أزمة الهوية لدى حزب الشعب الجمهوري قبل الانتخابات.. نعمة أم نقمة؟

إنه لأمر مدهش عدد المرات التي تمكن فيها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، من إخماد الحرائق التي يشعلها عبر التراجع في خطواته بشكل غير متوقع، فكم من مرة يفشل الحزب في تعبئة وتوجيه وتوسيع مشاعر الحماسة التي يفجرها لدى أنصاره، وفي كل مرة يحبط قادة الحزب هذه المشاعر بطريقة دفعت قاعدة ناخبيه إلى براثن خيبة الأمل واليأس.
وفي صميم هذا الفشل المتكرر تكمن أزمة الهوية التي يعاني منها حزب الشعب الجمهوري، وباتت سببا رئيسيا في حالة الجمود الكارثية التي أصابت صفوفه. وما يزيد من آلامنا إزاء هذا الوضع هو أن تركيا لا يمكنها تحمل أن يكون هذا الحزب المتكلس هو حزب المعارضة الرئيسي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها. ومع ذلك، من الممكن جدا أن تتحول الهويات المتعددة لحزب الشعب الجمهوري من كونها نقمة إلى مصدر لقوة دفع جديدة للحزب.
وكان أحدث مثال على قيام حزب الشعب الجمهوري بإثارة حماسة مؤيديه ثم إحباطهم مرة أخرى، عندما صافح زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال قليجدار أوغلو زعيمة الحزب الصالح ميرال أكشينار. 
ففي مناورة ذكية، أعلن 15 نائبا من حزب الشعب الجمهوري استقالتهم من الحزب، والانتقال إلى عضوية الحزب الصالح، ليضمن الأخير بذلك المشاركة في الانتخابات المبكرة التي ستجرى في 24 يونيو. ولاقت هذه الخطوة المفاجئة استحسان وترحيب مؤيدي حزب الشعب الجمهوري. 
فرغم كل شيء، أصبح من النادر جدا في تركيا اليوم أن تقوم بأي خطوة ضد رغبات حكومة حزب العدالة والتنمية، ناهيك عن إمكانية إحراز هدف ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، بالطريقة التي تسببت فيها هذه المصافحة. 
وبالتالي، بدأ الأمل يحدو أنصار حزب الشعب الجمهوري بشأن الانتخابات، ليتساءلوا بين بعضهم البعض: هل من الممكن لحزبهم، حتى في ظل ممارسات السلطة غير العادلة والقائمة على التزوير، أن يقود المعارضة إلى النصر ضد أردوغان؟
بعدها بأيام، خمدت مشاعر الإثارة لدى أنصار الحزب في ظل التكهنات حول المرشحين المحتملين، والاعتراضات على ترشح الرئيس السابق عبد الله غول المقترح، وهي الفكرة التي أصبحت خارج المناقشة لاحقا بعد تصريحات لغول، يوم السبت، قال فيها إنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية. وما هو أسوأ من ذلك أن مؤيدي الحزب تملكهم الغضب وخيبة الأمل جراء عدم اكتراث الحزب أو قيادته بتوضيح الموقف، أو إنهاء التكهنات حول المرشح الذي ينوون دعمه.
وربما لا يكون ذلك أمرا مفاجئا بالنسبة لحزب سار زعيمه لمسافة 450 كيلومترا بين أنقرة واسطنبول للمطالبة بالعدالة قبل أن يفشل في ترجمة الزخم الحماسي الهائل الذي نتج عن هذه الخطوة إلى أي نتيجة ملموسة لصالح العدالة. 
كما فشل حزب الشعب الجمهوري أيضا في تحويل الغضب الشعبي إزاء تدخل لجنة الانتخابات في اللحظات الأخيرة لمساعدة أردوغان في الفوز باستفتاء أبريل 2017 إلى إجراءات فعلية للطعن في نتيجة التصويت، أو استغلال زخم انتخابات يونيو 2015 قبلها للتقارب مع حزب الشعوب الديمقراطي، أو بلورة "روح احتجاجات متنزه غيزي" والمنظمات المحلية التي انبثقت منها في حركة معارضة شعبية موحدة.
ولكي نفهم الهويات المختلفة داخل حزب الشعب الجمهوري، علينا أولا معرفة مما تتشكل منه قواعد الحزب، فاليوم تضم قاعدة مؤيدي الحزب أطيافا واسعة من مختلف الآراء السياسية التي لا يمكن تصنيفها ببساطة بين قطبي اليمين واليسار بشكلهما التقليدي. 
فعلى سبيل المثال، هناك مجموعة من داعمي حزب الشعب الجمهوري الذين يتمتعون بروح ديناميكية وتقدمية، تسوغ لهم فكرة أن التصويت الاستراتيجي لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، لا يعني ارتكابهم جريمة الخيانة بحق حزبهم. 
وهناك أيضا مجموعة المؤيدين العلمانيين التقليديين الذين ينظرون إلى البعد القومي باعتباره البعد الأكثر أهمية وهؤلاء يجدون أنفسهم ممزقين بين حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح. 
وهناك كذلك الكماليون، الذين يطلق عليهم على سبيل المزاح مصطلح "عمات الجمهورية"، وهي مجموعة تولي الكثير من الأهمية للقيم الجمهورية مثل القومية والعلمانية، لكنهم ما زالوا يتمسكون بالنمط المحافظ على اعتبار أن أفضل مرحلة مرت على تركيا في تاريخها كانت حقبة جمهورية أتاتورك.
ونظرا لأن هذه المجموعات المختلفة تتحرك في اتجاهات متعارضة، أو لأن قيادة الحزب تخشى استعداء مجموعة أو أخرى، يقع قادة الحزب عادة في فخ عدم القدرة على التصرف السريع، أو بعبارة أخرى التسمر في مكانهم إزاء أي موقف يتطلب منهم اتخاذ قرارات عاجلة. فمثلا كان التعاون بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي بعد انتخابات يونيو 2015 سيلاقي ترحيبا كبيرا من جانب التقدميين، لكنه أيضا كان خطا أحمر يجب عدم تجاوزه بالنسبة للقوميين. 
وبالتالي، لم يتمكن حزب الشعب الجمهوري من القيام بأي خطوة في هذا الاتجاه، وهو ما سمح لحزب العدالة والتنمية بالتدخل لضرب العملية السياسية برمتها من خلال إجراء انتخابات مبكرة في نوفمبر 2015 ليتمكن من تعويض الخسائر التي لحقت به في انتخابات يونيو. 
لذلك، يمكن القول إن مخاوف قادة الحزب من تقلص قاعدة مؤيديه تتسبب في إبقاء الحزب في حالة جمود، وهو وضع لا يمكن تحمله في ظل الظروف الحالية.
لكن هذا لا يعني أن السبيل الوحيد للخروج من حالة الجمود تلك هو التشرذم الحزبي، فأنا لا أقترح بأي حال من الأحوال أن ينقسم حزب الشعب الجمهوري إلى حزبين أو أكثر، بل على العكس تماما، إذ أن التمتع بتأييد مثل هذه المجموعة الواسعة من الآراء السياسية يمكن أن يكون مفيدا في توسيع كتلة المعارضة وبناء تحالف أوسع. 
وبالتالي، فإن سبيل الخروج من حالة الجمود في نظري هو فهم طبيعة التنوع داخل قاعدة مؤيدي الحزب، وبحث سبل الاستفادة من هذا التنوع، وأخذ زمام المبادرة في القيام بدور قيادي نشط في دفع الحزب والمعارضة كلها إلى الأمام.
ولعل من أهم مقاييس القيادة الناجحة هو اتخاذ إجراءات مدروسة جيدا، عوضا عن الاكتفاء بردود فعل دفاعية في مواجهة إجراءات حكومة حزب العدالة والتنمية وتحركاتها. فالقيادة لا تعني فقط اضطرار مؤيديك إلى تحمل مرارة قراراتك، لكنها تقتضي أيضا شرح أسباب أخذك لهذه القرارات لهم باستمرار. 
وسبق لحزب الشعب الجمهوري بالفعل أن دفع ناخبيه لتأييد مرشح مثل أكمل الدين إحسان أوغلو والاحتشاد خلف منصور يافاش لرئاسة بلدية أنقرة والإشادة بمصافحة كمال قليجدار أوغلو لميرال أكشينار. 
لذلك، أميل إلى الاعتقاد بأن مؤيدي الحزب سيكونون سعداء إذا ما اتخذ قادته خطوات جريئة تهدف إلى تغيير الوضع القائم الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية.
لكن في الواقع سيكون من الصعب على الحزب إيصال رسائله إلى مؤيديه في ظل الضوابط المفروضة على وسائل الإعلام والبيئة السياسية القمعية القائمة حاليا في تركيا. 
ولن يحصل قادة الحزب بالطبع على الكثير من وقت البث على وسائل الإعلام، وهو ما يجعلنا نتساءل: لماذا لا يستخدم الحزب وسائل التواصل الاجتماعي، والجمعيات المحلية، ومقرات جمعية الفكر الأتاتوركي، وموارد النقابات المتحالفة معه للوصول إليهم؟
وبنظرة إلى حساب الحزب الرسمي على موقع تويتر، نستطيع بسهولة إدراك أن تغريدات الحساب تبعث على الملل وتتسم بالركود ولا تقدم أي تحديثات حول أنشطة الحزب. 
وعلى النقيض تماما، هناك حساب تويتر ساخر يحمل اسم "شيرو"، وهي قطة تسكن المقر الرئيسي لحزب الشعب الجمهوري، ويتمتع بتفاعل كبير مع متابعيه بتغريدات تتسم بخفة الظل وسرعة البديهة، لدرجة أن هناك أشخاصا تعهدوا بالتصويت لصالح القطة "شيرو" ضد أردوغان، وأحيانا تحمل بعض هذه التعهدات جدية كبيرة إلى حد تشعر وكأن دعم هؤلاء لترشح القطة ليس مجرد مزحة.

شيرو قطة حزب الشعب الجمهوري
شيرو قطة حزب الشعب الجمهوري

يبقى أن نقول إن الفوز بهذه الانتخابات هو مسألة وجودية لكل من أردوغان وحزب العدالة والتنمية. فبالنسبة لهما، الخسارة ليست خيارا. 
ولذلك، عكفا في الفترة الأخيرة على بذل قصارى جهدهما من أجل ضمان الفوز في الانتخابات الرئاسية، عبر وضع القوانين واللوائح المتعلقة بالعملية الانتخابية، والتدخل في عمل الإدارات المحلية، وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، وتعزيز قبضتهم على وسائل الإعلام، عبر وضع جميع المنافذ والوكالات الإخبارية الرئيسة في أيدي الموالين للحكومة. 
وكذلك سعى لاحتجاز السياسيين المحليين ونواب البرلمان الموالين لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، وتشجيع السوريين على التقدم للحصول على الجنسية في جنوب شرق البلاد، واستمرار حالة الطوارئ وحتى بدء عملية عسكرية في سوريا لتأجيج النزعة القومية.
ومع ذلك، كان معسكر "لا" قريبا من الفوز في استفتاء أبريل 2017 في ظل ظروف مماثلة من الافتقار للعدل والنزاهة في عملية التصويت. وبالتالي، يمكن لحملة انتخابية ذكية بالتعاون بين القاعدة الشعبية وآلة الحزب وقيادته، أن تقطع شوطا طويلا نحو الحصول على الأصوات اللازمة للفوز. كما أن الدخول في شراكات مع منظمات مراقبة الانتخابات يمكن أن تردع السلطات من ارتكاب الكثير من مخالفات التصويت، حتى لو لم تستطع منعها بالكامل.
وعلى الأرجح سيفوز أردوغان بالرئاسة في خطوة قد تقود في نهاية المطاف إلى القضاء على النظام السياسي التركي كما نعرفه. ومثلما لم يكن لحزب الشعب الجمهوري وغيره من أحزاب المعارضة أي رأي في التشريعات أو الإجراءات الحكومية، على الأقل منذ فرض حالة الطوارئ في أعقاب محاولة الانقلاب، لن تكترث أحزاب المعارضة كثيرا بفوز أردوغان في الانتخابات المقبلة.
وذلك يعود لأنه ليس لديها ما تخسره، كما أن نظام أردوغان الفاسد والقمعي سريعا ما سيمنح معارضيه الكثير من الفرص الذهبية التي يمكن استخدامها ضده، وكل ما على حزب الشعب الجمهوري فعله هو إظهار الشجاعة وروح القيادة اللازمة لاستغلال هذه الفرص لحشد مؤيديه والمعارضة الأوسع نطاقا خلفه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: