يحيى مدرا
فبراير 28 2018

أشكال العنف في تركيا.. أعداد لا تحصى

يقول تقرير عن قتل العمال صدر في 2017 إن 2006 أشخاص في تركيا فقدوا حياتهم في حوادث متعلقة بالعمل. وأعدت التقرير لجنة صحة العمال وسلامة العمل في تركيا، وهي منظمة تجمع المعلومات المتاحة المنشورة حول الحوادث القاتلة المتعلقة بالعمل منذ عام 2011. وهذا العدد هو الذي استطاعت اللجنة تسجيله بناء على ما جمعته عن طريق مسح أجرته على منافذ الأخبار. والأرقام الفعلية أكبر بكثير على الأرجح. وقال مؤرخ العمل أصلي أودمان تعليقا على هذا التقرير إن العمل تحت مثل هذه الظروف يمكن أن يعتبر شكلا من أشكال الحرب.
وطبقا للتقرير، فإن الوفيات المتعلقة بالعمل تركزت في قطاع أعمال البناء (حيث مات 422 عاملا أو 23 % من العدد الإجمالي)، وقطاع الزراعة (حيث مات 389 عاملا أو ما نسبته 19 % من العدد الإجمالي)، ثم قطاع النقل (حيث مات 256 عاملا بنسبة 13 بالمئة من العدد الإجمالي) يليه قطاع المعادن والتعدين حيث مثل ما نسبته 11 بالمئة (أي 170 عاملا). ويجب دراسة هذا النمط داخل السياق الأوسع للتركيز على قطاعات الإنشاء والطاقة والأسلحة لحزب العدالة والتنمية الحاكم. ويمكننا تتبع الصلة بين عنف طبقة العمال القتلى مع أشكال العنف الأخرى (الحرمان من خلال التمييز والتشرد والمديونية) والتي تبني على نحو متزايد الحياة في تركيا. وفي هذا المقال، سأركز فقط على قطاعي البناء والطاقة، وسأترك قطاع الأسلحة والمعنى الاقتصادي للحرب في عفرين لمناسبة أخرى.
ويعد قطاع البناء مجال استثمار وتوظيف له تأثير متضاعف وسريع. ويشكل قطاع البناء مع قطاع العقارات قرابة 16 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في تركيا. لكن الأكثر الأهمية، هو أن قطاع البناء خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية كان هو القطاع الأسرع نموا فيا يتعلق بالتوظيف. ومع ذلك، وبسبب أن هذا القطاع يعتبر استثمارا متجمد في خرسانة، فإن القطاع لم يُضف لتحسين القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
وكما هو معروف لكن يتم نسيانه بسهولة، فإن سوق العمل في تركيا يتكون من طبقات حسب التسلسل الهرمي على امتداد المحور العرقي حيث يعمل في قطاعي البناء والزراعة على الأغلب العمال الأكراد النازحون داخليا ومعظم المهاجرين السوريين الذين هاجروا مؤخرا. ولابد أن نضيف لهذا العنف القائم على طبقات حسب التسلسل الهرمي، العنف الذي لا ينتهي لـ "التحول الحضري" عن طريق أعمال الهدم ذات الأصوات المرتفعة والتي تصاحبها الأتربة، واندفاع الشاحنات المصاحبة لها داخلة وخارجة من المقاطعات السكنية، مع مشاريعه التنموية التي يتبعها دائما القضاء على آخر القطع المتبقية من الطبيعة في الطبيعة في المدن.
ويعد قطاع البناء أحد القنوات الرئيسية لتمويل الحياة في تركيا. وطبقا لوكالة التنظيم والإشراف المصرفي، وحتى شهر ديسمبر العام الماضي، وفيما يتعلق بالائتمان والقروض الإجمالية، فإن قطاع البناء حصل على ثاني أكبر قطاع بنسبة 864 بالمئة. لكن الأكثر أهمية من ذلك هو أن قرابة 40 بالمئة من القروض الاستهلاكية (التي تشكل 23 بالمئة من إجمالي القروض) متعلقة بالإسكان. وبعبارة أخرى، فإن الإسكان أحد أهم الطرق التي تصبح الأسر في تركيا مدينة من أجلها. 
وبالمقارنة، فإن مشروعات البنية التحتية (وبشكل خاص المشاريع الضخمة مثل المطار الثالث في إسطنبول أو الجسور والأنفاق المتنوعة عبر البسفور ومنطقة مرمرة) يتم تمويلها من خلال ضمانات من الخزانة ومن ثم تتزايد في النهاية (وفي بعض الحالات تزايدت بالفعل) مديونية الحكومة. 
وبالتالي، فعند التفكير عن العنف في قطاع البناء، فإن وفاة 422 عاملا في قطاع البناء هي للأسف الحافة الأكثر وضوحا في جبل الجليد ذي الطبقات الكامنة وراء الأشكال الهيكلية للعنف.
ويعد قطاع الطاقة، حيث أرقام تعدين الفحم هي العنصر المهم، هو نفسه دلالة على العجز التجاري الهيكلي للاقتصاد. وسواء كان الإنتاج من أجل أسواق التصدير أو من أجل الطلب المحلي، فإن التصنيع يعتمد على المدخلات المستوردة. وبالطبع، فإن العجز التجاري يغذي عجز الحساب الجاري واستقلالية العملة الصعبة. وفي كل مرة ترتفع فيها قيمة الدولار في يتعلق بالليرة التركية، مع الوضع في الاعتبار الاعتماد على الواردات لقطاع التصنيع، فإنه يترجم على الفور إلى التضخم.
ويعيدنا هذا للتمويل مرة أخرى. وردا على الضغوط التضخمية، فإن البنك المركزي يحتاج إلى تشديد السياسة النقدية. ومع ذلك، فإن أي تسوية تصاعدية في سعر الفائدة سيعني إبطاء الاقتصادي، وهذا ما لا يقبله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يراهن بكل شيء على الانتخابات المحلية، والعامة والرئاسية المقررة العام القادم.
وبالتالي، فإن وفاة 74 عاملا من العاملين في مجال التعدين تعد مرة أخرى الدلالة الأكثر وضوحا لاقتصاد عنيف اندفع إلى حدوده بسبب أحوال التجارة الهيكلية وعجز الحساب الجاري. ولتخفيف الضغط المنبثق عن عجز الطاقة الذي تعاني منه البلاد، فقد أعطى حزب العدالة والتنمية الاستثمار في المجالات المتعلقة بالطاقة الأولوية (مثل استخراج الفحم، والطاقة المائية والنووية)، وكما هو واضح في مثال كارثة منجم سوما التي وقعت في 2014 والتي مات فيها 301 عامل والتي كانت مأساوية، فإن الحزب يستمر في اتباع سياسة "الاستخلاص" العنيفة بدون النظر إلى سلامة مكان العمل والأثر البيئي أو النسيج الاجتماعي.


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا: