ألين تاشجيان
نوفمبر 21 2017

أمل وتكافل رغم أنف الكارهين .. الفن السابع لإنصاف اللاجئين

 

أكي كوريسماكي ينتقد بأسلوبه الساخر ونمطه الفريد أوروبا المسؤولة الأولى عن قضية اللاجئين، وذلك في فيلمه "الجانب الآخر من الأمل" الحاصل على جائزة "الدب الفضي" من مهرجان برلين السينمائي الدولي و"الجائزة الكبرى" من الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين.
يأمل الإنسان في حياة أفضل، فيريد منزلًا وعملًا ومأكلًا وملبسًا ومشربًا... يريد أن يعيش سويًا مع أحبائه آمنًا مُعافًى شبعًا ومستورًا... أن يكون سعيدًا هانئًا غير قلق على مستقبله. يفضل البقاء بين أناس يشاركهم نفس التاريخ والثقافة واللغة والأرض... الإنسان يريد أن يحيا كإنسان...
نال فيلم "الجانب الآخر من الأمل" لأكي كوريسماكي جائزة الدب الفضي في فرع أفضل مخرج في مهرجان برلين السينمائي الدولي والجائزة الكبرى من الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين، ويدور الفيلم حول أمل البقاء الذي حدا بالبطل خالد الشاب السوري (شيروان حاجي) أن يسافر من حلب إلى هيلسنكي.
فيلم عن اللاجئين
آكي كوريسماكي

 

العيش في المستعمرات القديمة مذلة وهوانًا. والناس يسحقون تحت أنظمة استبدادية أو يُدفعون إلى خوض حرب أهلية أو يتشاحنون فيما بينهم. يتغير الزمان وتتغير الأيديولوجيات، فيأتي نظام استبدادي آخر؛ فيعاني الناس مجددًا في دوامة الفقر والعنف...
يرغب الناس في الهجرة... إلى بلاد غنية تدثرت بدثار الديمقراطية تبدو من بعيد وكأنها تمثال المدنية والحضارة، وقد تناست أنها نهضت في ظل استعمارها للآخرين... يغامرون بحياتهم في سبيل شيء من الحرية، في سبيل شيءٍ من الرفاه والحياة الكريمة...
فإذ بالشرطة تنتظرهم فاتحةً ذراعيها! وأبواب المحاكم والمعسكرات فتحت لهم على مصاريعها، وأصحاب الدعوات العنصرية متأهبين للاعتداء عليهم... ويُنتظر منهم مقابلة ذلك كله بصدر رحب، والاعتراف بفضل فرصة اللجوء الممنوحة لهم!
في فيلم "الجانب الآخر من الأمل" ينصح مزدق العراقي (سيمون البازون) خالد السوري بشأن الهجرة... ينصحه بالابتسام وأن يبدو سعيدًا وهانئًا: "لا تبدو موسوسًا كئيبًا، فهم يبعدونهم أولًا قبل غيرهم."
فيلم عن اللاجئين

 

غير أنه يلزم ألا يضحك هكذا في الشارع حتى يقولون لاحقًا إنه مجنون! إن شخصيات كوريسماكي لا تضحك، بل لا ترتسم على وجوههم أية تعبيرات تقريبًا. كل منهم عادة ما يبدو مثل شخصيات باستير كيتون الصامتة. لقد نُفوا خارج الحدود لأنهم يبدون موسوسين، بالرغم من أنهم لم يكونوا متطرفين.
الهاربون اللاجئون مضطرون إلى اقناع موظفي الدول التي يلجئون إليها بمآسيهم: لماذا هربوا وماذا عانوا وكيف تخطوا الحدود؟ يقول خالد: "أريد العيش في فنلندا، فلا حرب هنا." هكذا الأمر بكل بساطة.
لم يتأكد المواطنون الصادقون المجتهدون أن ضرائبهم تنفق في الهدف الصحيح. ولم يشعر دافعو الضرائب أنهم مطالبون بمعرفة أصحاب المصادر التي تستغلها دولتهم خارج حدودها أو الشركات التي يملكون مواردها، ولكنهم يتفجعون على أن الضرائب لا تعود عليهم في شكل خدمات، وإنما تنفق على الأجانب الذين دخلوا بلادهم متسللين فارين من أوطانهم. 
باستثناء شخصيات كوريسماكي الوحيدة والكتومة... إنهم عمال بالكاد يوفرون لقمة العيش، ولكنهم يعرفون معنى التكافل. يعيشون في أماكن رثة مظلمة متسخة، يرتدون ملابس عفى عليها الزمان وكأنهم لم يتصلوا قط بالطبيعة يخيم عليهم ليل لا نهار له، يعزفون موسيقاهم التي لا يفرطون فيها وكأنهم لا زالوا يعيشون في عالم يذكرنا بالسبعينيات، ولكنهم برغم هذا  يعرفون قيمة الإنسان.

 

"الجانب الآخر من الأمل" يحكي قصة مجردة جدًا: ويكستروم العابس المقامر المفلس المطلق يستثمر ما كسبه من البوكر في مطعم متواضع قديم. ويتعرف على خالد الشاب السوري الذي كان يأوي في مرآب سيارته فيحميه ويرعاه. ويسمح له بالعمل والمبيت في المطعم. يحاول الوصول إلى خالد الذي افترق عن شقيقته في طريق الهجرة، ويساعده في استقدامها، ويحميه من ضغوط الشرطة ومضايقاتها.
يغير ويكستروم وفريقه طبيعتهم في العمل مرارًا أملًا في رواج المطعم وتعزيزه؛ حتى إنهم يرتدون "اليوكاتا" الملابس التقليدية اليابانية ويصنعون السوشي لليابانيين! ويسير مزاح كوريسماكي الساخر مريرًا مع الروح المتشبثة للرأسمالية والتطور الاقتصادي وكأنها الملفوف وملعقة الحساء...
يحافظ أكي كوريسماكي على منهجه المتوازن فنيًا وسياسيًا في فيلمه "الجانب الآخر من الأمل"، بينما يحكي في فيلمه السابق "شاطئ الأمل" أن الناس يستطيعون التغلب على الأنظمة بوساطة التكافل، وإذا لزم الأمر بالعصيان المدني...
ولذا فإنه لا يتحدث عن الكتلة والجمهور المسمى بـــ"اللاجئين" بشكل واقعي وبأسلوب صادق سياسي ولا عن الآلام المشتركة بينهم، إنه يركز على شخصية واحدة، على الشقيق المحب العطوف الذي تفوق همومه الوجدانية همومه البدنية...
لا يتنازل أكي كوريسماكي عن لغته السينمائية الخاصة به لإنتاج فيلم سينمائي واقعي اجتماعيًا، ويحافظ على أصالة الفكاهة فضلًا عن الجودة البصرية، وبينما هو ينتقد السياسات الفنلندية والأوروبية فيما يتعلق باللاجئين والمهاجرين انتقادًا شديدًا يضحك مشاهديه ويرضيهم فنيًا.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: