أبريل 09 2019

أموال إسطنبول سر إصرار أردوغان عليها

لا تزال الضبابية تكتنف نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في إسطنبول يوم الأحد من الأسبوع الماضي، والتي أظهرت فيها عملية الفرز الأولى للأصوات فوز مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو. ولكن بعد اعتراض حزب العدالة والتنمية الحاكم على فرز الأصوات في كثير من أحياء المدينة، وفي ظل عدم اكتمال عمليات إعادة الفرز حتى الآن، لا يزال فوز إمام أوغلو غير مضمون بعد.
ولا سيما ان نائب رئيس حزب العدالة والتنمية أكد أن الحزب سيطالب بإجراء انتخابات بلدية جديدة. وقال نائب رئيس الحزب علي إحسان يافوز "سنسلك طريق الطعن الاستثنائي (...) سنقول إننا نريد إعادة الانتخابات في اسطنبول".

ومع استمرار الصراع الانتخابي، ثمة مسألة واحدة يزداد تسلط الأضواء عليها، ألا وهي ميزانية بلدية مدينة إسطنبول والمبالغ الطائلة التي حولتها إلى المؤسسات الخيرية.

تبلغ الميزانية السنوية لبلدية مدينة إسطنبول 23.8 مليار ليرة (4.2 مليار دولار) للعام 2019. وأعلن رئيس بلدية إسطنبول مولود أويصال أن ما يعادل 3.2 مليار ليرة (569 مليون دولار) من الميزانية سيأتي من قروض داخلية وخارجية، في حين ستأتي 15.5 مليار ليرة (2.76 مليار دولار) من ميزانية الحكومة المركزية.

وتقول المعارضة إن أرقام بلدية إسطنبول في العام السابق تكشف سبب عدم رغبة حزب العدالة والتنمية في التخلي عن حكمه لإسطنبول بالرغم من الهزيمة التي مُني بها في الحادي والثلاثين من مارس، ألا وهو المبالغ المالية الضخمة التي يمكن أن ينفقها على مؤيديه عبر تمويل المؤسسات الخيرية.

فلقد منح مجلس البلدية المؤسسة التركية لخدمة الشباب والتربية (تورغيف) أكثر من عشرة مبان تستخدمها مجانا لتضيفها إلى مساكنها الطلابية الحالية البالغ عددها 62 مسكنا. ويبلغ إجمالي المبالغ التي صرفتها بلدية مدينة إسطنبول للمؤسسة التعليمية 51 مليونا و593 ألفا و44 ليرة (9.1 مليون دولار).

ولا تخفى الصلات التي تربط بين تورغيف وحكومة حزب العدالة والتنمية، فقد أسسها رجب طيب أردوغان في العام 1996، وتضم المؤسسة ابنته إسراء البيرق بين أعضاء مجلسها التنفيذي حاليا.

كما جرى تحويل ما إجماليه 74 مليونا و276 ألفا و471 ليرة (13.2 مليون دولار) إلى مؤسسة شباب تركيا (توغفا)، وهي مؤسسة تعليمية أخرى تضم بلال أردوغان نجل الرئيس التركي بين أعضاء لجنتها الاستشارية العليا. وقد تم منح توغفا أصلا عقاريا في ضاحية كاريا بحي الفاتح في إسطنبول، بالقرب من جدران المدينة التاريخية، كي تستخدمه المؤسسة مجانا لمدة 25 عاما.

علاوة على ذلك، تم تخصيص 19 مبنى لمؤسسات إسلامية أخرى ذات صلة بحزب العدالة والتنمية، من بينها سبعة مبان لمؤسسة أنصار وأربعة لمؤسسة عزيز محمود هدائي وواحد لمؤسسة أسيتانة للفنون الثقافية والتعليم وواحد لمؤسسة دار الفنون للعلوم الدينية.

وفضلا عن كونهما من الأدوات التي تستخدمها الدوائر الحكومية وحلفاؤها المقربون لتقديم المنح، تعمل مؤسستا تورغيف وتوغفا بجد على تنفيذ مشروع الحزب الحاكم لتربية ما يسميه أردوغان جيلا من الشباب المتدين.

كذلك مؤسسة أنصار، وهي مؤسسة دينية توفر السكن الطلابي وخدمات التعليم للأطفال. وقد ظلت أنصار تتمتع بدعم الحكومة على الرغم من تورطها في فضيحة اعتداء على عشرات الأطفال.

ومن بين الأملاك العقارية التي منحت للمؤسسة على مدى السنوات الثلاث الماضية قطعة أرض مساحتها 18 ألف متر مربع متاخمة لأراضي حزب العدالة والتنمية التي تُنظم فيها التجمعات في يني كابي. وقد منحت بلدية إسطنبول مؤسسة أنصار الأرض، التي تقدر قيمتها بواقع 371 مليونا و600 ألف ليرة (66 مليون دولار)، بعد توقيع بروتوكول مشترك.

ثمة بروتوكول آخر مُنحت بموجبه مؤسسة أنصار مبنى مقام على قطعة أرض مساحتها 705 أمتار مربعة مجانا في منطقة أتاشهير بمدينة إسطنبول.

كما منحت بلدية مدينة إسطنبول أكثر من عشرة ملايين ليرة لجمعية أوندر المعنية بمدارس الأئمة والخطباء، ومنحت مبنى في قلب إسطنبول لمؤسسة أوندر. وكلتاهما معروفة بعلاقاتها الوثيقة بحكومة حزب العدالة والتنمية، ومنوطة بزيادة عدد الملتحقين بمدارس الأئمة والخطباء الثانوية الدينية في تركيا.

ومن بين مشروعات بلال أردوغان مؤسسة أوكتشولار للتدريب على الرماية، التي تلقت تمويلا يبلغ 16 مليونا و640 ألفا و457 ليرة (2.95 مليون دولار). ومُنحت هذه المؤسسة أيضا قطعة أرض مساحتها عشرة آلاف متر مربع قرب قصر السلطان في إسطنبول. وتم إزالة 37 كوخا في هذه العملية.

ودخلت مؤسسة إيليم يايمه، التي تضم بين مؤسسيها أردوغان وعضو حزب العدالة والتنمية نعمان كورتولموش، في دائرة الضوء وسط عدة تقارير تتعلق بالفساد. وورد ذكر اسم المؤسسة بين المؤسسات التي كانت تتطلع لحيازة أرض مساحتها 300 هكتار في منطقة توزلا في إسطنبول. ومن بين الأسماء الشهيرة في المؤسسة فاتح ساراتش، الصحفي والصديق المقرب من أردوغان الذي كان من بين 41 شخصا احتجزوا في فضيحة فساد في العام 2013 طالت عددا من كبار مسؤولي حزب العدالة والتنمية.

بلغ إجمالي الموارد العامة التي جرى تحويلها إلى المؤسسة من بلدية مدينة إسطنبول تسعة ملايين و365 ألفا و326 ليرة (1.66 مليون دولار).

بعد ذلك تأتي مؤسسة عزيز محمود هدائي التي يترأسها أحمد حمدي طوباش شقيق رئيس بلدية إسطنبول السابق قدير طوباش المنتمي لحزب العدالة والتنمية.

مُنحت المؤسسة حق استخدام قطعة أرض عامة مجانا لمدة 49 عاما لبناء مسكن. ولم تتلق المؤسسة أيضا أكثر من 16 مليون ليرة من البلدية فحسب، بل كذلك ورد ذكر اسمها في وثائق بنما بصفتها كيانا يحتفظ بأمواله في حسابات خارجية.

ومن الجدير بالذكر أنه بينما يجري التبرع بكل هذه الأموال والمباني لتلك المؤسسات، تبلغ الطاقة الاستيعابية للمؤسسة الحكومية المعنية بتوفير مساكن الطلبة (كيه.واي.كيه) في إسطنبول أقل من 13 ألف طالب يقيمون في 20 مسكنا فقط. ويبلغ عدد الطلاب في إسطنبول 310 آلاف و629 طالبا، بينما يبلغ إجمالي عدد المساكن 349 مسكنا.

كانت المساكن الجامعية دوما أداة تستخدمها الحركات الإسلامية في تركيا في جذب أنصار جدد لها. ويلقى حزب العدالة والتنمية انتقادات واسعة النطاق منذ سنوات لرفضه زيادة التمويل لمساكن الطلبة الحكومية، وضخه الأموال بدلا من ذلك في المؤسسات التابعة له مثل تورغيف وتوغفا وتسليم أراض لها.

غير أن سخاء الحزب الحاكم يتوقف عند هذا الحد. فقد علم موقع "أحوال تركية" أن مؤسسات علمانية، من بينها جمعية الفكر الأتاتوركي ومؤسسة التدريب التركية وجمعية دعم الحياة المعاصرة، تقدمت بطلبات للحصول على تمويل ورفضت طلباتها جميعا بدون مبرر.

وقد ناقش طارق باليالي، المتحدث باسم الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، مع "أحوال تركية" الاختلال الذي ظهر بعد إدراج التمويل المقدم للمؤسسات في ميزانية البلدية.

فقال: "كانت البلدية تحوز 15 مليار ليرة في خزائنها. والأموال البالغة 847 مليون ليرة التي ذهبت إلى المؤسسات الموالية للحكومة تشكل ثمانية في المئة من هذا المبلغ. عندما تفكر في إنفاق 2.5 مليار ليرة على منظومة المترو، تجد أن إعطاء 847 مليونا للمؤسسات أمر خاطئ تماما".

وأضاف أنه علاوة على ذلك، تُخصص الغالبية العظمى من تلك الأموال إلى المؤسسات التي تربطها صلات بأردوغان وغيره من كبار المسؤولين في حزب العدالة والتنمية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/istanbul/istanbul-municipal-funds-transferred-akp-affiliated-foundations-under-spotlight