يناير 20 2018

أطفال سوريا في تركيا.. صغار، ولكنهم يعملون 14 ساعة يوميًا، وبـ 600 ليرة شهرياً

 

بعضهم يتمنى مزيدًا من النوم، وبعضهم أن يلعب ولو قليلًا مع كرة القدم. أطفال سوريون اضطروا بسبب الحرب السورية إلى أن يهاجروا من بلادهم إلى تركيا سويًا مع عائلاتهم، وقد تسببوا في زيادة عدد عمالة الأطفال في تركيا؛ إذ يذهب إلى العمل يوميًا في تركيا حوالي 2 مليون طفل.
"أعمل في تثبيت قصاصات المواصفات بقطاع النسيج. أبدأ العمل يوميًا الساعة 8 صباحًا. أكنس الأرض بمجرد ذهابي إلى العمل. وأنظف المكان. ثم أبدأ عملي. وبعد أن أنظف المكان للمرة الأخيرة مساء أطفئ الأنوار وأغادر العمل الساعة 9 مساءً."
هكذا تنقضي ستة أيام من الأسبوع بالنسبة لأحمد بوزان البالغ من العمر 13 سنة. وبسبب الحرب التي اندلعت في سوريا تغيرت حياة أحمد؛ حيث اضطر إلى مساعدة والده العامل في قطاع الإنشاءات. وهو طفل معاق وأكبر أبناء عائلته التي اضطرت إلى الفرار من الحرب والهجرة إلى تركيا قبل ست سنوات. والعمل في قطاع النسيج صعب للغاية بالنسبة لأحمد المعاق في يديه والذي يشق عليه المشي كثيرًا.
"أحصِّلُ 600 ليرة شهريًا. ويُرهقني العمل كثيرًا. أحيانًا تؤلمني قدماي، وأحيانًا أدوخ ويُغمى عليَّ. ولا سيما يداي فإنهما تتورمان كثيرًا؛ فأتناول العلاج لأخفف آلامي. الإعاقات التي في بدني تمنعني من العمل، ولكنني أدرك أنني مطالب بمساندة والدي ومساعدته."
أطفال سوريا في تركيا
أحمد بوزان

 

نتحدث مع أحمد عن سوريا قليلًا. فيقول صعب للغاية أن أتذكر شيئًا سيئًا يتعلق بسوريا بعد المشقات التي شهدناها ها هنا. ولكن أحمد يرتب ما يتذكره على أنه أيام الدراسة والمنزل والأصدقاء والألعاب.
"أنا طفل مضطر للعمل، وإنني مدرك لهذا. أنا أيضًا لا أرغب في أن أنمو مبكرًا كالأطفال الآخرين. أريد أن ألعب كرة القدم يوميًا مع أصدقائي في الحي ولا أريد الذهاب إلى العمل."
أطفال سوريا في تركيا
عيسى بوزان

 

ثمة طفل آخر يدعى أحمد عبد الله السوري يشبه أحمد العامل في مشغل نسيج في باغجيلر بإسطنبول، وهو في الخامسة عشر من عمره، ويشتاق أيضًا كغيره من الأطفال إلى لعب كرة القدم. يشتاق أحمد عبد الله إلى لعب الكرة غير أنه لا يمتلك أي وقت يخصصه لهذا نظرًا لأنه يعمل 12 ساعةً يوميًا منذ 6 سنوات في الأساس. والواقع أنه ليس لديه صديق من أطفال الحيّ.
لا يعرف التركية بالقدر الكافي، ولذلك يتعسر في التواصل مع الأطفال، كما أنه يخجل قليلًا. إنه يتحدث معنا بلغته التركية الركيكة. يرغب أحمد في أن يسد جوعه قبل بدء الحديث. والحقيقة أنه ليست لديه طاقة على الكلام ولكنه يريد الحديث عن حكايته وكيف هاجر إلى هنا.
إنه أكبر أبناء الأسرة ووضعه الاجتماعي أصعب بكثير مقارنة بأحمد بوزان؛ لأنه زُوّج قبل عام واحد من فاطمة ابنة خالته البالغة 16 عامًا.
سيصبح أحمد أبًا بعد شهر. وكانت فاطمة تعمل سابقًا مع أحمد في مطعم بمنطقة أمينونو، وهي لا تعمل الآن بسبب حملها. وقد جاء أحمد عبد الله إلى إسطنبول مع عائلته المكونة من 9 أفراد من عفرين السورية قبل 6 سنوات، ويبدو أنه غير واعٍ بهذه المسؤولية التي تحملها.
"ربما أكون متزوجًا ولكنني سأظل أعيش مع عائلتي وعائلة خالتي؛ ليس هناك فرق كبير. كان وضعنا جميعًا جيد حين كنا في سوريا، وما كان يعمل أي من إخواني، أما الآن فالوضع مختلف لأن أبي مريض في عينيه. نحن مطالبون بدفع الإيجار، والجميع ينتظر لقمة عيش".
أطفال سوريا في تركيا
أحمد عبد الله

 

هناك طفل آخر مضطر لأن يجلب لقمة عيش إلى أسرته؛ إنه عيسى حيسو. نحن نشاهده بين الزحام الشديد في حي تقسيم. وحين أقنعناه بالحديث جلس بحافة الطريق ورحنا نصغي إلى كل ما يحكيه. وقد تحدث عن الاضطراب والتخبط الذي أحدثه في داخله سؤال تعذر عليه طويلًا العثور على إجابته، وبدأ حكايته هكذا:
"في مرات كثيرة وخاصة بينما أبيع الماء للناس في حي "تقسيم" كان يواجهني سؤال أحدهم "لماذا جئتم من سوريا؟" فكنت في بداية الأمر أحسب أن هؤلاء الناس لا يعلمون أن هناك حربًا في سوريا، ولكنني فهمت لاحقًا سبب طرح تلك الأسئلة عليَّ."
تلك هي كلمات عيسى حيسو البالغ من العمر 14 عامًا والذي اضطر قبل خمس سنوات إلى السفر مع عائلته من حلب في سوريا إلى تركيا. حيث إنه اضطر في تركيا إلى تنحية طفولته وخيالاته جانبًا وقد جاء إليها عبر طرق التهريب، وأصبح مضطرًا للعمل 14 ساعة يوميًا.
"كنت أمتلك منزلًا وحيًّا أعيش فيه في سوريا قبل حوالي خمس سنوات. كنا بعد الخروج من المدرسة نلعب بالكرات الزجاجية أو كرة القدم. نحن اثنا عشر أخًا، وأبي هو المسؤول عن إعاشة المنزل وأهله. لم يكن ينقصنا شيء قط. غير أن الوضع لم يعد هكذا. أحيانًا أبيع الماء، وأخرى أبيع الورد، وأعمل 14 ساعة يوميًا. ونظرًا لأن والدي أصبح في 52 من عمره فإنني وعبد الله البالغ 14 عامًا وأختي حياة البالغة 11 عامًا مضطرين لممارسة نفس العمل. أما الآخرون فلا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة أصلًا".
العمل 14 ساعة يوميًا يرهق عيسى حيسو كثيرًا ولكنه يجب أن يدفع 980 ليرة إيجارًا شهريًا، و50 ليرة فاتورة الكهرباء و30 ليرة فاتورة المياه. فلما سألناه ماذا تتخيل وأنت تعمل كانت إجابته حالمة وكبيرة بعض الشيء:
"نظرًا لأنني لن أستطيع الذهاب إلى المدرسة فعليَّ جلب الخبز والقوت إلى المنزل. إن أكثر ما أخافه أثناء عملي هو أن يأخذ منا موظفو شرطة البلدية مصدر رزقنا. لذلك فإنني دائمًا ما أنظر حولي بينما أبيع الزهور أو الماء."
هاجر أحمد بوزان وأحمد عبد الله وعيسى حيسو من سوريا بسبب الحرب؛ وهم يمثلون ثلاثة فحسب من ملايين الأطفال الذين تركوا طفولاتهم وخيالاتهم وألعابهم ومستقبلهم وراءهم. إنهم بالرغم من رغبتهم الشديدة لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة ولا اللعب بالألعاب وكرة القدم التي يحبونها كثيرًا. وتظل معلقة كل الخيالات ومشاعر الشوق والحنين العظيمة لهؤلاء الأطفال الذين يعملون 12 ساعة على الأقل يوميًا.
إن الحرب السورية المستمرة منذ 2011 تمثل أكبر أزمات الإنسانية مؤخرًا. ويأتي الأطفال في مقدمة أكثر المتضررين منها والمكتوين بنارها: فتعليمهم وصحتهم ومستقبلهم بل وحتى حياتهم تتعرض للخطر والتهلكة.
 
ووفقا لإحصائيات منظمة اليونيسف المعلنة في نوفمبر 2017 يعيش في تركيا أكثر من 3.4 مليون لاجئ سوري، بينهم 1.5 مليون طفلٍ. ويوجد حاليًا ما يقرب من 350 ألف طفل خارج التعليم، ومعظم هؤلاء الأطفال كعمال. وجميع الأطفال العمال تقريبًا يعملون في قطاعات غير مسجلة أي لا يتمتعون بالضمان والتأمين الاجتماعي.
وثمة جانب سوري من مشكلة العمالة من الأطفال هذه. وقد صدر تقرير شهر أبريل أعددته بعنوان "أن تكون طفلًا عاملًا في تركيا" النقابة العامة للعمل التابعة لاتحاد النقابات العمالية الثورية حين نوسع المجال أكثر قليلًا وننظر إلى المشهد العام في تركيا. ووفقًا لهذا التقرير فإن هناك 800 ألف طفل مسجلون عمالًا وفقًا للمصادر الرسمية، بينما هم في الحقيقة حوالي 2 مليون طفل. حوالي 80% من هؤلاء الأطفال يعملون بشكل غير قانوني، بينما لا يستطيع أكثر من نصفهم الذهاب إلى المدرسة.
أما البيانات الرسمية لمعهد الإحصاء التركي فتشير إلى أن فترات عمل الأطفال طويلة أكثر من اللازم. فهذه الفترة البالغ متوسطها حوالي 26.5 تساوي حوالي 54.3 ساعات في المتوسط بالنسبة للأطفال المداومين على الدراسة.
علاوة على أن هناك 3.4 % من الأطفال يتم تشغيلهم بأجر ثابت أو متغير، وهم متعرضون لأي نوع من أنواع الاعتلال أو الحوادث الطارئة. ولا يقدم الطعام إلى هؤلاء في أماكن عملهم، بينما لا يحصل حوالي 36 % منهم على إجازة أسبوعية.
 
وترى أزغي قومان خبير حقوق الطفل أن عمالة الأطفال تبدو ساحة واسعة لظهور إخلال عميق بالقانون. وأفادت أزغى بأنه لم يُلاحظ ولم يُرصد أي انخفاض في عدد عمالة الأطفال منذ سنوات، وأضافت قائلة:
"للأطفال السوريين الذين يتم تشغيلهم دور في حدوث هذه الزيادة. أما بالنسبة للبيانات الرسمية فهناك حوالي مليون طفل سوري عامل لم يُوضعوا في الحسبان. غير أننا نعلم أنَّ هذا الرقم قريب من مليونين تقريبًا. يعمل هؤلاء الأطفال بدون ضمان اجتماعي. وإلى جانب الزيادة المستمرة هناك بيانات تفيد أن شروط العمل صارت أكثر صعُوبة. فالأطفال يتم تشغيلهم ساعات أطول وفي أعمال أصعب. كما أن هناك بيانات تشير إلى زيادة تشغيل الأطفال داخل المنازل. والأطفال الذين أتموا الــ15 من العمر يمكنهم العمل في أماكن محددة فحسب، غير أن العديد من الأطفال الذين يتم تشغيلهم يعملون غير مقيدين أو أنهم يضطروا إلى العمل."
الأطفال الذين يتم تشغيلهم في ظروف تزداد قسوة وشدة قد يفقدون حيواتهم في جرائم القتل. ووفقا لبيانات مجلس صحة وسلامة العمال فهناك 260 طفل فقدوا حياتهم في أثناء العمل. أما بالنسبة لوفيات الأطفال فأكثر ما وقع منها كان في مجالات: الزراعة والغابات، والإنشاءات والطرق، والتعدين والتجارة والتعليم والسينما.
"ووفقا لتقارير الحق في الحياة التي قمنا بإعدادها فهناك زيادة ملحوظة في عدد وفيات العمال من الأطفال. بالطبع ربما نستطيع ونحن نفعل هذا أن نقول الرقم على الأقل بسبب بعده المنعكس على الإعلام. غير أن مجلس صحة العمال يبين أن ثمة زيادة في جرائم قتل العمال من الأطفال. وأن الأطفال السوريين يتم تشغيلهم في أصعب وأقسى الوظائف. والعمل في مجال الزراعة من أصعب وأشد الميادين؛ لأنه الأكثر حدوثًا لجرائم قتل العمال الأطفال."
وترى قومان أن الحلول اللازمة لتقليل هذا العدد تتمثل في تكوين آليات للمراقبة والتفتيش والتغلب على التوظيف غير الرسمي، وتمكين الأطفال العاملين من العودة إلى المدارس...
لم يتم بعدُ إعلان البيانات التي توصلت إليها هيئة الإحصاء العامة التركية بخصوص القوى العاملة من الأطفال. وبحسب أزغي قومان الخبيرة في حقوق الطفل فإن السبب في هذا ربما يكون الزيادة في عدد العمالة من الأطفال.
المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة تُعَرِّف كل من كان دون الثامنة من العمر على أنه "طفل"، وهو ما تعترف به تركيا وتقبل به أيضًا.
 
أما المنظمة الدولية للعمل فتنص على أن الفئة العمرية ما بين 15-24 هي العمالة الشابة بينما تسمي من دون ذلك بــ"الطفل العامل" أو "الطفل الشغال".
وقانون العمل رقم 4857 يقر بهذا التصنيف وبالتفصيل الذي أقرته المنظمة الدولية للعمل. وإن بدا كل شيء موافقًا للإجراءات الرسمية فإن هذه المواد الآنفة لا تحقق لاثني مليون طفل أن يعيشوا حياتهم ك"أطفال" بالفعل. يوجد في تركيا حوالي 2 مليون طفل يذهبون إلى العمل كل صباحٍ..
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضا: