مايا أراكون
ديسمبر 08 2017

أشكال العنف في تركيا، من الزوج إلى الأب، ومن الدولة إلى السلطة

 

نظّمت النساء مسيرات احتجاجية في مدن مختلفة  في اسطنبول وأنقرة، ومدن أخرى بتركيا تنديداً بعنف الرجال ضد المرأة.
كانت هذه المسيرات على صواب وضرورية لدرجة كبيرة. ففي حكومة حزب العدالة والتنمية ازداد العنف ضد المرأة بنسبة 1400% والأسوأ من ذلك هو أنّ العنف بالأسرة وعنف الزوج ضد زوجته يُقابَل بلا عقاب تقريبا.
فالنساء اللواتي يتعرّضن للضرب وللعنف الجسدي والمعنوي من قبل أزواجهن، لا يحصلن على اهتمام النشرات الإخبارية سوى بعد قتلهن على يد أزواجهن.
وعلى غير ذلك فإن الدولة تُلزم الآباء بحماية بناتهن! بجانب حث الدولة للنساء على الاستمرار في الحياة الزوجية و تحمّل العيش مع ذلك التعذيب؛  بمبررات مختلفة مثل: إنه زوجك، وضربه لكِ يدل على حبه، لا تهدمي بيتك، هل ستعودِين لوالدك ـ الذي من المحتمل أن يضربها هو أو أخوها ـ بعد كل هذا الوقت.
حسنا، كلنا نعلم هذه الأمور، فلماذا فوجئنا بانفجار هذا العنف بالمجتمع؟    
أصبحت أحداث العنف ظاهرة أكثر في عهد حكومة العدالة والتنمية، نعم هذا صحيح. ولكن هل كنا قبل ذلك مجتمعا سلميا؟!
ألا يُسلّم الآباء والأمهات أطفالهم إلى المعلم بالمدرسة الابتدائية مُتفقين على "اللحم لك والعظم لي"؟
ألم يتعرض الرُضْع البالغين 37 يوما للعنف الجنسي؟ ألم تُطفئ السجائر بأذرعهم وسيقانهم؟
ألا تُستخدم كل أنواع العنف تحت مسمى "التربية والتعليم"؟
كم شخصًا هنا لم يتعرض للضرب من معلمه بالمدرسة الابتدائية؟ كم شخصًا لم يضربه معلمه بالمسطرة خصوصا بحافتها؛ كي تؤلمه أكثر؟ كم شخصا لم يُعاقب بتأنيبه واقفا مدبرا وجهه إلى الحائط أمام الفصل كله؟.
نحن مجتمع تعلم على أيدي معلمين يرون تنشئة الطفل بالعقاب، والضرب جزءا أساسيا من التعليم. ولعل الوضع مختلف في المدارس الخاصة الآن بالمدن الكبرى، ولكن ألا يزال أطفالنا بالأناضول يتعلمون بهذا النظام؟ إذا ماذا سيحدث؟.
وعندما ننظر إلى الصحف في الصباح تحدث الأشياء التي نراها:
- خلال الحفل المُنظم بمناسبة الذكرى الخامسة والتسعين لعيد التحرير، تم وضع الخنازير التي اصطادها الصيادون بشاحنة، وتم تمريرها في ساحة الاحتفال، وعرضها أمام المشاهدين. ليرى الجميع هذا المنظر. وليصبح القتل والذبح أمرًا طبيعيا، ومشروعا بهذه السهولة.
- وفي الأحياء السكنية، جمال جورسال، وجولكأب، ومرجان بمركز يشيليورت بمالطيا توضع علامة (خطأ) باللون الأحمر على أبواب منازل العائلات العلوية هناك. تماما مثلما حدث خلال الفترة النازية. وقد حدثت مجازر- قبل ذلك- للعلويين الموسومة أبوابهم بتلك العلامة  كما في سيفاس، وتشوروم، وماراش.
وبالطبع هناك إشارة إلى هذه المجازر من خلال علامات الخطأ هذه. والتفكير عكس ذلك يعد سذاجة. وكأنهم يريدون أن يقولوا من خلالها "انتبهوا جيدا وإلا ستكون عاقبتكم مثل السابقين."
حسنا، هل رأيتم الخوف بعيون السيدة المسنة التي في الصورة التي يعكسها الإعلام؟ فالعلويون يستلقون للنوم كل يوم خائفين. يتعرضون لذلك لمجرد أنهم علويون. تماما مثل الأقليات غير المسلمة الموجودة  في تركيا. يذهبون كل يوم إلى النوم قلقين "يا ترى هل سيحرقون بيوتنا، ومحلاتنا التجارية، وسنخرج أحياء في الصباح؟" إنه العنف العرقي العنصري الديني.
- عُثر على 6 نحاميات مقتولة في ملتقى الطيور المهاجرة (أق جول سازليك) بمركز إيريجلي بقونيه. حيث تمّ ضربها بالبندقية في البداية ثم ذبحوها. ولو تتذكرون فقد سبق وأن وقعت مجزرة مشابه للمجزرة التي تعرضت لها السلاحف البحرية ضخمة الرأس المُهددة بالانقراض؛ والتي وضعت بيضها على شاطئ إزتوزو. وقد تعرّضت فقمة الراهب المتوسطية المهددة بالانقراض أيضا؛ والتي جاءت إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد وُجد جسدها بالماء وهي مضروبة بالبنادق.
هل تتذكرون المرضى النفسيين الذين قطعوا آذان الكلاب الصغيرة، وعرضوا الصور على مواقع التواصل الاجتماعي؟
كيف لإنسان أن يُعذب حيوانا، يعيش في حاله وخاصة إن كان كلبا صغيرا؟
هذا هو العنف ضد الحيوانات!
يقوم أعضاء جمعيات الطلاب بجامعة قارادانيز الفنية بطرابزون بإعداد عرض مسرحي تحت شعار "مرحبا" ويبدؤون بتوزيع الإعلانات، ولكن يهاجم الأمن الخاص الطلاب. غير مكتفين بضربهم بل تم إيقافهم عن الدراسة لمدة 10 فصول دراسية، وخمسة أسابيع. فبالطبع جريمتهم كبيرة: يوزعون إعلانات مسرحية سيمثلونها!
ومع الأسف- هناك العديد من أمثلة الطلبة الذين يتعرضون للضرب المبرح حتى الموت في الجامعات ـ التي يجب أن تكون بيت العلم، والحكم بها ذاتيا ـ من جانب الأمن الخاص الذين يستدعيه رؤوساء الجامعات إلى الحرم الجامعي. 
وهذا هو العنف الجامعي!

الإفلات من جرائم استغلال الأطفال والتحرش الجنسي والاغتصاب. فقد أصبح استغلال الأطفال وزواج القاصرات أمرا شائعا. والقانون يغض بصره عن اغتصاب الأزواج لزوجاتهم.

وهذا هو العنف الجنسي!
قبض رجل شرطة في أسينيورت على الطالب الثانوي عمر باريش طوبكارا (16 عام) بتهمة السرقة، وأطلق النار على رأسه وهو مُقيد اليدين. وحكمت المحكمة على الشرطي المتهم بالسجن المؤبد المُشدد أولا ولكنها خفّضت العقاب إلى 14 عام بحجة حدوث الواقعة تحت تأثير الغضب الناتج عن فعل غير عادل، ولم تكتفِ المحكمة بذلك بل طبقت تخفيض العقوبة لحسن السلوك وأصبحت مدة العقاب 11 عام و 8 شهور.
من المؤبد المشدد إلى 11 عام! ويرى أحد القضاة بالمحكمة أنه تم احتجاز الشرطي بشكل كاف ويجب الإفراج عنه. وتم تكذيب تقرير الخبراء مقابل قول الشرطي "لم أفعل هذا عمدا" وتم تسجيل أنه كان يضع إصبعه على الزناد فقط أي أنه في حالة تأهب. 
تخيلوا، يذهب ابنكم البالغ من العمر 16 عاما إلى مركز للتسوق مع أصدقائه، ويعود لكم جثة هامدة.
وهذا هو عنف قوات الأمن!.
ولنتكلم أيضا عن إبادة كل ما هو أخضر. الغابات التي ضحّوا بها لأجل مناجم الذهب، والأشجار والبحار والخُلْجان وبساتين الزيتون التي دُمرت لإنشاء محطات توليد الكهرباء. فنحن نحارب لسنوات عقول لا تحب الأشجار بل الخراسانات.
وهذا هو عنف الخراسانات!
لم يُخلى سبيل نورية جولمان ـ الأكاديمية التي أضربت عن الطعام لمدة 264 يوما لاستعادة عملها الذي فُصلت منه دون سبب وزُج بها في السجن بسبب اتهامها بتهم لا يتصورها العقل ـ على الرغم من طلب المدعي العام بإخلاء سبيلها. حيث أصبحت نورية تمثل خطرا على جمهورية تركيا المجيدة بينما ينشر سادات باكير في الجرائد خيالاته المريضة.
وهذا هو عنف القضاء!
يمكنني أن أطيل في سرد هذه القائمة من أنواع العنف.
لقد أصبحت حياتنا الاجتماعية دوامة من العنف لا نستطيع الخروج منها.
لقد أصبحنا مُجتمعاً لا يحب الحيوانات والأشجار والنباتات والأزهار والآثار التاريخية والأطفال والناس، مُجتمعا يميل إلى تدمير من لا يشبهه، مجتمعا يقتل أفراده بعضهم البعض لتجاوز أحدهم سيارة الآخر في المرور، مجتمعا يتزايد به خطاب الكراهية كل يوم.
لم يقل أحدهم "ولكن المجتمع التركي مضياف."
اسألوا بيببا باكا المشهورة بعروس السلام التي قُتلت بعدما تعرضت للاغتصاب بتركيا بعد عبورها أوروبا سالمة، واسألوا زوج السيدة السورية التي اغتصبها الجيران وهي حامل ثم قتلوها مع طفلها الرضيع البالغ من العمر 10 أشهر، "ما رأيكم بالمجتمع التركي؟".
فلا يخدع أحد نفسه. نحن شعب يكبر وسط العنف منذ الرضاعة. وعندما تتاح لنا الفرصة لا نرى بأسا في قتل الأشياء.

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: