يناير 28 2018

أزمة الإسلام السياسي بين علمانية الدولة التركية والحاكمية المزيفة

تثير اطروحات الإسلام السياسي إشكالية افتعلها النظام التركي بعد تسلم حزب العدالة والتنمية بزعامة اردوغان مقاليد الحكم منذ صعود الحزب في انتخابات العام 2002.
فلم يجد هذا النظام وسيلة يشوش فيها على جمهوره واستقطاب مزيد من الاتباع سوى اختلاق فكرة الصراع داخل المجتمع التركي ما بين علمانية الدولة والتديّن الشخصي.
ولهذا وجد أرضية خصبة للمتمردين على مبادئ فصل السلطات والحريات الشخصية وصولا للناقمين على علمانية الدولة وشعاراتها التي تم حرفها عن مسارها حتى صار معنى العلمانية في نظر العوام هي مجموعة من الانحرافات على المستوى الشخصي.
لهذا لم يكن مستغربا السخرية والهجوم على المعارضة التركية من طرف المتشددين في حزب العدالة والتنمية بوصفهم من شاربي الخمور.
تم تهميش جميع التحديات والاشكاليات المجتمعية وصار البديل هو الزج في الناس في اتون صراعات مجتمعية ضيقة وخلافات تتعلق بالسلوكيات الفردية في نسق يقترب من الخرافة منه الى الواقع الحقيقي.

مبدأ الحاكمية المزيفة قادت الى خلق بيئة للتطرف ذا دوافع اجرامية مجتمعية بحتة مغطاة بتفويض ديني زائف وشعارات حماسية قصيرة الاجل
مبدأ الحاكمية المزيفة قادت الى خلق بيئة للتطرف ذا دوافع اجرامية مجتمعية بحتة مغطاة بتفويض ديني زائف وشعارات حماسية قصيرة الاجل

ما يلفت النظر انه عادة ما يصور المحللون الصراع السياسي في تركيا باعتباره معركة بين معسكرين مختلفين جذريا: علماني وديني. صحيحٌ أن هذا الرأي يحمل بعض الصواب، إلا أن معظم التحليلات غاب عنها فهم أن العلمانية التركية مختلفة جدًا عن العلمانية الغربية.
هذا الفهم المشوه هو الذي دفع الدعاية الرسمية لحكومة العدالة والتنمية الى نعي العلمانية التي بموجبها تأسست الدولة التركية وحققت نجاحاتها المشهودة.
 بل ان الكاتب التركي محمد زاهد جول يقول أن" العلمانية الأتاتوركية المستنسخة للتطبيق الفرنسي زُرعت في بيئة غير صالحة لها، وهذا أدى إلى فشلها في عقودها الأولى، والبحث عن علمانية تتوافق مع البيئة التركية أولا، وتتوافق مع معتقدات الشعب التركي المسلم ثانيا".
وامتدادا للعزف على مقولة المتناقضات التي لا تبني دولة حديثة يتم نعي العلمانية بطرق شتى تتلقفها الدعاية التركية بشكل متواصل.
ينشر موقع ترك برس مقالا يشكك فيه بأصل مفهوم العلمانية في الدولة التركية اذ يقول فيه:
" لطالما كانت تركيا قبلة المؤمنين بالعلمانية ومفاهيمها. إلا أنّ تطوراتها السياسية والإجتماعية الأخيرة تؤشّر إلى قُرب اضمحلال هذا النمط من التفكير والنظام الذي حكمها خلال العقود الماضية. فبعد تطبيق العلمانية في الدولة وعلى المجتمع منذ العام 1923، عاد الإسلاميون إلى الحكم عام 2002، ومعهم مجد سلطنة عثمانية غابرة وأحلام خلافة إسلامية. كما تحوّلتْ فترة حكم العلمانيين لتركيا إلى مجرد مرحلة من الماضي قد لا تعود يوماً".

هنالك من اتباع حزب العدالة والتنمية من يروج انه بصعود نجم اردوغان وحزبه بدأ افول العلمانية التركية باتجاه الاستبداد الذي يتغطى بمقولات الاسلام السياسي واستهداف  حرية الافراد
هنالك من اتباع حزب العدالة والتنمية من يروج انه بصعود نجم اردوغان وحزبه بدأ افول العلمانية التركية باتجاه الاستبداد الذي يتغطى بمقولات الاسلام السياسي واستهداف حرية الافراد

بل ان المقال يذهب الى ما هو ابعد من ذلك بكثير في دفن ونعي العلمانية اذ يقول" لقد طوى الأتراك مرحلة العلمانية منذ سنوات قليلة، فبات للإسلاميين مرتبة الصدارة في الانتخابات والسلطة وأجهزة الدولة والمجتمع. ما عادوا أعداء الدولة كما كانت تصفهم الحكومات العلمانية السابقة، ولا أعداء الأمّة التركية كما كانت المؤسّسة العسكريّة العلمانية تصنّفهم، بل باتوا أسياد الحكم والجيش والبلاد. فيما تحوّل العلمانيون إلى ما يشبه الفئة المهمّشة وضعيفة التأثير في اللعبة السياسية الداخلية، والتي تجهد للحفاظ على ما تبقى من إرث تركيّا العلماني".
العلمانية المهمشة صارت فجأة شعارا سياسيا يدغدغ اتباع موجات الإسلام السياسي بما يتيحه من أحلام طوباوية وامجاد غابرة يتغنى بها افراد يريدون الهروب من الحاضر المتأزم الى الماضي الذي لا تعرف بداياته ولا نهاياته.
الحاكمية صارت افتراضا وجد في تهميش العلمانية تم انعاشه من خلال استقطاب الجماعات الاخوانية وزجها في المجتمع التركي.
حاكمية سيد قطب وآخرون ممن يؤمنون بالفكرة ذاتها تتشظى في كل يوم وتثبت كونها امتدادا طوباويا ينعش أحلام مآزومين غير قادرين على قيادة عصرية لمجتمعات تعاني ما تعانية من فوضى وبطالة وفقر وامية.

حاكمية سيد قطب تم ترويجها بشكلها الهجيني المطلق بصرف النظر عن كونها مقولات كانت بمثابة رد فعل عنيف على ظرف سياسي واجتماعي انتهى وانقضى
حاكمية سيد قطب تم ترويجها بشكلها الهجيني المطلق بصرف النظر عن كونها مقولات كانت بمثابة رد فعل عنيف على ظرف سياسي واجتماعي انتهى وانقضى

انهم المراهنون على وهم تلك الحاكمية في نسقها التركي الذي لا وجود له أصلا فالدولة التركية ومؤسساتها الراسخة لم تنشؤها حاكمية اردوغانية ما انفك يسوقها تيار اخواني متصدع  وبلا رؤية كل الذي حققه هو مزيد من المؤتمرات الكلامية التي تمجد اردوغان بوصفه المطبق الأمين للحاكمية والخليفة الجديد للعثمانية.
في الوقت نفسه كانت تلك المقولة قد اثبتت فشلها ولا جدواها وانها اقرب الى الاشاعة التي تبناها كثير من اتباع التيار الاخواني من دون ان يتبينوا حيثياتها حيث خطّها سيد قطب وهو في عز ازمته الشخصية.
يضع الشيخ الغزالي الأمور في نصابها في تفنيد تلك الاطروحة المتعلقة بالحاكمية التي بثها سيد قطب قائلا" لعل الظلم الذي وقع على سيد قطب من قبل نظام ثورة يوليو، هو الذي جعله ينفرد برأي أملته عليه ظروف المحنة التي وقع فيها. 
فهو له ابن أخت سجن ظلمًا ، ثم إنه رأى في السجن بلاءً كثيرًا، والواقع أن محاكمته كانت مهزلة، فالرجل كتب كتابة فيها حدة وعنف ضد الحكام وتأول آيات القرآن على أنه لابد من اشتباك صريح مع هؤلاء، وهذا ليس من الممكن".
 

استخدام القبضة الحديدية في مواجهة الرأي العام التركي المعارض للنهج الاردوغاني في تشويه وقتل علمانية الدولة التركية هو وجه آخر من وجه الاستبداد الذي تطرحه مقولات الاسلام السياسي
استخدام القبضة الحديدية في مواجهة الرأي العام التركي المعارض للنهج الاردوغاني في تشويه وقتل علمانية الدولة التركية هو وجه آخر من وجه الاستبداد الذي تطرحه مقولات الاسلام السياسي

هذا غيض من فيض ما يمكن الخروج به من محصلات يجري التعتيم والسكوت عليها في ظل هوجة تيارات الإسلام السياسي تلك التي نشأت وترعرعت في كنف ظروف تدفع دوما الى الإحباط واللاجدوى وتاليا الى التمرد غير المنضبط مهما جار على أجيال بأكملها وأضاع السبيل امامها.
ولعل الأساس هو اصلاح شامل لبنى الدولة الحديثة ذلك الذي تحتاجه العديد من البلدان العربية والاسلامية وبما فيها تركيا التي تفاقمت فيها الازمات والصراعات والانقلابات وفتحت فيها السجون بشكل لم يسبق له مثيل في ظل حكم العدالة والتنمية.
فعن اية حاكمية واي اسلام سياسي يروج المروجون فيما تركيا تستنزف اقتصاديا وبشريا ولا تعرف الى أي سبيل تسير واية نهاية لصراعاتها الدامية واستنزاف اقتصادها ومواردها البشرية؟.