جان تيومان
نوفمبر 10 2018

أزمة تجارة السيارات تفاقم معضلة الإقتصاد في تركيا 

تمثل مبيعات السيارات، وإلى جانبها مبيعات الوحدات السكنية، إحدى البيانات التي قدمتها سلطة حزب العدالة والتنمية لفترة زمنية طويلة كمؤشر على وجود نهضة اقتصادية في البلاد. 
ولطالما قدم الرئيس أردوغان، في الانتخابات التي تكررت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، أرقام مبيعات السيارات كنموذج للاستقرار الاقتصادي، وشدد على عدم وجود أزمة اقتصادية متسائلًا: "لو كانت هناك أزمة هل كان يمكن بيع هذا القدر من السيارات؟".
والحقيقة هي أن تجارة السيارات تأتي على رأس القطاعات الأسرع نموًا في تركيا خلال الــ 16 سنة الأخيرة. ويبلغ إجمالي مبيعات السيارات سنويًا في البلاد ما يقرب من 1 مليون سيارة اعتبارًا من عام 2010. 
وقد تحطم الرقم القياسي ببيع 985 ألف سيارة عام 2016، وبدعم الطلب المحلي زاد عدد الشركات التي تستثمر في مجال الانتاج في تركيا، وبفضل تلك الشركات أخذت تجارة السيارات عرش صناعة النسيج التي كانت الأولى في الـــ 90، لتصبح بذلك أكثر القطاعات تصديرًا في البلاد.
إلا أن الاضطراب الذي شهدته أسواق المال هذا العام قد أفسد الأعمال في هذا القطاع، ربما بقدر لم يكن من قبل قط. ونتيجة لارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي إلى 7.20 ليرة تركية ورفع البنك المركزي التركي أسعار الفائدة مباشرة بمقدار 6.25 في المائة عاش القطاع ضربتين موجعتين. ووفقًا للبيانات الصادرة عن رابطة موزعي السيارات (ODD) فقد بيعت في البلاد خلال شهر سبتمبر حوالي 23 ألف سيارة تجارية خفيفة وسيارة ركوب خاصة.
ويظهر هذا الرقم انكماشًا في النمو بنسبة 67 في المائة، وهو ما يجعل المسؤولين عن القطاع يصفون الوضع بأنه "سيء كما كان الحال في أزمة 2001" وأنه "كارثي"، بينما البيانات الواردة في شهر أكتوبر قد زادت من أبعاد الذعر بصورة أكبر. فقد بيعت 21 ألف سيارة الشهر الماضي، وهذا الرقم يعني انكماشًا بنسبة 77 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، أي 65 في المائة مقارنة بمتوسط العشر سنوات. وتكشف المعلومات الواردة من القطاع أن الوضع في شهر أكتوبر أيضًا لم يتغير.
وبالطبع فإن إدارة الاقتصاد هي من يحتكر كل هذه المعلومات. وكانت الحكومة أعلنت حزمة من الإجراءات الأسبوع الماضي؛ تجعل سبب تخفيض قيمة الضريبة على مبيعات السيارات أمرًا واضحًا بالإضافة إلى تخفيض أسعار الحديد الخردة من أجل زيادة المبيعات داخل القطاع والحيلولة دون تحول الركود فيه إلى كارثة اقتصادية.  
ويسري التخفيض الضريبي خلال الشهرين الماضيين، ووفقًا للتصريح الذي أدلى به رئيس رابطة وكلاء بيع السيارات المعتمدين "مراد شاه سوار أوغلو" إلى قناة بلومبرغ يوم الجمعة من المتوقع أن يبيع القطاع في ظل هذه التخفيضات 100 ألف سيارة أخرى.
ومع هذا التخفيض الضريبي المؤقت الذي يزيد من الطلب الكموني يتوقع أن يرتفع إجمالي المبيعات بنهاية العام إلى ما بين 650-600. وهذا يدل على أنه بالرغم من تخفيض الضرائب وتحريك الحديد الخردة إلا أنه من المتوقع أن تتراوح نسبة الانكماش السنوي في القطاع ما بين 32-37 في المائة.
ومع أن التخفيض الضريبي شيء إيجابي وفقًا لـ/ شاه سوار أوغلو إلا أنه لن يأتي بحل أكيد وقاطع؛ لأن السبب الوحيد ليس هو زيادة أسعار السيارات تأثرًا بسعر الصرف. إنه عدم توفر الرغبة الكافية لدى القطاع المالي لتمويل مبيعات السيارات في القطاع. ويذكر شاه سوار أوغلو أن البنوك في الوقت الراهن استجابت لثلاثة طلبات فقط من بين كل 10 طلبات بالاقتراض. وهذا المعدل منخفض مثل معدل الاستجابة لطلبات الاقتراض في قطاع الإسكان خلال الأزمة. كما أدلى شاه سوار أوغلى بمعلومات وبيانات كشفت أن طلب الشركات استئجار السيارات يشكل حصة كبيرة في إجمالي المبيعات سنويًا، وأنه فقد قدرًا كبيرًا من زخمه بسبب تردي الظروف المالية.
وتشير الأرقام إلى حدوث تحلل سريع بسبب ما تتعرض له مبيعات السيارات من ضغط من الجانبين جراء ارتفاع أسعار المبيعات، وعقبات التمويل. ووفقًا لبيانات هيئة الإحصاء التركية فإن متوسط أسعار السيارات الديزل الجديدة خلال السنة الماضية، وتحديدًا الفترة من شهر سبتمبر إلى سبتمبر، قد زاد بنسبة 61.1 في المائة، ليرتفع من 95.9 ألف ليرة إلى 154 ليرة، ومنها إلى 500 ألف ليرة.
أما بالنسبة لأسعار السيارات البنزين فقد سجلت ارتفاعًا بنسبة 57.2 في المائة لتصل من 70.8 ألف ليرة تركية إلى 111.3 ألف ليرة تركية. وتشير هذه الأرقام إلى أن زيادة أسعار السيارات أعلى بكثير من معدل التضخم السنوي الذي أعلن أنه 24 في المائة.
من ناحية أخرى فإن بيانات البنك المركزي تكشف ارتفاع التكلفة السنوية لقروض شراء السيارات المسحوبة لتصل إلى 30.89 في المائة مطلع شهر نوفمبر الجاري. وقد كان هذا الرقم 14.41في المائة خلال نفس الفترة من العام الماضي. وعند إضافة تكلفة أسعار الفائدة يظهر أن التكلفة المالية الإجمالية التي ستدفع هذه الأيام من أجل شراء سيارة ديزل بمعدل ائتمان بقيمة 70 في المائة سنويًا بلغت 187 ألف و900 ألف ليرة تركية.
ومع ذلك فقد كان هذا الرقم 105 آلف و700 ليرة تركية العام الماضي. وهذا المتوسط يعني ارتفاع الثمن الذي سيدفع لأجل شراء سيارة بقرض ائتماني بنسبة 78 في المائة. كما أنه يحمل نسبة مهمة للغاية بالرغم من انكماش السوق تبلغ 77 في المائة خلال الشهر الماضي. وعلى الرغم من هذه الزيادة المرتفعة في التكلفة فإنه من الملائم اللجوء إلى تخفيض الحكومة للضريبة بالنسبة للسيارات التي لا تتجاوز قوة محركاتها 1600 سي سي. وفي المجمل يقلل سعر البيع الأخير ما بين 11 ألف و500 ليرة إلى 22ألف و500 ليرة.
أما بالنسبة للمستهلك فإن التراجع الذي شهدته الرغبة في شراء سيارات جديدة لا شك تنعكس بصورة سلبية على قنوات الإنتاج والبيع في القطاع. وعلى الرغم من مقارنة مستوى أرقام المبيعات مع العام 2001 فمن المرجح أن يكون الوضع الحالي أسوأ بالنسبة المنتجين والبائعين.
وعلى مدى سنوات الـ ــ1990 بلغ متوسط مبيعات سوق السيارات ما يقرب من 500 ألف سيارة، أما في السنوات اللاحقة حيث تضاعف متوسط المبيعات إلى الضعفين، فقد نمّى هذا القطاع شبكته الإنتاجية والتسويقية وفقًا لهذا.
وبالنظر إلى الأمر اليوم يتبين أن قطاع تجارة السيارات في تركيا يحقق مبيعات محلية من خلال 41 علامة تجارية، وأكثر من 950 ألف بائع وما يزيد عن 300 مركز تجاري معتمد. ووفقًا لبيانات رابطة وكلاء بيع السيارات المعتمدين فقد تم تنفيذ استثمارات بقيمة 15 مليار ليرة تركية على المراكز التجارية المنشأة في القطاع، ويشغل هؤلاء الوكلاء المعتمدون 100 ألف موظف مباشر، وأكثر من 250 ألف موظف غير مباشرين.
وعلى حين أوقف الإنتاج في المصانع الرئيسية خلال فترات معينة تأثرًا بانخفاض المبيعات في الفترة الأخيرة فقد باتت أوضاع البائعين أكثر سوءًا. وتكشف آخر الأرقام أن الوكلاء المعتمدين في هذا القطاع لم يستطيعوا سوى بيع سيارة واحدة كل يومين خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، كما تتوالى الأخبار بأن بعض البائعين أغلقوا مراكزهم أو باعوها لغيرهم.
ويقول نفس المسؤول إن أسلوب خذ أو ادفع سائد دائمًا، وأنهم عندما عجزوا عن تحقيق مبيعات في بعض الأشهر خلال الفترة الماضية تدبروا أمورهم عبر إجراءات مختلفة مثل بيع السيارات بدون أرباح، وتأجيرها لشركات تأجير السيارات.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/oto-bayileri-batiyor-plaza-basina-iki-gunde-bir-arac-satiliyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.