"أماصره" التركية.. قطعوا أشجار الزيتون من أجل محطة حرارية

 

أثناء الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان لتونس في شهر ديسمبر الماضي، قال إنه من الممكن أن يقوموا مستقبلًا باستيراد زيت الزيتون من ذلك البلد. وفي الوقت الذي كان يجري فيه الرئيس مباحثاته على هامش الزيارة بتونس من أجل استيراد زيت الزيتون لتركيا التي هي في الأساس بلد الزيتون، كانت شركة "خطّاط" القابضة، تقتلع أشجار الزيتون من قرية "غُمو" التابعة لمدينة "أماصرة" بولاية بارتين، شمالي تركيا، بطريقة غير قانونية.
الشركة المذكورة، منذ العام 2009 وحتى يومنا هذا، تحدوها رغبة لإنشاء محطة حرارية تعمل بالفحم في قريتي "غمو"، و"طارلا أغزي" في أماصرة، لكن الأهالي يقفون أمام مساعيها هذه، ويواصلون كفاحهم ونضالهم القانوني ضد هذه الرغبة.
المنطقة التي عليها النظر لإنشاء المحطة، مزروعة بأشجار الزيتون. ووفق القانون رقم 3573 المتعلق بعملية تأهيل مزارع الزيتون، وتلقيحها، فإنه يحظر مُطلقًا إنشاء أي مرفق إنتاج له مداخن، أو أي محطة حرارية بالفحم قرب المساحات المزروعة بالزيتون، بثلاثة كيلو مترات. ورغم هذا فإن أشجار الزيتون في قرية "غمو" بأماصرة قريبة من المحطة المراد إنشائها، ببضع مئة مترات فقط.
تجدر الإشارة أنه في العام 2014، قطعت شركة أخرى تدعى "كولن"، 6 آلاف شجرة زيتون بشكل غير قانوني، حيث كانت ترغب في تأسيس محطة حرارية في قرية "يرجه" بمدينة "سوما" بولاية مانيسا غربي تركيا. لكن الشركة تراجعت عن فكرة إنشاء المحطة بسبب مقاومة أهالي المنطقة، وردود الفعل الغاضبة لدى الرأي العام التركي. لذلك فإن شركة "خطاط" القابضة، لجأت إلى سُبل وحيل مختلفة كي تضمن الحيلولة دون وقوع ردود فعل محتملة رافضة لما تصبو إليه.
الشركة المذكورة قامت في البداية بشراء الأراضي التي بها أشجار الزيتون، بأسعار مرتفعة. وبعد ذلك قالت إن الأشجار سيتم نقلها لمكان آخر، وأنها أخذت التقارير اللازمة في هذا الصدد. وصبيحة يوم اثنين، جاء مسؤلو الشركة إلى مكان تلك الأشجار، وأمروا بقطعها واقتلاعها. ورغم ردود الفعل الغاضبة والرافضة من الأهالي، لكون العملية غير قانونية، تواصل قطع الأشجار. بل وتمّ إبعاد المواطنين عن المنطقة. وصبيحة انتهاء عملية التقطيع جاء مسؤولون حكوميون وكتبوا تقريرًا يفيد أن القطع تم بشكل غير قانوني، لكن حينها كانت الأشجار قد قطعت بالكامل.
رد فعل سكان المنطقة كان كبيرًا، وأخذوا يبحثون عن إجابات لأسئلة كثيرة دارت بخلدهم، مثل كيف تمّ إعطاء تقارير بهذه السرعة لنقل تلك الأشجار؟ ولماذا لم يهتم أحد برفضهم لعمليات قطعها؟.
البروفيسور دكتور أردوغان آتمش، من كلية الغابات بجامعة بارتن، يقود عملية مقاومة إنشاء المحطة بالمنطقة مع القرويين، من خلال منصة حملت اسم الولاية، أي "منصة باترن". آتمش قص علينا تطورات عملية تقطيع الأشجار وما شابها من إجراءات غير قانونية، وذلك على النحو التالي:
"نقاوم منذ سنوات طويلة. ولقد سبق أن ألغينا تقرير تقييم الأثر البيئي للمنطقة، وهو التقرير الذي استطاعوا الحصول عليه من وزارة البيئة، وحمل نتائج إيجابية بالنسبة لهم، وذلك عام 2016. فنقلنا الأمر إلى المحكمة مرة ثانية، وأثبتنا في الدعوى أن المكان الذي ستؤسس فيه المحطة الحرارية مزروع بأشجار الزيتون.
ووفق قانون الزيتون كما تعلمون، فإنه يحظر إنشاء مصنع له مدخنة، وليس محطة حرارية فقط، بجوار الأشجار. وفيما بعد بدأنا نتحرك من أجل تأسيس مصنع زيتون بذات المنطقة، الجميع بذل كل ما في وسعه من أجل تنفيذ المشروع، أصحاب الأراضي، والمختار، وأهالي القرية، الجميع بلا استثناء.
وفي شهر نوفمبر الماضي، تمكن من يرغبون في تأسيس المحطة الحرارية، من فرض قيود على إجراءات إنشاء مصانع الزيتون، ففي ذلك التاريخ نشرت وزارة البيئة والتخطيط العمراني، تعليمات في هذا الخصوص. وأبلغونا بأن أشجار الزيتون المزروعة غير كافية لإنشاء المصنع.
وبينما كان كل هذا يحدث، قررت شركات الفحم الحجري التركية، مصادرة المنطقة المحيطة بالأراضي التي يسعون لتأسيس المحطة الحرارية عليها. فتقدمت شركة "خطاط" القابضة، بأسعار تفوق القيمة الفعلية للمنطقة بأربعة أضعاف، ما اضطر أصحاب الأراضي للبيع.
الشركة اشترت أولًا هذه المنطقة. وفيما بعد أشهروا تقريرًا مؤرخًا في 19 ديسمبر 2017، وموقعًا من دكتور أونال قايا مدير معهد أبحاث الزيتون بولاية إزمير التابع لوزارة الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية، وتضمن التقرير عبارة تقول (..أشجار الزيتون التي ترغب شركتكم في نقلها، سنقبلها إذا أحضرت لنا...). أما تاريخ تقدم الشركة بطلبها للمكان المذكور من أجل نقل الأشجار، فكان يوم 18 من ذات الشهر، أي أن التقرير المشار إليه صدر في غضون يوم واحد فقط.
وفيما بعد قطعوا 139 شجرة زيتون وفق الأرقام الرسمية، و170 وفق ما قاله مختار القرية. في ذلك اليوم ذهبنا للمكان، وقلنا إن هذا الإجراء غير قانوني، وكانت قوات الدرك موجودة، لكنها اتخذت التدابير والاحتياطات اللازمة.
ولقد تقدمنا على إثر ذلك بشكوى إلى إدارة الحكم المحلي في المنطقة، فرد علينا المسؤولون قائلين (أنتم الآن محتلون للأرض، عليكم أن تتركوها فورًا).
وبالفعل لم يكن لدينا أي خيار آخر سوى مغادرة الأرض، وبمجرد خروجنا منها امتطى العمال جراراتهم، وأتوا على الأشجار حتى اجتثوها من جذورها بطريقة لا تمت للطرق الصحيحة بصلة، فلقد أصبحت الأرض جرداء عارية.
وبعد يوم من مجزرة الزيتون، وتحديدًا يوم 25 ديسمبر 2017، جاء مسؤولو إدارة الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية بولاية مانيسا، إلى مكان المجزرة، وعلمنا أنهم صرّحوا بأن عمليات القطع والتشذيب والاقتلاع، لم تتم وفق الطرق المعروفة، وأن التصريحات اللازمة للقيام بهذه المجزرة لم يتم اتخاذها، وأنهم سيوقعون عقوبة مالية حيال هذه العملية غير القانونية.
لقد جرت عملية التقطيع أمام أعين قوات الدرك، وعندما قلنا إن الأمر غير قانوني، واصلوا علمهم ولم يعيرونا انتباههم؛ وذلك لأن العقوبات المالية شيئ بخس، رد الفعل مجرد عقوبة مالية، ومن ثمّ قاموا بما قاموا وهم مدركون لما يفعلون، ولعواقبه. ومن هنا ندعو المسؤولين لتحمل مسؤولياتهم".
تجدر الإشارة أن "منصة باترين" قدمت طعوناً واعتراضات على بناء المحطة الحرارية. وتقول المنصة إن المكان المختار لعملية الإنشاء، مكان خاطئ، موضحة أن الأمر ستكون له آثار سلبية على البيئة، وحياة الأسماك، والاقتصاد، بل وصحة الإنسان. وتطالب بالإقلاع تمامًا عن هذه الفكرة.
من الجدير بالذكر أن أماصرة، بلدة شديدة الخضرة بمنطقة غرب البحر الأسود. والناس فيها يقاومون منذ فترة طويلة للحيلولة دون بناء المحطة الحرارية. كما أن أماصرة واحدة من المناطق التي سيتم فيها تطوير السياحة البيئية في إطار الاستراتيجية السياحية لتركيا للعام 2023. وتوجد بالمنطقة قلعة يعود تاريخها لعهد الجنويين، وقد أُدرجت على القائمة الإرشادية المؤقتة لمواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة(يونسكو).
وشركة "خطاط" القابضة تريد إنشاء محطة حرارية تعمل بالفحم، تبلغ قدرتها 1320 ميغاواط، وذلك في قريتي غمو، وطارلا أغزي، على مساحة غابات طبيعية تبلغ 380 هكتارًا. وأهالي المنطقة منذ العام 2009 وهم يقاومون هذا الأمر، في الشوارع وعبر القضاء، مدعومين في ذلك بالمنظمات البيئية.
وعام 2014، قام 42 ألف شخص يمثلون خمس سكان ولاية باترين البالغ عدد سكانها 180 ألف نسمة، بتقديم طلب لوزارة البيئة لمنع بناء المحطة الحرارية.
وفي ديسمبر 2016 تمّ رفع دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية ومجلس الدولة بولاية زونغلداك، لوقف تنفيذ تقرير تقييم الأثر البيئي، وإلغائه، القضية رفعها 2019 مدعي، بقيادة "منصة باترين".
 وبعد صدور التقرير الإيجابي لتقييم الأثر البيئي مباشرة، قامت وزارة البيئة والتخطيط العمراني، باستبدال المخططات البيئية لولايات زونغلداك– بارتن- كارابوك (وهي على مقياس/100 ألف و 1/25 ألف)، والتي تمثل أكبر عقبة أمام محطة الطاقة الحرارية، وأدرجت المحطة الحرارية ضمن هذه المخططات حتى يتسنى إنشاؤها داخل حدود قريتي غمو وطارلا أغزي التي كانت من قبل أماكن زراعية، وغابات، بل ومناطق تربية أحياء مائية. وبناء على هذا التحرك من الوزارة، رفعت "منصة باترين" دعوى قضائية ضد المخططات المذكورة.
لكن المحكمة الإدارية في زونغلداك رفضت إيقاف تنفيذ التقرير الإيجابي لتقييم الأثر البيئي، لكنها أرسلت في 14 يوليو 2017، خبير استكشاف إلى المنطقة، لإصدار قرارها بخصوص إلغاء التقرير من الأساس، ومن المنتظر أن تصل تقارير الخبير بهذا الخصوص إلى المحكمة في وقت لاحق.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/termik-santraller/amasrada-termik-santral-icin-zeytin-agaclarini-kestiler