مارك بنتلي
يوليو 15 2018

أزمة الاقتصاد التركي بعد تصنيف وكالة فيتش

تنزلق تركيا أكثر باتجاه أزمة مالية محتملة، ويبدو مصدر المخاطر ذاتيا في ظل تشديد الرئيس رجب طيب أردوغان قبضته على عملية صنع القرار الاقتصادي.
ويوم الجمعة، أصبحت وكالة فيتش للتنصينفات الائتمانية أحدث مؤسسة أجنبية تحذر أردوغان من مخاطر التحكم في الاقتصاد على حساب الخبراء والبيروقراطيين.
وخفضت الوكالة تصنيف الديون السيادية التركية إلى فئة (بي.بي) عالية المخاطر، وأرجعت ذلك إلى الإجراءات التي اتخذها أردوغان منذ إعادة انتخابه في 24 يونيو الماضي.
ويسعى أردوغان لإعادة تشكيل تركيا وفقا لرؤيته التي تهدف لجعل البلاد واحدة من أقوى 10 اقتصادات في العالم بحلول عام 2023 الذي يوافق الذكرى المئوية لقيام الجمهورية وذلك عن طريق إجراءات تحفيز اقتصادية محفوفة بالمخاطر.
ويحتاج الاقتصاد لزيادة حجمه ثلاثة أضعاف لتحقيق هذا الهدف. ويتسبب أردوغان أيضا في تصعيد التوتر بين تركيا والحلفاء الغربيين مع سعيه لامتلاك المزيد من النفوذ السياسي والعسكري في الشرق الأوسط والبلقان وأفريقيا على أمل استعادة المكانة التي تمتعت بها تركيا في ظل الامبراطورية العثمانية قبل أكثر من مئة عام. 
وأثار أردوغان قلق المستثمرين أكثر هذا الأسبوع بإعلانه أن معدلات الفائدة سوف تنخفض، وإصداره قرارا يمنح نفسه السلطة الوحيدة لتعيين محافظ البنك المركزي ونوابه لفترة أربعة أعوام. 
كما منح أردوغان صهره براءت البيرق مسؤولية الاقتصاد. والبيرق (40 عاما) هو زوج إسراء ابنة أردوغان.
ونتيجة لذلك، تراجعت الليرة إلى مستوى قياسي منخفض هو 4.98 أمام الدولار مما دفع إلى عمليات بيع واسعة في الأسواق الناشئة. 
وخسر مؤشر الـ100 ببورصة اسطنبول أكثر من 10 بالمئة من قيمته مدفوعا بأسهم البنوك التي اضطرت لدخول مفاوضات مع المقترضين لإعادة هيكلة عشرات المليارات من الدولارات من الديون بالنقد الأجنبي التي بات ردها أكثر صعوبة في ظل التراجع الشديد في قيمة الليرة.  وخسرت العملة نحو 25 بالمئة من قيمتها هذا العام. 
وقالت فيتش في وقت متأخر يوم الجمعة "في رأي فيتش فإن مصداقية السياسة الاقتصادية تدهورت في الشهور الأخيرة، والتحركات المبدئية في السياسة (الاقتصادية) التي أعقبت الانتخابات في يونيو زادت حالة عدم اليقين".
وأضافت وكالة التصنيف الائتماني "هذه البيئة ستفرض تحديات أمام ترتيب هبوط هادئ للاقتصاد".
وفي السابق، كانت الحكومة تحت إشراف رئيس الوزراء تختار محافظ البنك المركزي.
لكن منصب رئيس الوزراء ألغي الآن في ظل الرئاسة التنفيذية الجديدة ذات الصلاحيات الواسعة التي بدأ تطبيقها مع تأدية أردوغان اليمين القانونية يوم الاثنين. ويجتمع الوزراء الآن في المقر الرئاسي.
وألغى أردوغان شرط امتلاك نواب محافظ البنك المركزي خبرة لا تقل عن عشرة أعوام.
ويرأس البيرق الآن وزارة الخزانة والمالية، وحتى قدوم البيرق كانت الخزانة والمالية وزارتين يشرف عليهما وزيران مختلفان. 
وأبعد أردوغان شخصيات كانت تحظى بتقدير كبير بين المستثمرين الأجانب وبالتحديد محمد شيمشيك الخبير الاقتصادي السابق في ميريل لينش، وناجي إقبال الذي كان نائبا لوزير المالية قبل أن يصبح وزيرا.

منح أردوغان صهره براءت البيرق مسؤولية الاقتصاد. والبيرق (40 عاما) هو زوج إسراء ابنة أردوغان.
منح أردوغان صهره براءت البيرق مسؤولية الاقتصاد. والبيرق (40 عاما) هو زوج إسراء ابنة أردوغان.

جمع أردوغان المهام السابقة لشيمشيك وإقبال في إطار أوسع لتقليص المناصب الوزارية. 
وقال الرئيس التركي إن تقليص المناصب مطلوب لإزالة العوائق البيروقراطية، وتسريع اتخاذ القرارات. كما عين أردوغان واحدا من أقرب مستشاريه، وهو مصطفى ورانك، وزيرا للصناعة. 
ويحل فارانك محل فاروق أوزلو الذي كان مسؤولا حكوميا قبل أن يفوز بمقعد في البرلمان عام 2015.
وحفز أردوغان نمو اقتصاد تركيا البالغ قيمته 880 مليار دولار، وبلغ التوسع أكثر من ثمانية بالمئة في المتوسط خلال الشهور التسعة الماضية، وذلك عن طريق التركيز على تشييد بنايات شاهقة ومطارات وجسور وطرق. 
وسعى أيضا لتحفيز النمو بتخفيضات ضريبية، وضمانات قروض، وتشجيع المستهلكين على زيادة الإنفاق وهي أمور رفعت الواردات والتضخم.
نتيجة لذلك، اتسع عجز الحساب الجاري التركي إلى معدل محفوف بالمخاطر هو 6.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وقفز معدل التضخم إلى 15.4 بالمئة وهو نحو أربعة أمثال متوسط التضخم في الأسواق الناشئة، ومن المتوقع أن يواصل الزيادة في الشهور المقبلة.
وقال فادي حاكورة زميل تشاتام هاوس بلندن في مقال هذا الأسبوع "لا يبدو أنه يدرك أن نموذج النمو التركي يحتاج إلى تجديد كامل كي ينضم إلى عصبة الاقتصادات الغنية".
وأضاف "إنه (الاقتصاد) يعتمد أكثر من اللازم على الانفاق والبنية التحتية التي ترعاها الحكومة، ومشروعات إنشائية تمولها تدفقات مالية تهدف للمضاربة، وليست استثمارات خاصة مستدامة أو صادرات".
وافق الناخبون الأتراك على ما يطلق عليها أردوغان "الرئاسة التنفيذية" في استفتاء خلال أبريل 2017 شابته مزاعم تزوير.
وفي ظل القبضة الحديدية على الإعلام، فاز أردوغان بفترة ثانية في رئاسة تركيا الشهر الماضي بنسبة 52 بالمئة من الأصوات وبفارق نحو 20 بالمئة عن أقرب منافسيه وتفادى الدخول في جولة ثانية فاصلة. 
وحذرت مؤسسة فيتش الحكومة أيضا بشأن كميات النقد الأجنبي التي تقترضها الشركات التركية. 
وتصل القيمة الإجمالية للقروض إلى أكثر من 220 مليار دولار عند طرح الأصول التي تمتلكها هذه الشركات بالعملة الأجنبية.
وقد تسبب التراجع في الليرة في انهيار أكبر شركة اتصالات تركية وهي "ترك تليكوم" التي استحوذت عليها مجموعة من البنوك الأسبوع الماضي في ظل ديون على الجهة المالكة وهي "أوجيه تليكوم" السعودية بلغت خمسة مليارات دولار. 
ودخلت يلدز القابضة المصنعة لشوكولاتة جوديفا في مفاوضات مع البنوك التركية لإعادة جدولة مبلغ مشابه من الديون. وذكرت تقارير أن شركات الطاقة، التي تعاني في ظل فرض الحكومة حدود قصوى للأسعار، تعيد هيكلة نحو 20 مليار دولار.

لقراءة المقال باللغة الانكليزية على هذا الرابط
وحذر حاكورة، وكذلك ماركوس آشوورث الخبير الاستراتيجي السابق في هايتونج للأوراق المالية في لندن، من أن حكومة أردوغان قد تفرض قيود على رؤوس الأموال إذا زاد الموقف الاقتصادي سوءا. 
وأشار آشوورث إلى تصريحات لأردوغان قبل أيام دعا فيها البنوك إلى "المشاركة في تحمل العبء" للمساعدة في تحفيز النمو الاقتصادي.
وقال آشوورث إن فرض قيود على رؤوس الأموال سيكون أمرا "مخيفا في بلد يعاني هذا القدر الكبير والمتزايد من عجز الحساب الجاري، ويعتمد بشدة على التمويل الخارجي".
ومن المعروف أن أردوغان طلب المشورة بشأن إمكانية فرض قيود على رؤوس الأموال، وسبل تطبيقها في تركيا وذلك منذ عدة شهور وبالتحديد حين زادت احتمال فرض غرامات بعشرات المليارات من الدولارات على بنك خلق التركي الذي تديره الدولة.
وواجه البنك اتهامات بمساعدة رجل أعمال تركي من أصل إيراني على التحايل على العقوبات الأميركية على إيران وذلك ضمن تحقيق تجريه وزارة الخزانة الأميركية في هذا الشأن. 
ونفت الحكومة من قبل مثل هذه الخطط. وسعى البيرق لتهدئة المستثمرين هذا الأسبوع ببيانين أكد فيهما التزام الحكومة باستقلال البنك المركزي، وعرض خطط الحكومة في الشأن الاقتصادي. وتحركت الليرة بالإيجاب قليلا بعد تصريحات البيرق. 
ومن المقرر أن يلتقي البيرق، وزير الطاقة السابق والرئيس التنفيذي لشركة شاليك القابضة وهي مؤسسة للطاقة والإنشاءات، بمستثمرين في لندن خلال أيام لإقناعهم بأن الاقتصاد آمن تحت إشرافه، وفي ظل قيادة أردوغان والد زوجته.
وقال البيرق إن الحكومة ستجعل على رأس أولياتها خفض التضخم وإعادته إلى رقم في خانة العشرات – والهدف متوسط المدى للبنك المركزي هو خمسة بالمئة- وإعادة توازن الاقتصاد لكن تصريحاته كانت قليلة التفاصيل.
ولم يوضح البيرق هل ستفضل الحكومة رفع أسعار الفائدة للمساعدة في كبح التضخم ولوقف تراجع سعر الليرة.
ويقول إردوغان إن معدلات الفائدة المرتفعة تزيد التضخم وهو رأي يخالف النظريات الاقتصادية التقليدية. 
ومن المقرر أن يجتمع مسؤولو البنك المركزي لبحث أسعار الفائدة في 24 يوليو الجاري، ويتوقع المستثمرون زيادة كبيرة في سعر الفائدة الرئيسي البالغ 17.75 بالمئة.