني (البوندستاغ) في عام 2013 إن الأطفال الألمان يشكلون أغلبية طلاب مرحلة ما قبل المدرسة في الصباح فيما يكثر الأطفال الأجانب في فترة ما بعد الظهر، وهو ما يعني ضمنيا أن المهاجرين كسالى.

وفضحت أزمة أوزيل كذلك ازدواجية المعايير في ألمانيا، فعندما أشاد لاعب ألماني آخر بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتلق نفس الانتقادات الإعلامية. وكان لدى أوزيل وجهة نظر عندما قال "أصدقائي لوكاس بودولسكي أو ميروسلاف كلوزه لم يكونا أبدا بولنديين ألمانيين، لكن دائما ما يتم الإشارة إلي باعتباري تركياً ألمانياً. هل ذلك بسبب تركيا تحديدا؟ أم هل لأنني مسلم؟".

ولكن إذا أظهر أوزيل نفس الحساسية تجاه الوضع في تركيا، فسيمكنه بسهولة أن يرى أن أردوغان وغريندل لديهما العديد من القواسم المشتركة، فالاثنان ببساطة يدعمان الفصل العنصري والتمييز واستبعاد الأقليات. الفارق الوحيد بينهما هو أن الأول يتواجد في تركيا والآخر في ألمانيا.
 

يمكن قراءة المقالة باللغة الإنكليزية أيضاً: