نوفمبر 11 2017

أزمة الأقتصاد التركي .. ارتفاع في الديون وانحدار متواصل في قيمة الليرة

 لا شك أن هنالك كثير من الاهتمام بالشأن الاقتصادي الخاص بتركيا وبعضها مبني على تفاؤل تقدمه الجهات الرسمية التركية وغالبا ما تتحدث عن نجاحات غير مسبوقة ومستويات نمو هائلة.
بل أن مساحة التفاؤل هذه تتسع الى درجة اليقين أن الاقتصاد التركي سوف يتبوأ موقع واحد من الاقتصادات العالمية المتقدمة والاكثر نجاحا.
أن تنوع النشاط الاقتصادي والبيئة الصناعية الواعدة انما بنيت منذ عقود وليست وليدة اليوم فضلا عن الطابع الزراعي للبلد ولاشك ايضا أن هنالك مؤشرات نجاح وتحسن في مستوى الدخل الفردي.
لكن في المقابل هنالك اخفاقات ومشكلات جدّية تواجه الاقتصاد التركي لم تصمد امامها مساحة التفاؤل والتمنيات.
ولعل من ابرز وأخطر التحيدات التي يواجهها الاقتصاد التركي معضلتان اساسيتان هما تعاظم الديون التي تثقل كاهل الاقتصاد بشكل متسارع وغير مسبوق والمعضلة الثانية هي التدهور المضطرد للعملة الوطنية ، فالليرة ما انفكت تفقد قيمتها في سوق الصرف قياسا بسلة العملات الاخرى.
 على صعيد المعضلة الاولى بلغ اجمالي الديون الخارجية لتركيا 412.4 مليار دولار، أي ما يقرب من نصف ناتجها المحلي الإجمالي، اعتباراً من نهاية مارس الماضي، وذلك وفق ما أظهرته بيانات وزارة الخزانة التركية.
وأكدت الوزارة، أن ثلاثة أرباع الإجمالي من الديون يقع على كاهل القطاع الخاص، الذي يتحمل وحده 282 مليار دولار من هذه الديون مجتمعة.
وكانت أرقام المديونية الخارجية التركية قد تصاعدت باضطراد مع نهاية العام 2013 حيث وصلت الى حوالي 388 مليار دولار ويعود جذر المشكلة إلى سياسة الإقتراض المنفلتة التي اتبعتها حكومة أردوغان.

ارتفاع قيمة المديونية
الارتفاع المتواصل للديون يثقل كاهل الاقتصاد التركي

 يكفي أن نقول أن دَين تركيا الخارجي ارتفع في عهد أردوغان من 130 مليار دولار إلى 388 مليار دولار أي ما نسبته حوالي 300%، وهو يناقض ما تروجه أوساط الحكومة التركية وأجهزة اعلامها عما تسميه "معجزة الاقتصاد التركي".
 وبحسب الباحث اشرف إبراهيم فأن الكثير من هذه الديون قصيرة الأجل، والجزء الأكبر منها يقع على القطاع الخاص مما جعلها تحصل على درجات ضعيفة من وكالات التصنيف الائتماني حتى قبل التخفيض الذي حدث على إثر محاولة الانقلاب الأخيرة. فكلٌّ من موديز وفيتش قد وضعت الديون السيادية التركية في أدنى درجة للاستثمار، بينما وضعتها ستاندرد آند بورز في درجة "غير مرغوب فيها".
لقد تسبب ذلك في تصاعد الشكوك في أوساط رجال الاعمال في متانة الاقتصاد التركي حيث تحدث جان نوثر من غرفة التجارة الالمانية الى محطة التلفزيون الالماني قائلا:" تظهر حاليا بعض الشقوق الأولى في البنية الأساسية للتعاون الاقتصادي بين الشركات التركية ونظيرتها الالمانية، خصوصا أن الشركات التركية، والشركات قليلة الخبرة لا تشارك في التقييم الإيجابي للوضع."
وتابع نوثر: "إن الصناعة تبحث عن الاستقرار واليقين القانوني لجعل الاستثمارات مستدامة على المدى الطويل، وتقوم كل من الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة الحجم حاليا بتحليل السوق." 
من جانبه يرى يسار أيدين الباحث في علم الاجتماع في جامعة هامبورغ في حديث للتلفزيون الالماني ايضا عدة أسباب لعدم الثقة هذه فيقول: " ان التطورات السياسية في تركيا، وخاصة محاولة الانقلاب الفاشلة والاستفتاء الدستوري والاضطرابات السياسية الناجمة عن ذلك، لم تترك مجالا كافيا للإصلاحات الاقتصادية اللازمة".
ويرى أيدين أن هناك مشكلة أخرى متعلقة مباشرة برأس الدولة التركية: "إذ يمارس الرئيس أردوغان سياسة المطالبة المستمرة لخفض الأسعار والفائدة، وهو نوع من (الشعبوية الاقتصادية) للحفاظ على شعبيته".
أما عن الاستثمار الأجنبي المباشر فيتحدث الباحث اشرف إبراهيم قائلا ان هذا الاستثمار بلغ ذروته بحوالي 22 مليار دولار في عام 2007 لكنه بدأ يأخذ اتجاهًا هبوطيًا منذ ذلك الحين، وأنزلق إلى حوالي 12.5 مليار دولار في عام 2014. 
فمن الملاحظ ان الشركات الأجنبية لم تجرِ أي عمليات استحواذ كبيرة في تركيا في السنوات الأخيرة، ولم تطلق أي مشروعات جديدة كبيرة. 
ويرجع ذلك جزئيًا إلى قلق عام من الأسواق الناشئة، وإلى التقلبات السياسية في تركيا، وضعف العملة، وارتفاع معدل التضخم نسبيًا، والقرب من منطقة الشرق الأوسط المضطربة، والشكوك المتزايدة حول سيادة القانون.
 ومن المتوقع أن يتفاقم التراجع في الاستثمار الأجنبي المباشر في الأجل القصير؛ بعد محاولة الانقلاب بسبب ارتفاع درجات عدم اليقين.وكانت وسائل اعلام قد تحدثت عن تخلص تركيا من ديونها و تسديدها لآخر قسط من الديون ولكن الحقيقة هي انه كان عبارة عن تسديد لآخر قسط من الديون المستحقة على تركيا لصالح صندوق النقد الدولي، ولا يشمل هذا ديون تركيا المستحقة عليها لصالح الحكومات الأجنبية والبنوك والمؤسسات المالية وغير المالية، كما لا يشمل سندات الاقتراض التي أصدرتها تركيا في الأسواق العالمية.

الخبير يسار ايدن
الخبير يسار ايدن : أردوغان يتيع سياسة المطالبة المستمرة بخفض الأسعار وسعر الفائدة مما يلحق ضررا فادحا بالاقتصاد.

من جانب آخر ما زال تراجع قيمة الليرة التركية شغلا شاغلا في الأوساط الاقتصادية التركية حيث أوضحت تقارير المحليين أن انتقادات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اللاذعة للبنك المركزي تسببت في ارتفاع مُعدلات الدولار وتراجع الليرة التركية، ما ساهم في مزيد من المصاعب لليرة التركية.
 تشير البيانات أن قيمة الدولار قفزت امام الليرة في آخر يناير 2014، إلى معدل 2.64 ليرة للدولار الواحد، مقابل توقعات بألا يتجاوز سعر الصرف 2.33، ما زاد في حجم ضغط الديون الخارجية ليصل سعر صرف الدولار الان الى 3.88 ومن المتوقع ان تواصل الليرة فقدان كثير من قيمتها امام سلة العملات الأجنبية.
استمرار انحدار سعر صرف الليرة يأتي مناقضا لتصريحات سابقة لوزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي التي قال فيها أن المرحلة القادمة ستشهد عودة الليرة التركية إلى مسارها الطبيعي وذلك بعد فشل حركة التقلبات والمضاربات.
وقال الوزير التركي في تصريح لوكالة الأناضول إن "لدى البنك المركزي القدرة على اتخاذ إجراءات ضد نهج المضاربة الذي تتعرض له تركيا، وهناك أدوات قوية يمكن استخدامها، ونعتقد أن هذه الإجراءات لن تشكل خطرا على تركيا"، لكن تلك التصريحات لم تجد لها صدى على ارض الواقع.
ومن جهة أخرى، نقلت الوكالة عن صحيفة بوغون التركية، أن الأحداث الداخلية والاضطرابات المختلفة كبدت تركيا خسائر مالية في حدود 125 مليار دولار.

استمرار تدهور قيمة الليرة
مخطط يظهر استمرار تدهور قيمة الليرة عاما بعد آخر

من جانبه نسب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التراجع الكبير في سعر الليرة التركية إلى تدخلات في الأسواق من قبل عناصر وصفهم بألإرهابيين بهدف إضعاف اقتصاد البلاد. وقال أردوغان في كلمة أمام أعضاء في المجلس البلدي في أنقرة: "ليس هناك فرق بين إرهابي يستخدم قنبلة سلاحا وإرهابي يستخدم الدولار واليورو ومعدلات الفائدة لتحقيق غاياته وإن الهدف هو تركيع تركيا وهم يستخدمون معدلات الفائدة سلاحا لتحقيق ذلك".

في ظل هذه النتائج المتشائمة تتحدث وسائل الاعلام التركية عن تفاؤل فيما يتعلق بالصادرات اذ قال بيان لمجلس المصدرين الاتراك ان قيمة مجمل الصادرات التركية ارتفعت خلال الأشهر العشرة الأولى من هذا العام في الفترة بين كانون الثاني وحتى تشرين الأول الماضي، بنسبة 11 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتبلغ 128 مليارا و659 مليونا و921 ألف دولار.
 واضاف: "احتلت ألمانيا المرتبة الأولى في قائمة الدول العشرين الأكثر استيراداً من تركيا، بزيادة بلغت 7.3 % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بقيمة وصلت 12 مليارا و234 مليونا و761 ألف دولار، بينما احتلت المرتبة الثانية المملكة المتحدة بقيمة بلغت 7 مليارات و664 مليونا و201 ألف دولار، وتلتها العراق بقيمة بلغت 6 مليارات و787 مليونا و626 ألف دولار، ثم إيطاليا بقيمة بلغت 6 مليارات و732 مليونا و545 ألف دولار، والولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 6 مليارات و727 مليونا و735 ألف دولار .

ارتفاع قيمة الصادرات
ارتفاع قيمة الصادرات لم يساهم في تقليل الديون ولا رفع قيمة الليرة

وارتفعت صادرات تركيا خلال سبتمبرالماضي، بنسبة 8.9 بالمئة، مقارنة بالشهر نفسه من العام المنصرم 2016.
 وبحسب معطيات نشرها مجلس المصدرين الأتراك، فإنّ قيمة الصادرات التركية خلال سبتمبر الماضي، بلغت 11 مليارا و337 مليون دولار.
 وأضاف المجلس أنّ صادرات البلاد ارتفعت خلال الأشهر التسعة الأولى من 2017، بنسبة 10.6 بالمئة، مقارنة بالفترة نفسها من 2016.
 وبلغت قيمة الصادرات خلال الأشهر التسعة الأولى 114 مليارا و661 مليون دولار.
 كما أوضح المجلس أنّ صادرات تركيا خلال آخر 12 شهر، زادت بنسبة 9 بالمئة، مقارنة مع الفترة المماثلة التي سبقتها، وبلغ إجمالي قيمتها 153 مليارا و24 مليون دولارا.