Tiny Url
http://tinyurl.com/y8aajx2g
ذو الفقار دوغان
يناير 14 2019

أكثر من 22 ألف "شهيد عمل" خلال فترة حكم أردوغان

لا تترك تركيا لأحد موقعها في الصف الأول أوروبيا والصفوف الأولى عالميا في مجالات جرائم قتل النساء، وجرائم العمل، واعتقالات الصحفيين.
على الرغم من أن الرئيس رجب طيب أردوغان والمتحدثين باسم حكومة حزب العدالة والتنمية يزعمون أنه لا يوجد صحفي في السجن بسبب نشاطه الصحفي، إلا أن مطالبة معايير جديدة في التعديل الأخير على لائحة بطاقات الصحافة، كشروط تتعلق بالأمن القومي والإرهاب وأسرار الدولة وما شابهها، للحصول على تلك البطاقة، تدل على أن نظام أردوغان سيزيد من استخدام هذه الذريعة في الأيام القادمة.
التقرير الذي أظهر مقتل ١٣٠ سيدة في بريطانيا عام ٢٠١٧ من قِبل أزواجهن أو زملائهن أقام البلاد ولم يقعدها فيما بعد، في حين أن المعطيات التي أعلنها تقرير لـ"منتدى منع جرائم قتل النساء" في العام نفسه كشفت عن مقتل ٤٠٩ سيدات على أيدي أزواجهن وأفراد عوائلهن أو أزواجهن السابقين أو زملائهن الذين افترقت طرقهم.
أما المشهد في عام ٢٠١٨ فأوخمُ وأسوأ من العام السابق، حيث ارتفع عدد الضحايا من النساء إلى ٤٤٠، بينما تعرضت ٣١٧ سيدة و١٢١٧ طفلا للانتهاك أو التحرش الجنسي.
أما جرائم العمل التي تَحدُث تحت مسمى "حالات الوفاة أثناء العمل" فمؤشر مهم يدل على مدى ضآلة قيمة حياة الإنسان في تركيا؛ حيث قفز عدد الذين لقوا مصرعهم أثناء العمل إلى ألف و٩٢٣ شخصا في عام ٢٠١٨، علما بأن الرئيس أردوغان كان أرجع السبب في مثل هذا النوع من حالات الوفاة إلى "طبيعة العمل"، في حين أن إجمالي عدد من تُوفوا جراء جرائم العمل خلال ١٦ عاما من حكم حزب العدالة والتنمية بلغ ٢٢ ألف و٥٠٠. وكشفت التقارير أن حالات الوفاة أثناء العمل بين النساء والأطفال شهدت زيادة ملحوظة، وأن المعدل اليومي للضحايا أثناء العمل يصل إلى ٤ عمال.
وبالإضافة إلى جرائم العمل هذه، فإن ساعات الدوام التي تتراوح ما بين ١٢ و١٤ ساعة، واضطرار أزيد من مليون شخص إلى العمل بالحد الأدنى للأجور أو بأقل من ألف ليرة، وحالة العجز النابعة من مشكلات اقتصادية تتسبب في زيادة حالات الانتحار بين العمال.
بحسب الأرقام التي أوردها الطبيب والنائب البرلماني من صفوف حزب الشعب الجمهوري المعارض "تكين بنجول"، في تقريرٍ أعده في أعقاب احتجاج عمال مطار إسطنبول الثالث، انتحر 15 عاملا على الأقل في عام 2013، و25 عاملا على الأقل في عام 2014، و59 عاملا على الأقل في عام 2015، و90 عاملاً على الأقل في عام 2016، و89 عاملاً على الأقل في عام 2017، وذلك في المؤسسة التي يعملون بها أو خارجها لكن لأسباب نابعة من عملهم أيضًا. 
 وقد أعاد النائب بنجول للأذهان التصريحات التي أدلى بها وزير العمل والضمان الاجتماعي حينها "عمر دينجار" عقب مقتل أكثر من 301 عامل جراء كارثة منجمِ "سوما" بمدينة مانيسا في 13 مايو 2014، والتي قال فيها: "يمكن أن أؤكد لكم بكل أريحية أنهم ماتوا بصورة جميلة من دون أن يعانوا آلامًا جسدية!"، ومن ثم لفت (بنجول) إلى أن إحصاءات مؤسسة الضمان الاجتماعي الخاصة بحالات الوفاة أثناء العمل لا تعكس الحقيقة. حيث يشدد بنجول على أن معطيات مؤسسة الضمان الاجتماعي لا تتضمن حالات الوفاة التي يتعرض لها العمال غير النظاميين، بل تتضمن الوفيات الناجمة عن حوادث العمل للعمال المسجلين لديها وفي حالة إبلاغها بها فقط.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن نسبة العمالة غير الرسمية تصل إلى حوالي ٣٤% وفق آخر الأرقام الخاصة بالبطالة والعمالة التي أعلن عنها معهد الإحصاءات القومي في أيلول سبتمبر ٢٠١٨، فإن جرائم القتل التي يتعرض لها هذا النوع من العمال لا تنعكس على الأرقام الرسمية. ولهذا فإن بيانات مجلس الصحة والسلامة المهنية (ISIG) في هذا الصدد تقدم صورة أكثر واقعية. وقد كشف التقرير الذي أعده هذا المجلس في الرابع من هذا الشهر بعنوان: "في أي حرب نخسر هذا العدد الهائل من زملائنا" عن جرائم العمل أن عدد ضحايا العمل بلغ ألفا و٩٢٣ عاملا خلال عام 2018. ويشير تقرير المجلس إلى أن إجمالي عدد الذين لقوا حتفهم في المؤسسة التي يعملون بها، اعتبارا من ٢٠٠٢ حيث وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم حتى نهاية عام ٢٠١٨، إلى ٢٢ ألف و٥٠٠ عامل، على أن ٥٧٥ منهم توفوا خلال العام المنصرم فقط، ٢٠١ منهم في يوليو، و189 في أبريل، و185 في أغسطس.
 يأتي قطاع الزراعة والغابات بنسبة ٢٤% في صدارة القطاعات التي تشهد حالات الوفاة الناجمة من حوادث العمل، يأتي بعده في المرتبة الثانية قطاع الإنشاءات بنسبة ٢٣%، يليه في المرتبة الثالثة قطاع النقل بنسبة ١٢%. في حين أن حوادث المرور-السرفيس تأتي في مقدمة الأسباب المؤدية إلى الوفاة بنسبة ٢١%، تعقبها في المرتبة الثانية حوادث الانسحاق والانهيار بنسبة ٢٠%، وحوادث السقوط من الأعلى في المرتبة الثالثة بنسبة ١٧%.
يتكون 49% من المتوفين بسبب حوادث العمل في عام 2018 من العمال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20-50 سنة، فيما تبلغ نسبة الضحايا الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-27 سنة 15%. وكان بين هؤلاء الضحايا 110 عاملين غير رسميين من اللاجئين، وكانت نسبة السوريين 43%، ونسبة الأفغان 25%.
والأنكأ للجرح هي أن 98% من العمال الذين لقوا مصرعهم جراء حوادث العمل يتألفون من الذين لا ينتمون إلى أي نقابة أو منظمة عمل، وتركوا القضايا المتعلقة بأمن وظروف العمل والأجور والضمان الاجتماعي، وما إلى ذلك، إلى رحمة صاحب العمل تمامًا.
تقول السيدة بينار أبدال، ممثلةُ مجلس الصحة والسلامة المهنية في العاصمة أنقرة: إن جرائم القتل النابعة من حوادث العمل بدأت تشهد زيادة خطيرة في الآونة الأخيرة، وذلك بالتزامن مع حصول مقاولين يتمتعون بعلاقات وثيقة مع الحكومة على مناقصات المشاريع الضخمة في إطار مشروع التعاون بين القطاعين العام والخاص (KÖİ).
توضح السيدة أبدال هذا الأمر قائلة: "قديمًا كنا نقول بأن جرائم العمل تَحدُث بكثرة في الشركات والمؤسسات الصغيرة، غير أن المشاريع الضخمة قد غيرت هذا الواقع في الآونة الأخيرة؛ إذ باتت الشركات المنفذة للمشاريع الضخمة ساحة جديدة للعمالة غير الرسمية وغير المضمونة. ومع أنه من المتوقع أن تكون الشركات الكبيرة أكثر التزامًا بالقواعد والقوانين، إلا أننا نرى أن أصحاب تلك المشاريع يكلفون عمالهم بأعمال شاقة وكثيرة دون أن يقدموا لهم الطعام والمبيت كما ينبغي، بالإضافة إلى أنهم لا يمنحونهم المرتب الذي يستحقونه بشكل كامل."
تنبّه السيدة أبدال بعد ذلك إلى نقطة مهمة وهي أن مصطلح "الحادث" يدل عادة على أمر مجهول غير متوقع، لكن حالات الوفيات بسبب حوادث العمل تقع بسبب إهمال يمكن تفاديه بسهولة، الأمر الذي يدفعهم إلى تعريف هذا النوع من الوفيات بـ"جرائم العمل" بدلاً من "حالات الوفيات النابعة من حوادث العمل". 
ومن ثم تشرح السيدة أبدال سبب تفضيلهم استخدام هذا المصطلح بقولها:
"نلاحظ أن المجالات التي تكون فيها نسبة وقوع حوادث العمل أعلى هي تلك المجالات التي لا تتوفر فيها ظروف آمنة. ونرى أن قطاع الزراعة يأتي في المركز الأول في هذا النوع من الوفيات، فيما يحتل قطاع البناء والإنشاء المركز الثاني، ثم يعقبه قطاع النقل في المركز الثالث. في حين أن السحق والانهيار والسقوط من الأماكن المرتفعة يأتي على رأس قائمة أسباب الوفيات. ولا يمكن ربط كل هذه الوفيات بإهمال العمال. هذه الأمور مشاكل هيكلية. فعلى سبيل المثال، يشكل السقوط من مكان عال أكثر الأسباب المؤدية إلى الموت. وهذا يدل على عدم استخدام ركيزة سليمة رصينة وغياب إشارات تحذيرية كما ينبغي. 
وتقول السلطات التركية بأن 72 جنديًا استشهدوا خلال عملية درع الفرات في سوريا، واستشهد 52 جنديًّا أثناء عملية غصن الزيتون في مدينة عفرين. في حين أن عدد الذين فقدوا حياتهم أثناء العمل، وصل إلى ألف و923، وبلغ إجمالي عدد شهداء العمل خلال 16 عاما من حكم الرئيس أردوغان 22 ألفًا و500 شخص.  ويمكن أن نصف هؤلاء أيضا بـ"شهداء العمل"، لأنهم قضوا نحبهم في سبيل جهادهم من أجل الحصول على لقمة العيش.
والمثير للدهشة أن الرئيس أردوغان استخدم مؤخرًا عبارات شديدة اللهجة في ندوة بعنوان: "الإدارات المحلية في نظام الحكومة الرئاسية"، منتقدًا هذا النوع من حالات الوفيات وكأنه ليس الحاكمَ في تركيا منذ 17 عامًا وليس المسؤولَ عن جرائم القتل جراء حوادث العمل والكوارث البيئية والطبيعية التي نتجت عن تنفيذ مشاريع ضخمة من قبِل شركات موالية له! فعلى الرغم من أنه من دمر الغابات وقطع أشجارها وتسبب في قتل عديد من العمال في سبيل إنشاء مطار إسطنبول الثالث وطريقِ مرمرة السريع، وأن المقاولين المقربين منه تسببوا في مقتل عشرات العمال في مصاعد المساكن الفاخرة المكونة من 30-40 طابقا في إسطنبول والمحافظات الأخرى، إلا أنه برأ نفسه وحكومات حزب العدالة والتنمية في خطابه المذكور من كل ذلك وحمَّل المسؤولية الآخرين المجهولين!
ومع أن أردوغان من أسس قصره الفاخر المكون من أكثر من ألف غرفة بعد أن قطع آلاف الأشجار في غابات أتاتورك، رغم أنها المنطقة الخضراء الوحيدة في العاصمة أنقرة، وأنه من قضى على آلاف الفدانات من مساحات الغابات وبساتين الزيتون في سبيل القصر الجمهوري الصيفي الجاري إنشاؤه حاليا في خليج مارماريس-أوكلوك بمدينة موغلا الساحلية.. نعم، أنه مع كل ذلك استطاع أن يقول في تلك الندوة:
هناك من يحاولون تحويل سواحلِ بحارنا وأراضي غاباتنا إلى كتلة خرسانية! الطمع في الأموال والرأسمالية من يجعلهم يُقْبلون على مثل هذه الأعمال والمشاريع دون مبالاة بالبيئة والطبيعة وتدمير الغابات وقطع الأشجار. فهمهم الوحيد هو كسب أموال وإنشاءُ ناطحات السحاب! بينما نحن نرى أن الحضارة هي القرب من الأرض والترابِ والبعد عن ناطحات السحاب الخرسانية. ومن هنا أوجه كلامي لوزير البيئة والتخطيط الحضاري: عليك أن لا ترحم على أحد منهم، فإن لم يهدموا هم بأنفسهم ما بنوه فإننا سنقوم بهدمها!"

 

يمكن قراءة لمقال باللغة التركية أيضًا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.