Yavuz Baydar
يونيو 29 2018

أسئلة وحقائق مريرة في مشهد تركي ضبابي

في الساعات الأولى من صبيحة اليوم التالي لانتخابات الأحد الرئاسية والبرلمانية التي أُجريت في تركيا، وبعدما كان غبار المعركة الانتخابية قد بدأ يهدأ، كانت نشوة المنتصر عنواناً لمشاعر مؤيدي الحكومة الحالية التي كان الفوز حليفها، بينما ظلت المعارضة في حالة صدمة.
لقد كانت التجربة التي مر بها من يقفون ضد الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تلك الليلة صدمة عميقة لم يستفيقوا منها بعد.
كثيراً ما كنت أناقش الاختلاف بين الصحفيين والسياسيين. فالسياسي يعد خطة تحركه، ويضع قائمة وعود لجمهور الناخبين، ويتاجر بأحلامهم، ويُبرز الإيجابيات ويقدح في المنافسين. وهؤلاء يقسمون العالم إلى صورتين، صورة حالكة السواد وأخرى وردية.
أما دور الصحفي فمختلف تماما؛ إذ إن وظيفته هي أن يرسم صورة واقعية للحقائق قدر المستطاع ويطرحها على الجمهور كما هي، بغض النظر عما إذا كانت تعجبه أم لا.
ومن ثم، فقد كنت دائماً أنصح أصدقائي من الصحفيين الذين يكتبون بأسلوب لا يناسب مهنتهم، ولكن يناسب الشخصية السياسية، بهذه النصيحة. كنت دائماً أقول لهم: فلتدخلوا المعترك السياسي. لقد رأيت كثيراً كيف أن من ينظرون إلى الصحافة على أنها مسألة ريادة سياسية يمكنهم إفساد المهنة وإحداث حالة من الارتباك من تلقاء نفسهم.
ولا يحظى من يعملون منا بجد لفهم الحقائق وتوضيحها سوى بالقليل من الحب؛ لا يتعلق الأمر برغبة في إفساد سعادة الناس، لكن الحقيقة هي أن الواقعية والتشاؤم أمران متلازمان لا ينفصلان عن بعضهما البعض. لذلك فإن من لديهم مرآة تعكس الحقيقة لا يحظون بالحب، وإن كانت مهنتهم واحدة من أقدس المهن.

لكن دعونا ننتقل إلى تحليل وجيز للمشهد منذ يوم الاثنين عبر سلسلة من الأسئلة.

ما الذي تُظهره النتائج؟

أولا، تظهر هذه الانتخابات نجاح أردوغان في قراءة المشهد السياسي والعلاقات بين الدولة والمواطنين، وبراعته الفائقة في التمسك بهدفه. ومن الجيد البدء بهذه النقاط لإجراء التحليل.
وكما أشار المقال الرئيسي لموقع أحوال تركية قبل الانتخابات، فإن أردوغان وصل إلى الفصل الأخير في مسرحية انتقلت به خطوة بخطوة صوب حكم الرجل الواحد، وهي عملية يقول البعض إنها بدأت بفوزه في الانتخابات العامة التي أجريت في عام 2011، بينما يقول آخرون إنها بدأت باحتجاجات حديقة غيزي عام 2013.
وقد قامر أردوغان بكل شيء في هذا السباق، في الوقت الذي بدا فيه للكثيرين أنه من المستحيل أن يعبر خط النهاية. ومن لم ير حنكة أردوغان السياسية قلل من شأنه وفسر أداءه الرتيب خلال الحملة الانتخابية على أنه علامة على الانهيار.
بيد أن "تحالف الشعب" الذي شكله أردوغان مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتوقيت إجراء الانتخابات يستحقان تفكيراً أكثر جدية وعمقاً بكثير من السابق.
وحتى حالة الغضب التي عبر عنها النائبان سيلين سايك بوكي وإلهان جيهانار من حزب المعارضة الرئيسي – حزب الشعب الجمهوري – فيما يتعلق بالظروف الانتخابية غير الطبيعية، والإصلاحات المناسبة لحزب العدالة والتنمية التي أجراها المجلس الأعلى للانتخابات، والبيع (الجبري) لآخر شركة إعلام كانت تنتمي للخط الرئيسي غير الحزبي – مجموعة دوغان الإعلامية – كل ذلك لم يتم تفسيره بالشكل الصحيح.
في النهاية، كان أردوغان هو من جديد من وجّه مجريات الأمور ببراعة.

بعد مزاعم بالتزوير، هل كانت النتائج شرعية؟

من المستحيل الطعن في النتائج؛ ويتجلى هذا في حقيقة أن مرشح المعارضة الأبرز لمنصب الرئاسة محرم إينجه قبل سريعا بنتائج الانتخابات بعد أن أثبت أنه كان منافساً خطيراً لأردوغان في تلك الانتخابات. وقد أبلغني خبراء في شؤون الانتخابات بأن أقصى أثر قد يكون للتزوير على النتيجة، قد لايتجاوز فارقاً يترواح بين واحد واثنين بالمئة.

ماذا عن خيبة الأمل الكبيرة في حزب المعارضة الرئيسي؟

هذا سؤال مهم.

إن التوسع الثقافي للمتدينين المحافظين الذي شاهده العلمانيون من الأتراك الميالون إلى نمط الحياة الغربي، والفساد والمحسوبية، والممارسات التي تناسب دولة بوليسية في ظل حالة الطوارئ المفروضة حاليا، كل ذلك حول تركيا إلى حالة أشبه بوعاء الضغط وأفرز حالة من الضجر انتقلت إلى الشارع بمساعدة الكاريزما التي يتمتع بها إينجه.
لكن هذا لم ينعكس على نطاق واسع في القنوات التلفزيونية التي تسيطر عليها الحكومة بشكل كبير في تركيا، إذ لم يعد هناك نقاش عادل وتعددي في البلاد. عند هذه النقطة، خرجت حالة الانفعال الشديدة التي انتابت المعارضة بسبب الانتخابات بكثافة إلى مواقع وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير متناسب من داخل دوائر تلك المعارضة. 
ونصيب الأسد من المسؤولية عن خيبة الأمل هذه يقع على عاتق "قادة الرأي" الغارقين في أحلام اليقظة، والذين لم يكونوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم صحفيون من المفترض أن يتسموا بالاعتدال والرزانة، وكانوا يرون في أنفسهم بدلا من ذلك سياسيين معارضين لا هم لهم سوى إثارة الرأي العام.
هؤلاء لم يبذلوا جهداً لفهم الجانب الآخر من الأمور، أو ليسألوا أنفسهم لماذا الأغلبية المحافظة الصامتة كانت ملجومة على النحو الذي كانت تبدو عليه، وما الذي كان يحدث مع حزب الحركة القومية.
نتيجة لذلك، يبدو أن توقعاتهم من الجماهير تحولت إلى اعتقاد بأن هزيمة أردوغان هي نتيجة متوقعة سلفاً. هذا التصرف الأرعن لم يكن يمت للصحافة بصلة، وبعث في نهاية الأمر على الشعور بالكآبة والغضب بين الناخبين.

هل لعبت استطلاعات الرأي دوراً في خيبة الأمل هذه؟

لست متأكداً من هذا. لكن الواضح هو أن استطلاعات الرأي التي أُجريت هذه المرة كانت بنكهة تركية فريدة؛ فقد شاهدنا أبحاثاً تُجريها شركات تربطها علاقات أعمال رسمية أو علاقات عضوية بأحزاب سياسية، وبمنهجية غير واضحة. تلك الشركات كانت تعرض ما توصلت إليه من نتائج بدون شفافية كجهات مستقلة.
وبعض مديري شركات استطلاعات الرأي تلك ظهروا على شاشات التلفزيون في الأسابيع السابقة على الانتخابات لكي يتحدثوا كممثلين عن الأحزاب ويصدروا توقعات لا تستند إلى أي أساس.
في المقابل، نجد أن الشركات القليلة الصادقة حذرت من أن الناخبين على الجانبين كانوا يُخفون نواياهم الحقيقية عن مستطلعي الرأي، وهذا ظهر عند فرز الأصوات.

ما الذي لم يفهمه قادة الرأي اليساريون؟

لسبب ما، لم ير هؤلاء أن الناخب التركي – بعيداً عن أن يكون أناضولياً تقليدياً يتسم بنقاء السريرة والبساطة – عادة ما يتصرف من منطلق المصلحة الشخصية، ويحسب ما يمكن أن يحصل عليه من دعم ومكاسب من الدولة.

ثانيا، حقيقة أن أردوغان أكد باستمرار على التقليد الأبوي الضارب بجذوره في عمق الثقافة السياسية التركية.
وقاد إصرار أردوغان وإلحاحه في اللجوء للخطاب القومي الإسلامي السني جزءاً كبيراً من هذه الشريحة المجتمعية باتجاه دعوات للفاشية والقبول بنظام الرجل الأوحد.
كما أن التراجع الاقتصادي لم يظهر على السطح سوى منذ أشهر فقط، ومن ثم فإن المواطنين لن يشعروا بأثره قبل منتصف عام 2019. وبناء على ذلك، فإن الأزمة لم تؤثر على انتخابات الرابع والعشرين من يونيو كما تصور البعض من قبل.
هؤلاء لم يفهموا هذه الحقائق، واختاروا الاستسلام لضلال قوالب الأمس السياسية البالية وأضلوا غيرهم بها طائعين. وفرص استمرار الأمور على هذا النحو كبيرة جداً، لأن الغطرسة نفسها هي أيضاً سمة من سمات المكونات القومية في المجتمع.

كيف نقرأ نسبة الإقبال المرتفعة (87 بالمئة) في الانتخابات؟

تمكنت المعارضة في واقع الأمر من حشد الناس للذهاب إلى صناديق الاقتراع. لكن السؤال الحقيقي كان هل سيستطيع تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية فعل الأمر ذاته مع القطاع الصامت من ناخبيه. في الرابع والعشرين من يونيو، كان ذلك هو ما جرى، تماماً مثل ما حدث في الانتخابات العامة الماضية في نوفمبر 2015. كان الأمر واضحاً.

هل صحيح أنه بفوز أردوغان، يكون النظام قد تغير تماماً الآن؟

بكل تأكيد. وقل ما شئت، لكن لا ريب أن الوضع صار على نحو ما ذكرت لتوي، فقد بلغ أردوغان مراده. والحقيقة هي أن أهدافه كانت قد تحققت بالفعل، لكن نتائج الانتخابات أضفت على تلك الأهداف المنجزة الطابع الرسمي.
فتركيا الآن باتت جمهورية من جهوريات آسيا الوسطى التي تخلو من التوازنات والرقابة وفصل السلطات، وبها قضاء متحيز ومرتبط بالحكومة. كما أن إعلامها صار مكبلاً، وبرلمانها مُعَطّلاً ومعارضتها عاجزةً.

ماذا عن المطالبات برفع حالة الطوارئ؟

إن نظام الحكم الذي جلبته الانتخابات لا يختلف عن حالة الطوارئ؛ لذا فإن المطالب بشكل أو بآخر لن تُحدث فارقاً. هل يمكن للرئيس أن يمرر قرارات تنفيذية متى يحلو له؟ نعم يستطيع. هل ضمن أغلبية في البرلمان؟ نعم لقد فعل. في هذه الظروف، سواء رُفعت حالة الطوارئ أو بقيت كما هي، فإن هذا لن يحدث اختلافاً كبيراً. لقد بات لدينا نظام حكومة متعسفة تحظى بالشرعية.

إذا كانت المعارضة عاجزة، فكيف تخطى حزب الشعوب الديمقراطي عتبة العشرة بالمئة الانتخابية ووصل إلى البرلمان؟

ما نراه هو أن حزب الشعوب الديمقراطي كان حالة مختلفة تماما، حيث أنه يقدم معارضة هي الأكثر انسجاماً وتناسقاً. وأي شخص يعتقد أن الحزب الموالي للأكراد سيكون قادراً على معارضة الحكومة بشكل مؤثر وتحقيق نتائج فإنه يعيش في عالم الأحلام، إذ ذهب نحو ثلث الأصوات للأحزاب القومية التي تتبنى فاشيةً مناهضةً للأكراد. والإجراء الوحيد الذي سيُسمح له به في البرلمان – الذي أصبح مثل "مكتب تقدير" للرئاسة – هو دقائق معدودة من الانتقاد والشكاوى على منابر الحديث.

إلى أي درجة يمكن أن يقترب حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي أكثر من بعضهما البعض؟

حيث أن نواب حزب الشعب الجمهوري المؤمنون بالدولانية العتيقة هبوا لانتزاع مقعد الحزب في البرلمان عبر "مصيدة" هذه الانتخابات المبكرة، فإننا لن يتولد لدينا اعتقاد بأن تحالفاً كهذا سيتشكل إلا إذا رأيناه يتشكل بالفعل. بمعنى آخر، فإن أي شخص يفترض أن رياحاً جديدة تهب على الساحة السياسية في أنقرة يمازح نفسه.

هل انزلقت تركيا بشكل كبير إلى اليمين في الرابع والعشرين من يونيو؟

كانت هذه بدون شك عملية طويلة ومستمرة بدأت باحتجاجات حديقة غيزي في عام 2013 واستمرت في ظل التحقيقات المرتبطة بوقائع فساد وزراء من حزب العدالة والتنمية في ديسمبر من ذلك العام، والتي كانت بداية لصراع مفتوح بين الحزب الحاكم وحركة غولن. بعد ذلك، وفي عام 2014، أصبح أردوغان أول رئيس منتخب من الشعب.
وتسبب ضعف أداء حزب العدالة والتنمية وفقد الأغلبية البرلمانية في انتخابات يونيو 2015 في توقف عملية السلام الكردية، وهو ما أعقبه تغيير الحزب لاتجاهاته صوب نمط من القومية أقرب إلى نمط حزب الحركة القومية في الانتخابات المبكرة التي أجريت في نوفمبر من ذلك العام.
وقادت محاولة الانقلاب الفاشلة والدامية في يوليو 2016 إلى الاستفتاء على الدستور في 16 أبريل 2017، الذي أُجري مثل انتخابات يوم الأحد في ظل حالة الطوارئ والذي صوت الأتراك فيه بأغلبية ضئيلة لصالح التحول إلى رئاسة تنفيذية.
وفي نهاية تلك العملية، جمعت الخطط التي رسمها أردوغان الشريانين الرئيسين للقومية التركية – وهما "النظرة الوطنية" الإسلامية القومية التي يتبناها حزب العدالة والتنمية، و"المثالية" القومية المتطرفة التي ينتهجها حزب الحركة القومية.
وهذا المزيج هو الذي يهيمن الآن على مؤسسات الدولة؛ وهو النمط السائد من "التركيبة التركية الإسلامية"، التي هي مزيج من القومية والنهج الديني المحافظ للمسلمين السنة الذي تُشجع عليه الطغمة اليمينية المتطرفة التي نفذت انقلاب عام 1980. وقد عزز ذلك الانقلاب التوجهات الدينية في مؤسسات الدولة في مواجهة اليسار.
وحيث أن حزب الشعب الجمهوري يميل كثيراً إلى الغرب، فلا مكان لذلك الحزب في هذه التركيبة. بيد أنه معروف بأنه حزب محوري يمكنه فقط أن يحقق مستوى من المعارضة يوصف بأنه مقبول، ويرفع من شأن البرلمان الذي صار يوصم بأنه مختل وظيفياً.
وفي حقيقة الأمر، فإن هذه نتيجة مثالية لأردوغان ونظامه. فالسلطة المطلقة باتت الآن في القصر الرئاسي، بينما ما زال حزبه وحلفاؤه يتمتعون بأغلبية في البرلمان.
والأهم من ذلك هو دخول حزب الشعوب الديمقراطي البرلمان. فهذا يعني أن طاقته تبددت من خلال 67 مقعداً في البرلمان، وأن "خطراً على الحكومة" كان محتملاً وحقيقياً قد زال.
وبلا شك، فإن التمثيل الكردي مهم، لكن هناك اختلافاً كبيراً بين التمثيل الوظيفي والتمثيل الرمزي. وسنعلم قريباً ما إذا كان حزب الشعوب الديمقراطي يعلم بهذا الاختلاف أم لا.

الواقع مظلم، فما الذي ينبغي على المعارضة أن تفعله؟

حيث أنني قدمت تصوري للموقف، فإن دورنا كصحفيين ينتهي هنا. وقد يرسم آخرون صورة مختلفة، وأنا أكن لهم كل الاحترام. لكن من الآن فصاعدا، يأتي دور المعارضة المتمثل في الوصول إلى السلطة عبر الوسائل الديمقراطية. نحن صحفيون وهم السياسيون.
وبالنسبة لي شخصياً، فإن أكثر مجالين سأراقبهما عن كثب هما ما إذا كانت المرأة التركية ستؤسس حزباً سياسياً خالصاً لها، وما إذا كان حزب الشعب الجمهوري سيصبح قادراً على تجديد نفسه بدماء جديدة.

وهناك شيء واحد يبدو واضحاً بعد جميع هذه الملاحظات: إلى حين تجديد حزب الشعب الجمهوري لنفسه وتخلصه من النزعات السياسية القديمة الواقع في أسرها، ستظل المعارضة في تركيا غير قادرة على كسر قيودها والوصول إلى الديمقراطية، ولن يتحقق أي توازن سياسي معقول.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: