أسوأ أزمات تركيا الإقتصادية منذ 2001

تشهد تركيا حاليًا معدلات غير مسبوقة من التضخم على أساس شهري، ناهيكم عن عاصفة عاتية من غلاء الأسعار، وكلاهما أمران تسبب فيهما ارتفاع قيمة صرف العملات الأجنبية مقابل العملة المحلية، الليرة. هذه المعدلات فاقت مثيلاتها التي شهدتها البلاد بعد الأزمة المالية التي تعرضت لها عام 2001 إبّان عهد رئيس الوزراء الأسبق، بولنت أجاويد. ولا شك أن مثل هذه التطورات الاقتصادية أفسدت كافة الخطط المتعلقة بالمستقبل الاقتصادي والمالي للبلاد.
كما يعلم الجميع فإن معدلات التضخم وصلت في شهر سبتمبر المنقضي إلى 6.3 في المئة في حين أن القاصي والداني كان ينتظر أن تكون هذه المعدلات 3.6 في المئة فقط، لكنها خالفت كافة التوقعات ووصلت لضعف ذلك الرقم. 
 أما التضخم في أسعار المنتجين فقد وصلت معدلاته إلى 10.88 في المئة على أساس شهري، والسبب في ذلك هو زيادة الأسعار في قطاع الطاقة. وبعد الأرقام الأخيرة التي تم الإعلان عنها، الثلاثاء الماضي، وصل التضخم السنوي في مؤشر أسعار المستهلكين إلى 24.52 في المئة، أما في مؤشر أسعار المنتجين فقد وصل إلى 46.15 في المئة.
ومن ثم فإن وصول معدلات التضخم على أساس شهري إلى نسبة 6.3 في المئة، يعتبر كارثة بكل المقاييس بالنسبة لدولة تهدف أن تكون هذه المعدلات على أساس سنوى 5 في المئة على المدى البعيد.
لكن لا شك أن للقضية بُعدٌ سياسي. فالأرقام المعلنة تسببت بشكل أو بآخر في وصول متوسط مؤشر أسعار المنتجين، والمستهلكين المستخدمة في الاتفاقيات التجارية طويلة الأجل، إلى 35.4 في المئة. وهذا الرقم أكبر بـ5 نقاط كاملة من المستوى الذي كان عليه في شهر ديسمبر من العام 2002 الذي تسلم فيه رجب طيب أردوغان، إدارة تركيا من رئيس الوزراء الراحل، بولنت أجاويد. فلقد كان متوسط مؤشر أسعار المنتجين، والمستهلكين في ديسمبر 2002 ما نسبته 30.25 في المئة، حيث كان مؤشر أسعار المستهلكين 29.7 في المئة ، و30.25 في المئة مؤشر أسعار المنتجين.
ومما لا شك فيه أن المعطيات والبيانات المعلنة في الشأن الاقتصادي، وصلت لمستوى من شأنه قلب الآمال والتطلعات المعلقة على المستقبل، رأسًا على عقب، أي أن هذا الأمر لن يكون قاصرًا فقط على مجرد مقارنة ما تعيشه البلاد حاليًا من تردي اقتصادي، بما كانت عليه الأوضاع في الماضي القريب. 
وخير مثال على ذلك "البرنامج الاقتصادي الجديد" الذي اشتغل عليه لشهور، صهر الرئيس التركي، وزير الخزانة والمالية بيرت البيرق، وكشف عنه مؤخرًا. فالبرنامج كما تعلمون تضمن سلسلة من الأهداف طويلة الأجل سرعان ما أخذت مكانها في صندوق القمامة خلال مدة قصيرة قبل أن يمر أسبوعين على الإعلان عن ذلك البرنامج. فكما تعلمون ترددت في الآونة الأخيرة داخل الأروقة والكواليس السياسية مزاعم تفيد أن تلك الأهداف تم إعدادها بالتعاون مع شركة "ماكينزي" للإدارة بالولايات المتحدة الأميركية التي وقّعت على اتفاق مثير للجدل من شأنه تغيير هيكل الدولة التركية بشكل كامل.
الوزير صهر أردوغان، كان قد أعد البرنامج الاقتصادي آنف الذكر على أمل أن يكون التضخم في شهر سبتمبر الماضي أكثر بقليل من 21 في المئة، على أن يبلغ بنهاية العام الجاري 20.8 في المئة. وتوقع الرجل في برنامجه أن ينخفض التضخم خلال العام 2019 إلى 15.9 في المئة. غير أن المعطيات التي تم الإعلان عنها الثلاثاء جسدت حقيقة واقعة مفادها أن ارتفاع الأسعار في شهر سبتمبر جاء أعلى من كافة التوقعات. بل وهناك ارتفاع متزايد في مؤشر أسعار المستهلكين ناتج عن ارتفاع يقرب من 50 في المئة بمؤشر أسعار المنتجين. وبسبب صدمة معدلات التضخم المرتفعة، بات من غير الممكن تحقيق أهداف الاقتصاد الكلي التي كشفت عنها تركيا في البرنامج الاقتصادي الجديد. 
وبالتالي يمكننا القول إن معدلات التضخم غير المتوقعة، ستؤدي إلى ارتفاع نفقات الموظفين في الميزانية، إلى جانب مدفوعات الفائدة. وهذا من شأنه أن يجبر السياسة المالية العامة للبلاد على الاتجاه نحو مزيد من التدابير التقشفية، وجمع الضرائب بشكل أكثر من المتوقع. 
وهذا أيضًا سيؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العام الذي يعتبر بمثابة قاطرة الاقتصاد التركي. وتجدر الإشارة أن البرنامج الاقتصادي الجديد الذي تم الإعلان عنه في 20 سبتمبر المنصرم، كان قد توقع نموًا اقتصاديًا بمعدل 3.8 في المئة خلال العام الجاري، وبمعدل 2.3 في المئة خلال 2019 المقبل.
وكان أول رد فعل من النظام الحاكم بعد الإعلان عن أرقام التضخم الحقيقية الملموسة من قبل الجميع، يوم الثلاثاء، هو قوله إن هذه حرب غير معلنة تشنها قوى خارجية في كافة الأسواق التركية. ولا شك أن كافة المتابعين للشأن التركي قد ألفوا مثل هذه الاتهامات التي تجد فيها الحكومة وسيلة للتخلص من مسؤوليتها عن كافة السقطات الاقتصادية الراهنة. لكن المتهم هذه المرة ليس قوى خارجية أو المعارضة التي لا تريد لحزب العدالة والتنمية النجاح داخل البلاد. فالمتهمون يا سادة هم طائفة التجار والحرفيين الذين يشكلون القاعدة العريضة لحزب العدالة والتنمية نفسه.
وبعد ساعة واحدة من الإعلان عن أرقام التضخم الصادمة، خرج صهر أردوغان، الوزير بيرت البيرق على قناة "إن تي في" المحلية ليجيب على الأسئلة المتعلقة بتلك الأرقام. وقال الوزير في معرض رده على الأسئلة التي وجهت إليه إن المسؤول الرئيس عن وصول معدلات التضخم لما هي عليه الآن، هم من يمارسون "الانتهازية والاحتكار" في الأسواق. وأضاف الوزير في تصريحاته قائلًا "سنواجه بشكل مكثف مسألة التسعير، وسنراجع فواتير الشركات التي تقوم بعمليات تسعير غير طبيعية وغير منطقية".
كما دعا الوزير المواطنين للإبلاغ عن الزيادة الفاحشة في أسعار السلع الاستهلاكية، مفيدا أنهم تجاوزوا المرحلة السيئة، وأن الأمور ستعود إلى طبيعتها اعتبارا من أكتوبر الحالي، وأن أهدافهم لعام 2019 واقعية.
وعلى نفس الشاكلة خرج الرئيس، رجب طيب أردوغان، في اليوم ذاته، وأدلى بتصريحات مشابهة قال فيها "أدعو الشعب التركي لإبلاغ مجلس البلدية على الفور حال وجود اختلافات غير عادية ولا مألوفة بالأسعار في الأسواق عن بعضها البعض".
وعلى جانب آخر، نجد أن معدلات التضخم التي تم الإعلان عنها، أعادت مجددًا إلى الأذهان السياسات النقدية التي يتم الحديث عنها منذ مدة في تركيا، والتي أجبرت البنك المركزي في البلاد على رفع الفائدة بمعدل 6.25 نقطة. وبينما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك إلى 24.52 في المئة، نجد أن الفوائد قصيرة الأجل لا زالت عند مستوى 24 في المئة، وذلك رغم الزيادة الكبيرة في معدلات الفائدة التي أجرها البنك المركزي خلال الأشهر الخمس الأخيرة، والتي تقدر بـ11.25 نقطة. والآن بدأت الأسواق تتحدث عن زيادة جديدة مرتقبة في معدلات الفائدة. وكرد فعل منه حيال ذلك ارتفع سعر الدولار الأميركي مقابل الليرة ليصل إلى مستوى 6.1 ليرة.
لكن لا أحد يجهل أن القول بأن زيادة معدلات الفائدة ستكون حلا لتلك الأوضاع الاقتصادية المتردية، أمر مشكوك فيه. وذلك لأن هذه المعدلات في الوقت الراهن قاربت من 40 في المئة على القروض التي استفاد منها المستهلكون والصناعيون في البلاد. ولا شك أن هذه الفائدة المرتفعة ستؤدي إلى حدوث انكماش سريع في السوق الداخلي، وسيكون لها نتائج عكسية على النمو الاقتصادي. ووفق المعطيات الأخيرة التي تم الإعلان عنها، فإن قطاع السيارات الذي يعتبر أحد أهم مؤشرات النمو في تركيا، شهد تقلصًا وتراجعًا بنسبة 65 في المئة خلال شهر سبتبمبر الماضي الذي بيعت فيه 23 ألف سيارة فقط في بلد يبلغ تعداد سكانه 82 مليون نسمة. وإلى جانب قطاع السيارات، حدث انكماش مماثل في العديد من المجالات الأخرى كالعقارات، والأثاث، والسلع البيضاء، والسبب في ذلك ايضًا فوائد القروض المرتفعة.
وإلى جانب ذلك شهد قطاع الاستيراد في الاقتصاد التركي انكماشا كبيرًا أيضًا، والسبب هو انخفاض الطلب خلال شهري أغسطس، وسبتمبر الماضيين. ولا شك أن هذا الوضع نراه ماثلًا أمامنا في الأوقات التي يعاني فيها الاقتصاد التركي أزمة وانكماشًا.
من جانب آخر نجد أن مصطح "التضخم التراكمي" (ظاهرة اقتصادية تتسم ببطء النمو الاقتصادي وارتفاع الأسعار) الذي يعتبر أحد المصطلحات الاقتصادية، وكذلك ظاهرة الانكماش التي تصاحب التضخم عادة، باتا أمران مألوفان من قبل الأتراك سواء المتخصص منهم أو غير المتخصص. ولعل وجود هوة متزايدة في الفرق بين مؤشر أسعار المستهلكين والمنتجين، لأمر يؤكد وجود ظاهرة "التضخم التراكمي" في البلاد. ففي نهاية شهر سبتمبر الماضي وصل الفرق بين السعرين إلى 22 نقطة، بينما كان 1.5 نقطة فقط مطلع العام الجاري. وهذا مؤشر على أن المنتجين عجزوا عن عكس ارتفاع نفقات التكلفة على المستهلكين بسبب تلقص الطلب في الأسواق.
وفي حين أن الحكومة تحد بكل ما أؤتيت من قوة من ارتفاع الأسعار في العديد من المجالات، لا سيما في الخبز، واللحوم، والوقود، فإن هذا لا شك يؤدي إلى حدوث انهيار جماعي للشركات التي لم تستطع رفع الأسعار، وفشلت في الدخول للسوق الحر. ولا شك أن هذا هو الخطر الأكبر بالنسبة للنظام المصرفي التركي، الذي بات على عتبة أزمة كبيرة بسبب القروض المعدومة.
لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/enflasyon/erdoganin-rekoru-ecevitten-aldigi-enflasyonu-gecti
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.