جان تيومان
أبريل 30 2019

أسعار الفائدة المصطنعة تُدخل الاقتصاد التركي في دوامة الانهيار

مع أن الدولار الذي كسب ما يقرب من 10 في المائة مقابل الليرة في الأسابيع الستة الماضية قد لفت الأنظار تمامًا إليه؛ إلا أن هذا ليس الخبر الوحيد السيّئ في الاقتصاد التركي؛ فعلى الرغم من أن معدلات أسعار الفائدة التي تسببت في أضرار مدمرة أكثر من الدولار بالنظر إلى نتائجها لم تُتناول كثيرًا في جدول الأعمال الراهنة إلا أنها دخلت في اتجاه تصاعدي حاد، تمامًا مثل الدولار.

فأسعار الفائدة للعديد من السندات المالية بدءًا من أذون الخزانة وحتى الودائع ارتفعت إلى المستويات التي كانت في نهاية شهر ديسمبر حيث كانت الأزمة محسوسة بعمق.

ويمكن تفسير ذلك على أنه خبر سيئ بالنسبة للاقتصاد التركي الذي أنهكته أسعار الفائدة المرتفعة والركود والبطالة، وللبنوك التركية المتعثرة في مستنقع القروض الائتمانية غير المستردة. ولكن هناك ما هو أسوأ دائما. تمامًا مثل الوضع الذي تردت فيه تركيا في هذه الأيام التي أذابت احتياطيات البنك المركزي، والتي لم تعد أسعار الفائدة فيها كافية بالمستوى القياسي الذي قدمته من أجل وقف تصاعد الدولار.

فالاقتصاد التركي الخاضع لسيطرة رئيس الجمهورية أردوغان وصهره بيرات البيرق يعاني مأزقًا مماثلًا للمأزق السياسي الذي سقطت فيه البلاد بعد انتخابات 31 مارس؛ ففي مثلث سعر صرف العملة الأجنبية -سعر الفائدة- معدل التضخم الذي جرى العمل على تخفيضه بتدابير مصطنعة بل وحتى بوليسية طيلة الأشهر السابقة على الانتخابات حدثت انكسارات صادمة مع حلول شهر أبريل.

الدولار الذي كان أقل من 5.20 ليرة تركية مطلع شهر مارس بلغ 6 ليرات يوم الجمعة. وبالمثل فإن سندات الخزانة التي مدتها سنتان، والتي تعتبر مؤشرًا بالنسبة للقروض التجارية التي ترمز إلى استمرارية الحيوية في اقتصاد البلاد، قد ارتفعت في الفترة نفسها أكثر من ثلاث نقاط، وبلغت مستويات 21 في المائة.

أما بالنسبة للفترة التالية لـ 31 مارس التي كان من المتوقع أن تكون نهاية للتوتر السياسي بالنسبة لاقتصاد البلاد وتُسهم في إنعاش الاقتصاد فقد كانت على عكس التنبؤات؛ حيث فتحت الباب لغموض أكبر بدلًا من الاستقرار.

إن الخسائر والبدلات المدفوعة بسبب الاضطراب الذي تشهده أسواق المال لا يقتصر على هذا؛ ففي الأسبوعين الأخيرين حدث اتجاه تصاعدي سريع في معدلات الودائع وبالتالي القروض، ارتباطًا بعملية التسعير في السوق.

فعلى حين أن المستثمرين في تركيا تزاحموا على البنوك وحصلوا على 20 مليار دولار من العملة الصعبة خلال الأشهر الثلاثة الماضية فحسب اضطرت البنوك في أسبوع 19 من أبريل إلى إقرار زيادة ما بين 1.1-2.6 نقطة على أسعار الفائدة على الودائع بالليرة التركية حسب، وذلك لأجل إيجاد حل للدولرة الادخارية التي وصلت 54 في المائة بالبلاد.

وتبعًا لذلك زادت معدلات أسعار الفائدة على القروض التجارية بنسبة قدرها 1.6 نقطة لتصل إلى 26.5 خلال الأسبوع نفسه. ومع ذلك فإن أسعار القروض الائتمانية التجارية تراجعت إلى 21 في المائة في المتوسط في الـ 15 مارس، تأثرًا بالديون الرخيصة التي وزعتها بنوك الدولة.

أسعار القروض الائتمانية بالغة الأهمية كي يتمكن اقتصاد البلاد من أن ينتعش ويتعافى عادت إلى مستويات عالية حيث تم إطلاق توسع ائتماني جديد بدعم من الحكومة في الـ 18 يناير.

ومن الملاحظ أن الانكماش الاقتصادي الناجم عن معدلات أسعار الفائدة المذكورة رفع معدل البطالة في شهر يناير إلى أعلى مستوى بعد الأزمة العالمية في عام 2009؛ وذلك بنسبة 14.7 في المائة. والأكثر دراماتيكية من ذلك أن بطالة الشباب وصلت إلى مستوى قياسي بلغ 26.7 في المائة.

لهذا السبب فإن الأحداث الراهنة سلبية للغاية. ولكن الجانب الأسوأ في الأمر أنه لم يحدث هذه المرة انخفاض في أسعار الفائدة مثلما حدث في شهر يناير، على العكس من ذلك هناك احتمال قوي بأن موجة تصاعدية جديدة تنتظر الاقتصاد التركي. وقد بدا هذا الوضع واضحًا مع استمرار ارتفاع سعر الدولار بالرغم من أن البنك المركزي لم يغير سعر الفائدة القياسي (فائدة مركبة بـ27 في المائة سنويًا) الذي هو 24 في المائة خلال الأسبوع.

وعلى حين خلق هذا التطور حالة من الحيرة حتى في الأسواق التي تتحدث عن قدرة البنك المركزي على إجراء تخفيضات في سعر الفائدة هذا العام، وقبل بضعة أسابيع، إلا أنه بينما أبطل التوقعات بخفض سعر الفائدة تسبب في ظهور توقع جديد بزيادة أسعارها.

وعلى حين يتوقع "جولدمان ساكس" أن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 1.5 في المائة، توقع بنك "تورونتو دومينيون"، ثاني أكبر بنك في كندا، توقعًا طموحًا بأن البنك المركزي سوف يرفع سعر الفائدة القياسي له هذا العام إلى 30 في المائة.

ومن المثير للاهتمام أن هذه التوقعات الطموحة ليست مجرد كلام؛ فوفقًا لخبر نُشر نهاية الأسبوع في "بلومبرج" تستعد ستة بنوك تركية على الأقل لرفع سعر الفائدة على الودائع من جديد حتى تستطيع تحويل المستثمرين من الدولار إلى الليرة التركية. وبطبيعة الحال فإن زيادة سعر الفائدة التي ستجريها البنوك الستة ستكون عاملًا محفزًا لأولئك الذين يتنافسون بالفعل على الموارد المحدودة.

كل هذه التطورات تشير إلى أنه يجب التأكيد مرة أخرى وبقوة على تجربة تتمتع بالأولوية بالنسبة للاقتصاد التركي: إنه لن يتم خفض أسعار الفائدة، وأن أسعار الفائدة المُخفّضة بواسطة تدابير اصطناعية سوف ترجع خلال فترة قصيرة مرة ثانية وبشكل أكثر عنفًا، وتتسبب في دفع الثمن أعلى بكثير مقارنة بالوضع الذي كان في البداية.

والواقع، أن تركيا عاشت بالفعل، وإلى حد ما تجربة مماثلة في أزمات عامي 1994 و2001 وعانت منهما حتى النخاع. وإن تكرار إدارة الاقتصاد الخطأ نفسه مع علمها بهذه الحقائق جعل القضايا التي من شأنها أن تحل تلقائيًا بمرور الوقت أكثر صعوبة.

ولا ريب أن ارتفاع سعر الفائدة هذا سيكون له ثمن باهظ مثل زيادة الركود العميق الموجود بالفعل. لذلك فلن يكون من المفاجئ أن تبدأ معدلات البطالة الموجودة في تركيا مزيدًا من الارتفاع في الأيام المقبلة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأيام التي يتم فيها اعتبار القروض التي أعاد هيكلتها القطاع المصرفي غارقة بسبب ضعف أداء الاقتصاد ليست بعيدة جدًًا. فحتى الشركات المراد إنقاذها بممارسة ضغوط من قبل السلطة السياسية واضح أنه يستحيل إنقاذها في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

وبالطبع يمكن لهؤلاء إنتاج دوامات تمهد الطريق لحدوث صدمات في سعر الصرف وسعر الفائدة ومعدل تضخم جديد. والعوامل مثل استنفاد احتياطيات النقد الأجنبي، وانهيار ميزانية الدولة التي من الواضح أنه لا يمكن إزالتها حتى هذا العام ستوفر مساهمة إضافية لتقصر الوقت بين الصدمات، ولاشتداد الأزمة.

وتشير التجارب إلى أن الاقتصاديات التي تدخل في دوامة سعر الصرف -سعر الفائدة- معدل التضخم وتتجه للانهيار استطاعت البقاء على قيد الحياة بدعم خارجي قوي فحسب. ولكنه لا يبدو هناك خيار كهذا بالنسبة لتركيا في الوقت الراهن.

وربما أن هذه الحقائق تتوارى خلف تصريحات الرئيس أردوغان، والتي كررها في كل أحاديثه تقريبًا بعد الانتخابات، وكون أن تكاليف الصعوبات الاقتصادية 82 مليار مليون سوف تُدفع من قبل الشعب، وكلماته التي تتجه لتكون شرطًا للتماسك الاجتماعي. فالوقت بالنسبة لتركيا هو وقت دفع الثمن.

 

يمكن قراة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/yapay-faizin-faturasi-ekonomi-cokus-sarmalina-girdi